وأما الخليل بن أحمد، فهو أبو عبد الرحمن بن أحمد البصري الفرهودي الأزدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله. وكان من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء.
وأخذ عنه سيبويه؛ وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل؛ فكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: [قال] من غير أن يذكر قائله؛ فهو الخليل بن أحمد.
وأخذ عنه أيضًا النضر بن شميل وأبو فيد مؤرج السدوسي وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم.
وهو أول من استخرج علم العروض، وضبط اللغة، وأملى كتاب العين على الليث بن المظفر.
وكان أول من حصر أشعار العرب. وكان يقول البيتين والثلاثة ونحوها في الآداب؛ مثل ما روى عنه أنه كان يقطّع العروض، فدخل عليه ولده في تلك الحالة، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جُنَّ، فدخل الناس عليه فرأوه يقطّع العروض، فأخبروه بما قال ابنه، فقال له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
[ ٤٥ ]
لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وكما روى عنه أيضًا:
وقبلك داوى الطبي المريض فعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعدًا لدار الفناء فإن الذي هو آتٍ قريب
وكان رحمه الله تعالى من الزهاد في الدنيا المعرضين عنها. ويروى أنه وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزًا يابسًا، وقال: كلْ فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، فقال له الرسول: فما أبلغه [عنك]؟ فأنشأ يقول:
أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى أحدًا يموت هزلًا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
[ ٤٦ ]
فارزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال
ويحكى عنه أنه قال: إن لم تكن هذه الطائفة - يعني أهل العلم - أولياء الله تعالى فليس لله تعالى وَلِيّ.
ويروى عن سفيان أنه كان يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك؛ فلينظر إلى الخليل بن أحمد.
ويروى عن النضر بن شميل أنه قال: كنا نمثل بين ابن عون والخليل بن أحمد، أيهما نقدم في الزهد والعبادة؟ فلا ندري أيهما نقدم! وكان النضر يقول: ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد.
وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه؛ وهو في خص لا يشعر به [أحد] .
وما يحكى عنه من العلم والزهد أشهر من أن ينشر، وأظهر من أن يذكر. توفي سنة ستين ومائة رحمة الله عليه ورضوانه.