وأما أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج؛ فإنه كان من أكابر أهل العربية، وكان حسن العقيدة، جميل الطريقة.
وصنف مصنفات كثيرة؛ منها كتاب المعاني في القرآن، وكتاب الفرق بين المؤنث والمذكر، وكتاب فعلت وأفعلت، والرد على ثعلب في الفصيح؛ إلى غير ذلك.
وكان صاحب اختيار علمي النحو والعروض.
وقال أبو محمد بن درستويه: حدثني أبو إسحاق الزجاج، قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت أبا العباس المبرد، وكان لا يعلِّم مجانًا، وكان لا يعلم بأجرة إلاّ على قدرها، فقال: أي شيء صناعتك؟ فقلت: أخرط الزجاج، وكسبي كل يوم درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أشرط أن أعطيك كل يوم درهمًا أبدًا إلى أن يفرق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره، ومع ذلك أعطيه الدرهم؛ فنصحني
[ ١٨٣ ]
في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب من بعض الأكابر من الصراة يلتمسون معلمًا نحويًا لأولادهم، فقلت له: أسمني له، فأسماني فخرجت، فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهمًا، وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه، وبقيت مدة على ذلك، فطلب عبيد الله بن سليمان مؤدبًا لابنه قاسم، فقال: لا أعرف لك إلاّ رجلًا زجاجًا عند قوم بالصراة، قال: فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عني، وأحضرني، وأسلم إلي القاسم، فكان ذلك سبب غناي، وكنت أعطي أبا العباس المبرد بعد ذلك في كل يوم؛ إلى أن مات إلى رحمة الله تعالى.
وعن علي بن عبد العزيز الطاهري، قال: أخبرنا أبو محمد الوراق - جار لنا - قال: كنت بشارع الأنبار وأنا صبي يوم نيروز، فعبر رجل راكب، فبادر بعض الصبيان، فقلب عليه ماء، فأنشأ يقول وهو ينفض رداءه:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
فلما عبر قيل لنا: هذا أبو إسحاق الزجاج.
قال الطاهري: شارع الأنبار هو النافذ إلى الكبش والأسد.
وقال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو إسحاق الزجاج في
[ ١٨٤ ]
جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلثمائة.
وقال غيره: توفي يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من الشهر، في خلافة المقتدر بالله تعالى.