وأما أبو عبيد
القاسم بن سلام، فكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل هراة؛ ويحكى أن سلاما خرج هو وأبو عبيد مع ابن مولاه إلى الكتّاب
[ ١٠٩ ]
فقال للمعلم: علمي القاسم فإنها كيسة.
ثم إن أبا عبيد طلب العلم، وسمع الحديث، ودرس الأدب، ونظر في الفقه.
وأخذ الأدب عن أبي زيد الأنصاري وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي واليزيدي وغيرهم من البصريين. وأخذ عن ابن الأعرابي وأبي زياد الكلابي ويحيى الأموي وأبي عمرو الشيباني والكسائي والفراء.
وروى الناس من كتبه المصنفة نيفًا وعشرين كتابًا في القرآن والفقه. وبلغنا أنه كان إذا ألف كتابًا أهداه إلى عبد الله بن طاهر؛ فيحمل إليه مالًا خطيرًا استحسانًا لذلك. وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون.
وكان أبو عبيد دينًا ورعًا جوادًا. قال أبو علي النحوي: حدثنا الفسطاطي، قال: كان أبو عبيد مع ابن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه، فأقام عنده شهرين فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا أخذ ما فيه علي نقص، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف؛ فقال: أيها الأمير، إني قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحًا وخيلًا،
[ ١١٠ ]
وأوجه بها إلى الثغر، فيكون الثواب متوفرًا على الأمير. ففعل.
وقال أحمد بن يوسف: لما عمل أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" عرضه على عبد بن طاهر؛ فاستحسنه، وقال: إن عقلًا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يخرج عنا إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضت كتاب الحديث على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله تعالى خيرًا.
وقال أبو علي: أول من سمع هذا الكتاب من أبي عبيدة يحيى بن معين.
قال أبو بكر بن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم ليله أثلاثًا، فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتب ثلثه.
قال أبو حاتم: قال أبو عبيد: مثل الألفاظ الشريفة، والمعاني الظريفة، مثل القلائد اللائحة، في الترائي الواضحة.
وقال هلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة من زمانهم؛ بالشافعي بفقهه بحديث رسول الله ﷺ، وبالإمام أحمد بن محمد بن حنبل في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين لنفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام لتفسير الغريب من حديث رسول الله ﷺ، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ.
وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألت أبا قدامة عن الشافعي وابن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم فالشافعي، إلا أنه قليل الحديث،
[ ١١١ ]
وأما أورعهم فابن حنبل، وأما أحفظهم فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد.
قال إسحاق بن راهويه الحنظلي: أبو عبيد أوسعنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعنا جمعًا، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.
قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الحق يحبه الله تعالى؛ أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني وأعلم مني.
وقال أحمد بن نصر المقرئ: [قال إسحاق بن إبراهيم]: إن الله تعالى لا يستحيي من الحق؛ أبو عبيد أعلم مني، ومن الإمام الشافعي، ومن الإمام أحمد بن حنبل.
وقال أبو عمر الزاهد: سمعت ثعلبًا يقول: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل، لكان عجبًا.
وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد القاسم بن سلام فاضلًا في دينه وفي علمه، ربانيا متفننا في أصناف علوم الإسلام؛ من القرآن والحديث والفقه والغريب والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا نعلم أحدًا من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه.
قال عبد الله بن طاهر: كان للناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلام في زمانه.
قال أبو سعيد الضرير: كنت عند عبد الله بن طاهر، فورد عليه نعي أبي عبيد، فقال: يا أبا سعيد، مات أبو عبيد، ثم أنشد يقول:
[ ١١٢ ]
يا طالب العلم قد أودى ابن سلام وكان فارس علم غير محجام
مت الذي كان فيكم ربع أربعة لم يلف مثلهم إستار أحكام
خير البرية عبد الله أولهم وعامر، ولنعم الثبت يا عام
هما اللذان أنافا فوق غيرهما والقاسمان ابن معن وابن سلام
قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبدًا، وتعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا القاسم بن سلام؛ ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته ولا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلًا، ورأيت الإمام أحمد بن حنبل، كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء، ويمسك ما شاء.
وسئل يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع عنه، فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد! أبو
[ ١١٣ ]
عبيد يسأل عن الناس! لقد كنت عند الأصمعي، إذ أقبل أبو عبيد، فقال: أترون هذا المقبل؟ فقالوا: نعم، قال: لن يضيع الناس ما حيي هذا المقبل.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: أبو عبيد القاسم بن سلام ممن يزداد كل يوم عندنا خيرًا.
وقال أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش: توفي أبو عبيد بمكة حرسها الله تعالى سنة ثنتين -أو ثلاث- وعشرين ومائتين، في خلافة المعتصم.
وقال الحسن بن علي: خرج أبو عبيد إلى مكة سنة تسع عشرة ومائتين؛ ومات بها سنة ثلاث وعشرين ومائتين؛ وقيل: سنة أربع وعشرين ومائتين. في خلافة المعتصم بالله تعالى، وبلغ من العمر سبعًا وستين سنة.