وأما أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المعروف بالمبرد - والثمالي منسوب إلى ثمالة بن مسلم بن كعب بن الحارث بن كعب - فكان شيخ أهل النحو والعربية، وإليه انتهى علمها بعد طبقة أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني.
وكان من أهل البصرة، وأخذ عن أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وغيرهم من أهل العربية.
[ ١٦٤ ]
وكان يعول على المازني. ويقال: إنه بدأ بقراءة كتاب سيبويه على الجرمي، وختمه على المازني.
وكان إسماعيل القاضي - وهو أقدم مولدًا منه - يقول: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه.
وأخذ عنه الصولي ونفطويه النحوي، وأبو علي الطوماري، وجماعة كثيرة.
وكان حسن المحاضرة، مليح الأخبار، كثر النوادر، قال أبو سعيد السيرافي: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جوابًا من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم. وسمعته يقول: لقد فاتني منه علم كثير لقضاء زمام ثعلب.
وقال السيرافي: وسمعت نفطويه يقول: ما رأيت أحفظ لأخبار بغير أسانيد منه ومن أبي العباس بن الفرات.
وقال أبو سعيد: وقد نظر في كتاب سيبويه في عصره جماعة لم يكن لهم كنباهته، مثل أبي ذكوان القاسم بن إسماعيل، ومثل أبي علي بن ذكوان، ومثل أبي يعلى بن أبي زرعة من
[ ١٦٥ ]
أصحاب المازني، ومثل أبي جعفر بن محمد الطبري، ومثل أبي عثمان الأشتانداني، وأبي بكر بن إسماعيل المعروف بمبرمان وغيرهم.
وقال أبو عبد الله المفجع: كان المبرد لعظم حفظه اللغة واتساعه يتهم، فتوافقنا على مسألة لا أصل لها نسأله عنها، لننظر كيف يجيب، وكنا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
فقال قوم: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني، فقطعناه، وتردد على أفواهنا تقطيعه ومنه "ق بعضنا"، فقلت له: أيدك الله تعالى! ما القبعض عند العرب؟ فقال: القطن، يصدق ذلك قول الشاعر:
كأن سنامها حُشِيَ القبعضا
قال: فقلت لأصحابه: ترون الجواب والشاهد؛ إن كان صحيحًا فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب في الحال فهو أعجب.
[ ١٦٦ ]
وقال أبو بكر بن الأزهر: حدثني محمد بن يزيد المبرد، قال: قال لي المازني: بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين، فما معنى ذلك؟ قال: فقلت: أعزك الله تعالى! إن لهم طرائف من الكلام، قال: فأخبرني بأعجب ما رأيته من المجانين، قال: فقلت: دخلت يومًا إليهم، فمررت على شيخ منهم وهو جالس على حصير قصب، فجاورته إلى غيره، فقال: سبحان الله تعالى! أين السلام! مَن المجنون؟ أنا أم أنت! فاستحييت منه، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا [حسن] الرد؛ على أنا نصرف سوء أدبك على أحسن جهاته من العذر؛ لأنه كان يقال: [إن] للداخل على القوم دهشة؛ اجلس أعزك الله تعالى عندنا! وأومأ إلى موضع من الحصير، فقعدت ناحية استجلب مخاطبته، فقال لي: وقد رأى معي مجبرة: أرى معك آلة رجلين، أرجو أن تكون أحدهما، تجالس أصحاب الحديث الأخفاف، أو الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء، قال: أتعرف أبا عثمان المازني؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الذي يقول فيه:
وفتى من مازن ساد أهل البصره
أمه معرفة وأبوه نكره
فقلت: لا أعرفه، فقال: أتعرف غلامًا [له] قد نبغ في هذا العصر، معه
[ ١٦٧ ]
ذهن وله حفظ، وقد برز في النحو يعرف بالمبرد؟ فقلت: أنا والله عين الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئًا من شعره؟ قلت: لا أحسبه يحسن قول الشعر، فقال: يا سبحان الله! أليس هو القائل:
حبذا ماء العناقي د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ودمي أي نبات
أيها الطالب أشهى من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفا ح خدود الفتيات
قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجلس الأنس، فقال: يا سبحان الله! أولا يستحي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة! ثم قال: وما تسمع ما يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون: هو من الأزد أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله! ما أبعد غوره! أتعرف قوله:
سألنا عن ثمالة كل حي فقال القائلون: ومن ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرد: خل قومي فقومي معشر فيهم نذاله
فقلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل، يقولها فيه. فقال: كذب من ادعاها! هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبًا،
[ ١٦٨ ]
فقلت له: أنت أعلم، فقال: يا هذا قد غلبت خفة روحك على قلبي، وقد أخرت ما كان يجب تقديمه؛ ما الكنية أعزك الله! قلت: أبو العباس، قال: فما الاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد، قال: قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار مما قدمت ذكره، ثم وثب باسطًا يده يصافحني، فرأيت القيد في رجله إلى خشبة، فأمنت غائلته، فقال: يا أبا العباس، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهيأ من كل وقت أن نصادف مثلي على مثل هذه الحال؛ أنت المبرد، أنت المبرد! وجعل يصفق، وقد انقلبت عينه، وتغيرت حليته، فبادرت مسرعًا خوفًا أن تبدر لي منه بادرة، وقبلت والله منه، فلم أعاود الدخول إلى مخيس بعدها.
