وأما عيسى بن عمر الثقفي، فكنيته أبو سليمان - ويقال: أبو عمر - وكان ثقة عالمًا بالعربية والنحو والقراءة، وقراءته مشهورة.
وكان فصيحًا يتقعر في كلامه، ويعدل عن سهل الألفاظ إلى الوحشي والغريب؛ فمن ذلك أنه لما ضربه يوسف بن عمر بن هبيرة في سبب ثياب استودعها؛ قال: إن كانت إلا أثيابًا في أسيفاط، قبضها عشاروك. وذلك أن بعض أصحاب خالد بن عبد الله القسري أودعه وديعة، فلما نزع خالد بن عبد الله عن إمارته بالعراق، وتقلد مكانه يوسف بن عمر، كتب إلى واليه بالبصرة أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيدًا، فدعا به وبالحداد، وأمره بتقييده، وقال: لا بأس عليك، إنما أراد
[ ٢٨ ]
الأمير أن يؤدب ولده، قال: فما بال القيد إذن! فبقيت مثلًا بالبصرة، فلما أتى به يوسف بن عمر، سأله عن الوديعة فأنكرها، فأمر به فضرب بالسياط، فلما أخذه السوط جذع، فقال: أيها الأمير، والله إنما كانت أثيابًا في أسيفاط، قبضها عشاروك؛ فرفع السوط عنه، وكل به حتى أخذ الوديعة منه.
وقال علي بن محمد بن سليمان: رأيت عيسى بن عمر طول دهره يحمل في كمه خرقة يحمل فيها سكر العشر والأجاص اليابس، وريما رأيته واقفًا عندي أو سائرًا، أو عند ولاة أهل البصرة، فتصيبه نهكة على فؤاده، فيخفق عليه حتى يكاد يغلب، فيستغيث بإجاصة وسكرة يلقيهما في فمه، ثم يمتصهما فإذا ازدرد من ذلك شيئًا سكن عليه؛ فسألته عن ذلك، فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني يوسف بن عمر، فعالجته بكل شيء، فلم أجد له أصلح من هذا.
وصنف كتابين في النحو، يسمى أحدهما الجامع، والآخر الإكمال. وفيهما يقول الخليل بن أحمد - وكان الخليل قد أخذ عنه:
ذهب النحو جميعًا كله غير ما أحدث عيسى بن عمر
[ ٢٩ ]
ذاك إكمال وهذا جامعٌ فهما للناس شمس وقمر
وهذان الكتابان لم نرهما ولم نرَ أحدًا رآهما.
وقال يحيى بن المبارك اليزيدي:
يا طالب النحو ألا فابكه بعد أبي عمرو وحماد
وابن أبي إسحاق في علمه والزبن في المشهد والنادي
عيسى وأشباهٌ لعيسى وهل يأتي لهم دهر بأنداد
ويونس النحوي لا تنسه ولا خليلا حية الوادي
وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة.
ويشهد لهذا ما روي عن الأصمعي أنه قال: توفي عيسى بن عمر قبل أبي عمرو بهمس سنين، وكان ذلك في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان أبو عمرو قد توفي سنة أربع وخمسين ومائة، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
أبو عمرو بن العلاء
وأما أبو عمرو بن العلاء، فهو العلم المشهور في علم القراءة واللغة والعربية،
[ ٣٠ ]
وكان من الشأن بمكان. واسمه زبان؛ ويروى أن الفرزدق جاء معتذرًا إليه من أجل هجو بلغه عنه، فقال له أبو عمرو:
هجوت زبان ثم جئت معتذرًا من هجو زبان، لم تهجو ولم تدعْ
فهذا يدل على أن اسمه زبان؛ واختلفوا في اسمه اختلافًا كثيرًا، ومنهم من قال: اسمه كنيته.
[ ٣١ ]
أخذ النحو عن نصر بن عاصم الليثي، وأخذ عنه يونس بن حبيب البصري، والخليل بن أحمد، وأبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي وكان يونس بن حبيب يقول: لو كان أحد ينبغي أو يؤخذ بقوله كله في شيء، كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء كله في العربية، ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك.
