وأما يونس بن حبيب البصري، فمن أكابر النحويين؛ أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وسمع من العرب كما سمع من قبله، وأخذ عنه سيبويه، وحكى عنه في كتابه، وأخذ عنه أيضًا أبو الحسن بن حمزة الكسائي، وأبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء. وكان له مذاهب وأقيسة تفرد بها، وكانت حلقته بالبصرة، وكان
[ ٤٧ ]
يقصده طلبة العربية وفصحاء الأعراب والبادية. وحكة محمد بن الجهم، قال: حدثنا الفراء، قال: أنشدني يونس النحوي:
رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطى عليه النعيم
وعن الفراء قال: قال يونس: الآل: من غدوة إلى ارتفاع النهار، ثم هو سراب سائر النهار؛ وإذا زالت الشمس فهو فيء، وفي غدوة ظل، وأنشد لأبي ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
وكان كذا وكذا الليلة، يقول ذلك إلى ارتفاع [النهار من] الضحى، فإذا جاوز ذلك قالوا: البارحة.
وروى الأصمعي عن يونس، قال: قال لي رؤبة بن العجاج: حتام تسألني عن هذه الخزعبلات وأزخرفها! أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك! وعن محمد بن سلام، قال: [قال يونس]: كنا على باب ابن عمير، فمرت بنا امرأة يدفع بعضها بعضًا، فما لبثنا أن أقبل فتى من قريش، فلما رآنا ارتدع، فقلنا: هاهنا طلبتك، فتبعها وقال:
[ ٤٨ ]
إذا سلكت قصد السبيل قصدته وإن عاجت عجت حيث تعوج
وحكى الفراء، عن يونس، قال: كان عبد الملك بن عبد الله ينشد:
إذ أنت لم تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفعا
وعن خلاد بن يزيد، قال: قال يونس: ثلاثة والله أشتهي أن أمكن من مناظرتهم يوم القيامة: آدم ﵇، فأقول له: مكنك الله تعالى من الجنة، وحرم عليك الشجرة، فقصدتها حتى طرحتنا في هذا المكروه؛ ويوسف ﵇ فأقول له: كنت بمصر وأبوك يعقوب بكنعان، وبينك وبينه عشر مراحل، يبكي عليك حتى ابيضت عيناه من الحزن، ولم ترسل إليه أني في عافية وتريحه مما كان فيه، وطلحة والزبير ﵄ فأقول لهما: إن علي بن أبي طالب ﵁ بايعتماه بالمدينة وخلعتماه بالعراق، فأي شيء أحدث!.
وحكى أبو عمر الجرمي، قال: رأيت يونس النحوي، مر بحلقة المسجد، فقام إليه رجل يسأله عن قوله تعالى:] وأنى لهم التناوش من مكان بعيد [، فقال بيده: التناوش التناول، وأنشد لغيلان بن حريث الربعي:
فهي تنوش الحوض نوشًا من علا نوشًا به تقطع أجواز الفلا
[ ٤٩ ]
قال ثعلب: جاوز يونس المائة؛ وقيل: عاش ثمانية وثمانين سنة.
وتوفي يونس بن حبيب البصري سنة ثلاث وثمانين سنة، في خلافة هارون الرشيد.