وأما أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ؛ فإنه كان عالمًا بالأدب فصيحًا بليغًا، مصنفًا في فنون العلوم، وكان من أئمة المعتزلة، تلميذ أبي إسحاق النظام.
وذكر يموت بن المزرع أنه مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني. ثم الفقيمي. [قال] وكان جد الجاحظ أسود، خال أمي.
وروى عن أبي يوسف القاضي، قال: تغذيت عند هارون الرشيد، فسقطت من يدي لقمة، انتثر ما كان عليها من الطعام، فقال: يا يعقوب، خذ لقمتك، فإن المهدي حدثني عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن العباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل ما سقط من الخوان فرزق أولادًا كانوا صباحًا".
[ ١٤٨ ]
وقال أبو بكر العمري: سمعت الجاحظ يقول: نسيت كنيتي ثلاثة أيام، فأتيت أهلي، فقلت: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان.
وقال أبو العباس المبرد: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان، من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
قال أبو سعيد الجنديسابوري: سمعت الجاحظ يصف اللسان، فقال: هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعزر يرد الأحزان، ومتعذر يدفع الضغينة، [ومله يونق الأسماع، وزارع ينبت المودة]، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الزلفة، ومؤنس يذهب الوحشة.
وروى أن الجاحظ كان يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات، فجاءوا بفالوذجة، فتولع محمد بالجاحظ، وأمر أن يجعل من جهته مارق من الجام، فأسرع في الأكل، فتنطف ما بين يديه، فقال له الزيات: تقشعت سماؤك قبل سماء الناس، فقال الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقًا.
وروى أبو العيناء، قال: كنت عند ابن أبي داود بعد أن قتل بن زيات، فجيء بالجاحظ مقيدًا - وكان في أسبابه وناحيته - فقال ابن أبي داود
[ ١٤٩ ]
للجاحظ: ما تأويل هذه الآية:] وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [، فقال الجاحظ: تلاوتها تأويلها، فقال: جيئوا بالحداد، فقال: لتفكوا عني أو لتزيدوني؟ فقيل: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد، فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلًا، ففعل، فلطمه الجاحظ، وقال له: أعمل عمل سنة في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة؛ فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة؛ فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه. وقال ابن أبي داود: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
وروى المبرد أنه قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه وهو عليل، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج، ولو نشر بالمناشير لما أحس به، نصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، والأمر في ذلك أني قد جزت التسعين، وأنشدنا:
أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب
وقال أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي، عن أبيه، قال: قال المعتز بالله تعالى، يا يزيد ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: لامير المؤمنين طول البقاء ودوام
[ ١٥٠ ]