وأما سيبويه؛ فهو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر؛ ويقال: كنيته أبو الحسن، وأبو بشر أشهر. وكان مولى بني الحارث بن كعب.
وقال المرزباني: كان مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وسيبويه لقب له، ومعناه بالفارسية "رائحة التفاح". ويقال: إن أمه كانت ترقصه وهو صغير [بذلك] .
وكان من أهل فارس، من البيضاء؛ ومنشؤه بالبصرة، وكان يطلب الآثار والفقه.
قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، فقال حماد يومًا: قال ﷺ: "ليس أحدٌ من أصحابي إلاّ وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء"، فقال له [حماد]: لحنت، "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبن علمًا لا تلحنني فيه أبدًا، وطلب النحو.
وأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن
[ ٥٤ ]
يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر وغيرهم. وبرع في النحو، وصنف كتابه الذي لم يسبقه أحدٌ على مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده.
وقال أبو العباس المبرد: ذكر سيبويه عند يونس بن حبيب البصري، فقال: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل! فقيل له: وقد روى عنك أشياء فانظر فيها؛ فنظر فيها، وقال: صدق في جميع ما قال، هو قولي.
قال نصر بن علي: وبرز من أصحاب الخليل أربعة: عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر [الجهضمي]، ومؤرج السدوسي، وكان أبرعهم في النحو سيبويه، وغلب على النضر بن شميل اللغة، وعلى مؤرج الشعر واللغة، وعلى علي بن نصر الجهضمي الحديث.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان سيبويه وحماد بن سلمة أكبر في النحو من النضر بن شميل والأخفش، وكان النضر بن شميل أعلم الأربعة بالحديث.
وقال ابن سلاّم: كان سيبويه النحوي غاية في الخلق، وكتابه في النحو هو الإمام فيه.
وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد [شيئًا] أشرف من كتاب سيبويه، فقلت له: أردت أن أهدي لك شيئًا، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر شيئًا أشرف من هذا الكتاب [وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء]، فقال: والله ما أهديت إلي شيئًا أحب لي منه.
وكان يقال بالبصرة "قرأ فلان الكتاب" فيعلم أنه كتاب سيبويه، و"قرأ نصف الكتاب"، فلا يشك أنه كتاب سيبويه.
وكان أبو العباس المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه، يقول له: هل ركبت البحر! تعظيمًا لكتاب سيبويه واستصعابًا لما فيه.
[ ٥٥ ]
وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتابًا كبيرًا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.
قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابًا جميلًا نظيفًا، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنة وبراعته في النحو؛ فبينا نحن ذات يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثم عاد فقال: ما ثبتت على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: "قد تذاءبت الريح" وتداءبت الريح، أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من هاهنا وههنا، ليخيل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب.
قال أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد: قال ابن كيسان: سهرت ليلة أدرس فنمت، فرأيت جماعة من الجن يتذاكرون الفقه والحديث والحساب النحو والشعر، [قال]: فقلت لهم: أفيكم علماء؟ قالوا: نعم، فقلت من همي [في] النحو: إلى من تميلون من النحويين؟ قالوا: إلى سيبويه. قال أبو عمر: فحدثت بها أبا موسى - وكان يغبطه لحسدٍ كان بينهما - فقال لي أبو موسى: إنما مالوا إليه؛ لأن سيبويه من الجن.
وقال محمد بن سلاّم: كان سيبويه جالسًا في حلقة بالبصرة، فتذاكرنا شيئًا من حديث قتادة، فذكر حديثًا غريبًا، وقال: لم يرو هذا الحديث إلاّ سعيد بن أبي العروبة، فقال له بعض ولد جعفر: ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر؟ فقال:
[ ٥٦ ]
هكذا يقال؛ لأن العروبة يوم الجمعة، فمن قال: "عروبة" فقد أخطأ. قال ابن سلاّم: فذكرت ذلك ليونس، فقال: أصاب لله دره! وأخذ عنه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو علي بن المستنير المعروف بقطرب؛ وكان أبو الحسن الأخفش أكبر سنًّا من سيبويه.
ويروى أنه جاءه الأخفش يومًا يناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد منك، فقال له سيبويه: أتراني أشك في ذلك! وورد سيبويه إلى بغداد، وناظر بها الكسائي وأصحابه، والمناظرة مشهورة.
قال أبو بكر العبدي النحوي: لما قدم سيبويه إلى بغداد - وناظر الكسائي وأصحابه فلم يظهر عليه - سأل عمن يبذل من الملوك ويرغب في النحو، فقيل له طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضه الذي مات فيه، فتمثل عند الموت:
يؤمب دنيا ليبقى بها فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثًا يروي أصول النخي ل فعاش الفسيل ومات الرجل
وقال أبو عمرو بن يزيد: احتضر سيبويه النحوي، فوضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، قال: فدمعت عين أخيه، فأفاق فرآه يبكي، فقال:
أخيين كنا فرق الدهر بيننا إلى الغاية القصوى فمن يأمن الدهرا
[ ٥٧ ]
ومات في أيام الرشيد.
وقال ابن قانع: مات سيبويه النحوي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة.
وقال المرزباني: أخبرنا أبو بكر بن دريد أن سيبويه مات بشيراز، وقبره بها، وقيل: إنه مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
وقرئ على ظهر كتاب لأحمد بن سعيد الدمشقي: مات سيبويه سنة أربع وتسعين ومائة؛ والأول أشبه، لأنه مات قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، على ما سنذكره في موضعه.
قال أبو بكر بن الخطيب: ويقال: إن سيبويه عاش اثنتين وثلاثين سنة، ويقال: مات سيبويه وقد نيف على الأربعين سنة.