وأما أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم؛ فإنه كان صاحب لغة ونحو، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأخذ عنه أحمد بن يحيى ثعلب، والزبير بن بكار، وأبو العيناء، وغيرهم.
وقال
أبو مسحل: كان إسماعيل بن صبيح أقدم أبا عبيدة في أيام الرشيد من البصرة إلى بغداد، وأحضر الأثرم - وكان وراقًا في الوقت - وجعله
[ ١٢٦ ]
في دار من دوره، وأغلق عليه الباب، ودفع إليه كتب أبي عبيدة، وأمره بنسخها، فكنت أنا وجماعة من أصحابنا نصير إلى الأثرم، فيدفع إلينا الكتاب من تحت الباب، ويدفع إلينا ورقًا أبيض من عنده، ويسألنا نسخه وتعجيله، ويوافقنا على الوقت الذي نرده إليه فيه؛ فكنا نفعل ذلك.
وكان الأثرم يقرأ على أبي عبيدة؛ قال: وكان أبو عبيدة من أضن الناس بكتبه؛ ولو علم بما فعله الأثرم لمنعه من ذلك ولم يسامحه.
وقال ثعلب: كنا عند الأثرم وهو يملي شعر الراعي، فلما استتم المجلس وضع الكتاب من يده؛ وكان معي يعقوب بن السكيت، فقال لي لابد أن أسأله عن أبيات للراعي، فقلت له: لا تفعل، فلعله لا يحضره جواب، فلم يقبل، ثم وثب فقال: ما تقول في قول الراعي:
وأفضن بعد كظومهن بجرةٍ من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
قال: فتنحنح الشيخ ولم يجب، قال: فما تقول في بيته:
[ ١٢٧ ]
كدخان مرتجل بأعلى تلعة غرثان ضرم عرفجًا مبلولا
وقال: فلم يجب؛ فرأينا الكراهة في وجهه.
وقال الأثرم: "مثقل استعان بذقنه"، فقال يعقوب: هذا تصحيف؛ إنما هو "بدفية" فقال الأثرم: تريد الرأسة بسرعة! ثم دخل بيته. وقال في معنى المثل: إن البعير إذا حمل عليه، وأثقله الحمل مد عنقه، واعتمد على دفيه؛ لما لم تكن له راحة: فيضرب مثلًا لمن ضعف عن أمر واستعان بأضعف منه عليه.
وقال أبو بكر بن الأنباري: كان ببغداد من رواة اللغة اللحياني والأصمعي، وعلي بن المغيرة.
وتوفي الأثرم في جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، في السنة التي مات فيها الواثق، وبويع المتوكل على الله تعالى.
أبو مسحل
وأما أبو مسحل عبد الوهاب بن حريش الهمذاني النحوي؛ فإنه كان
[ ١٢٨ ]
عالمًا بالقرآن ووجوه إعرابه، عارفًا بالعربية؛ أخذ عن علي بن حمزة الكسائي؛ وكان يكنى: أبا محمد، ويلقب أبا مسحل، وكان إعرابيًا قدم بغداد، وافدًا على الحسن ابن سهل.