وأما النضر بن شميل فأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن فصحاء العرب، كأبي خيرة الأعرابي وأبي الدقيش.
ويحكى عن النضر بن شميل أنه قال: أقمت بالبادية أربعين سنة.
وأخذ عنه أبو عبيدة القاسم بن سلاّم.
وصنف كتبًا، منها كتاب "غريب الحديث"، وكتاب "المعاني"، وكتاب "الأنواء"، وكتاب "المدخل إلى كتاب العين".
وحكى محمد بن ناصح الأهوازي، قال: حدثني النضر بن شميل المازني، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت [عليه] ذات ليلة، وعلي قميص مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا القشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان! قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، فقال: ولكنك قشف. ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال
[ ٧٣ ]
رسول الله ﷺ: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز"، فأورده بفتح السين، قال: قلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم؛ حدثنا عوف بن أبي جميلة، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينه وجمالها كان فيها سِداد من عوز"، قال: وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: يا نضر، كيف قلت: سداد؟ قلت: نعم، لأن السداد هاهنا لحن، قال: أو تلحنني! قلت: إنما لحن هشيم - وكان لحانًا - فتبع أمير المؤمنين لفظه. قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال له المأمون: قبح الله تعالى من لا أدب له! وأطرق مليًا ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة لي بمرو أتصابها وأتمزرها؛ أي أشرب صبابتها، قال: أفلا أفيدك مالا [معها]؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاج، ثم قال: فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت من "يترب"؟ قال: أتربه. قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين، قال: هذا أحسن من الأولى؛ ثم قال: يا غلام أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن
[ ٧٤ ]
سهل؛ قال: فلما قرأ الفضل بن سهل الكتاب، قال: يا نضر، أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكثر به، فقال: لحنت أمير المؤمنين! قلت: كلا؛ إنما لحن هشيم - وكان لحانة - فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار. ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم، فأخذت ألف درهم بحرف استفيد مني.
ويحكى أن النضر مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل يكنى أبا صالح: مسح الله تعالى ما بك، فقال: لا تقل "مسح" بالسين، ولكن قل: "مصح" بالصاد، أي أذهبه الله تعالى وفرقه، أما سمعت قول الشاعر:
وإذا ما الخمر فيها أزبدت أفل الإزباد فيها ومصح
فقال له الرجل: إن السين قد تبدل من الصاد، كما يقال: الصراط والسراط وصقر وسقر، فقال له: فإذا أنت "أبو صالح"! وتوفي النضر سنة ثلاث - أو أربع - ومائتين، في خلافة المأمون.