وروى الأصمعي عن الخليل بن أحمد، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه قال: أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية.
وحكى الأصمعي قال: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي، فلقيني أبو عمرو بن العلاء، فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: إلى صديق لي، فقال: إن كان لفائدة، أو لمائدة، أو لعائدة، وإلا فلا.
وروي أنه سئل عن قوله تعالى:] فعززنا بثالث [، فقال: المعنى شددنا، وأنشد:
أجد إذا ضمرت تعزز لحمها وإذا تشد بنعسها لا تنبس
تعزز، أي اشتد، ولا تنبس؛ أي لا تصوت.
ويروى عن أبي عمرو، قال: كنت هاربًا من الحجاج بن يوسف، وكان يشتبه
[ ٣٢ ]
على "فرجة" هل هي بالفتح أو بالضم؟ فسمعت قائلًا يقول:
ربما تجزع النفوس من الأمر له فَرجة كحل العقال
بفتح الفاء من "فَرجة"، ثم قال: ألا إنه قد مات الحجاج؛ قال: فما كنت أدري بأيهما كنت أشد فرحًا، بقوله: "َرجة"، أو بقوله مات الحجاج! ويروى أن أبا عمرو سأل أبا خيرة عن قولهم: "استأصل الله عرقاتهم"، فنصب أبو خيرة التاء من "عرقاتهم" فقال له أبو عمرو: هيهات يا أبا خيرة! لأن جلدك! وذلك أن أبا عمرو استضعف النصب، لأنه كان قد سمعها [منه] بالجر، وكان أبو عمرو بعد ذلك يرويها بالنصب والجر.
وكان أبو عمرو يقول: إنما نحن بالإضافة إلى من كان قبلنا كبقل في أصول رقل، أي نخل طوال؛ وهذا يدل على كماله في فضله، قال الشاعر:
وما عبر الإنسان عن فضل نفسه بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وإن أخس النقص أن يرمي الفتى قذى العين عنه بانتقاص الأفاضل
[ ٣٣ ]
وحكى يونس بن حبيب البصري، عن أبي عمرو أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير.
وقال إبراهيم الحربي: كان أهل العربية كلهم أصحاب أهواء؛ إلا أربعة فإنهم أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب البصري، والأصمعي.
ومما روي عن أبي عمرو لشيخ من نجد:
فاستقدرِ الله خيرًا وارضين به فبينما العسر إذ دارت مياسر
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي غريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحيِّ مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكره والدهر أيتما حال دهارير
وهذه الأبيات لعثمان بن لبيد العذري.
روى هشام بن الكلبي، قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلثمائة
[ ٣٤ ]
سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على معاوية بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتًا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحدٍ حتى جرت لك أطلاقًا محاضير
فلست تدري وما تدري أعاجلها أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرًا به وارضينَّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
الأبيات إلى قوله:
يبكي غريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور
قال: فقال لي رجل: أتعرف من قال هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس رحمًا به، وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبًا، فمن الميت؟ فقال: عثمان بن لبيد العذري.
وحكى الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو:
فما جبنوا أنا نشد عليهم ولكن رأوا نارًا تحش وتسفعُ
قال: فذكرت ذلك لشعبة، فقال: ويلك! إنما هو "تحسَّ وتسفع" أي تحرق وتسوَّد.
قال الأصمعي: وقد أصاب أبو عمرو، لأن معنى "تحشُّ" توقد، وقد أصاب شعبة أيضًا، ولم أرَ أعلم بالشعر من شعبة.
وروى الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت أعرابيًا يقول: فلان لغوب، جاءته كتابي فاختصرها، قال: فقلت له [أتقول]: جاءته كتابي! فقال: أليس بصحيفة! فحمله على المعنى.
وقد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم. واللغوب: الأحمق، وله أسماء كثيرة ذكرناها مستوفاة في كتابنا الموسوم في أسماء المائق.
وتوفي أبو عمرو بن العلاء سنة أربع وخمسين ومائة في خلافة المنصور.