ويروى أن أبا العباس ثعلب تخلف أبا العباس المبرد بكلام قبيح، فبلغ ذلك المبرد، فأنشد:
رب من يعنيه حالي وهو لا يجزي ببالي
قلبه ملآن مني وفؤادي منه خالِ
فلما بلغ ثعلبًا ذلك لم يسمع منه بعد ذلك في حقه كلمة قبيحة.
وحكى أبو بكر بن السراج عن محمد بن خلف، قال: كان بين أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب من المنافرة ما لا خفاء به؛ ولكن أهل التحصيل يفضلون المبرد على ثعلب، وفي ذلك يقول أحمد بن عبد السلام:
[ ١٦٩ ]
رأيت محمد بن يزيد يسمو إلى الخيرات في جاه وقدر
جليس خلائف وغذى ملك وأعلم من رأيت بكل أمر
وكان الشعر قد أودى فأحيا أبو العباس دارس كل شعر
وقالوا ثعلب رجلٌ عليم وأين النجم من شمس وبدر!
وقالوا ثعلبٌ يفتي ويملي وأين الثعلبان من الهزبر!
ويحكى أن بعض أكابر أولاد طاهر سأل أبا العباس ثعلبًا أن يكتب له مصحفًا على مذهب أهل التحقيق، فكتب "والضحى" بالياء، ومن مذهب الكوفيين أنه إذا كان أول الكلمة من هذا النحو ضمة أو كسرة كتبت بالياء؛ وإن كان من ذوات الواو، والبصريون يكتبون بالألف. فنظر المبرد في ذلك المصحف فقال: ينبغي أن يكتب "والضحى" بالألف لأنه من ذوات الواو، فجمع ابن طاهر بينهما، فقال المبرد لثعلب: لم كتبت "والضحي" بالياء؟ فقال: لضم أوله: فقال له: ولم تضم أوله وهو من ذوات الواو وتكتبه
[ ١٧٠ ]
بالياء؟ فقال: لأن الضمة تشبه الواو، وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن أوله واو، فقال أبو العباس المبرد: أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة! ولبعضهم في مدح المبرد:
وأنت الذي لا يبلغ الوصف مدحه وإن أطنب المداح في كل مطنبِ
رأيتك والفتح بن خاقان راكبًا وأنت عديل الفتح في كل موكب
وكان أمير المؤمنين إذا رنا إليك يطيل الفكر بعد التعجب
وأوتيت علمًا لا يحيط بكنهه علوم بني الدنيا ولا علم لتعجب
يروح إليك الناس حتى كأنهم ببابك في أعلى مني والمحصب.
وقال الزجاج: لما قدم المبرد بغداد، جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، فعزمت على إعناته. فلما فاتحته ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلة، وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فتيقنت فضله، واسترجحت عقله، وأخذت في ملازمته.
ولبعضهم في مدحه:
وإذا يقال: من الفتى كل الفتي والشيخ والكهل الكريم العنصر
والمستضاء بعلمه وبرأيه وبعقله؟ قلتُ: ابن عبد الأكبر
[ ١٧١ ]
قال أبو العباس بن عمار: صحف محمد بن يزيد المبرد في كتاب "الروضة" في قوله: حبيب بن خدره، فقال جدرة وفي ربعي بن حراش، فقال: خراش.
وصنف كتبًا كثيرة، ومن أكبرها كتاب المقتضب؛ وهو نفيس؛ إلا أنه قلما يشتغل به أو ينتفع به؛ قال أبو علي: نظرت في كتاب المقتضب فما انتفعت منه بشيء إلا بمسألة واحدة؛ وهي وقوع إذا جوابًا للشرط في قوله تعالى:] وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون [.
قال المصنف: وكان السر في عدم الانتفاع به، أن أبا العباس لما صنف هذا الكتاب، أخذه عن ابن الراوندي المشهور بالزندقة وفساد الاعتقاد، وأخذه الناس من يد ابن الراوندي وكتبوه منه؛ فكأنه عاد عليه شؤمه فلا يكاد ينتفع به.
وقال أبو بكر بن السراج: كان مولد المبرد سنة عشر ومائتين،
[ ١٧٢ ]
ومات سنة خمس وثمانين ومائتين.
وكذلك قال محمد بن العباس: قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع: مات محمد بن يزيد المبرد في شوال سنة خمس وثمانين ومائتين، في خلافة المعتضد بالله تعالى.
ولثعلب في المبرد حين مات:
ذهب المبرد وانقضت أيامه وليذهبن مع المبرد ثعلبا.
بيتٌ من الآداب أضحى نصفه خربًا وباقي النصف منه سيخرب
فتزدوا من ثعلب فبكأس ما شرب المبرد عن قريب يثرب
أوصيكمو أن تكتبوا أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب