وأما أبو فيد مؤرج بن عمرو السدوسي، فكان من كبار أهل اللغة والعربية، وأخذ عن أبي زيد الأنصاري، وصحب الخليل بن أحمد، وكان من أكابر أصحابه، وسمع الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما. وأخذ عنه أحمد [بن محمد] بن أبي محمد اليزيدي.
قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي: أخبرني عمي أبو جعفر، قال: أخبرني مؤرج أنه قدم من البادية ولا معرفة له بالقياس في العربية، قال: فأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة.
وقال محمد بن العباس اليزيدي: حدثني عمي عبيد الله، قال: حدثني أخي أحمد بن محمد، قال: قال لنا مؤرج بن عمرو السدوسي: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت؛ إذ حرشت، وأنا أبو فيد، والفيد ورد الزعفران. ويقال: فاد الرجل يفيد فيدًا إذا مات.
ويقال: إن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل يحفظ نصف اللغة، وكان أبو فيد يحفظ ثلثي اللغة، وكان أبو مالك الأعرابي يحفظ اللغة كلها؛ وكان الغالب على أبي مالك
[ ١٠٥ ]
حفظ الغريب والنوادر.
قال إسماعيل بن إسحاق، عن نصر بن علي، قال: كنت عند محمد بن المهلب، وإذا الأخفش قد جاء إليه، فقال له محمد بن المهلب: من أين جئت؟ فقال: من عند القاضي يحيى بن أكثم وقد سألني عن الثقة المقدم من غلمان الخليل من هو؟ فقلت له: النضر بن شميل وسيبويه ومؤرج السدوسي.
وقال محمد بن العباس اليزيدي: أهدى أبو فيد مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي محمد كساء، فقال جدي فيه:
سأشكر ما أولى ابن عمرو مؤرج وأمنحه حسن الثناء مع الود
أغر سدوسي نماه إلى العلا أبٌ كان صبا بالمكارم والمجد
أتينا أبا فيد نؤمل سيبه ونقدح زندًا غير كاب ولا صلد
فأصدرنا بالفضل والبذل والغنى ومازال محمود المصادر والورد
كساني ولم استكسه متبرعًا وذلك أهنى ما يكون من الرفد
[ ١٠٦ ]
كساء جمال إن أردت جماله وثوب شتاء إن خشيت أذى البرد
كسانيه فضفاضًا إذا ما لبسته تروحت مختالًا وجرت عن القصد
ترى حبكًا فيه كأن اطرادها فرند حديث صقله، سل من غمد
سأشكر ما عشت السدوسي بره وأوصي بشكر للسدوسي من بعدي
قال المصنف: ولو كانت هذه الأبيات في مقابلة حلة من سندس الجنة لوفت بشكرها؛ لما تضمنته من حسن ألفاظها ومعانيها، ولقد كسا اليزيدي مؤرجًا من ثياب ثنائه ما هو أنقى وأبقى من كسائه، فرحمة الله عليهما!.