أحمد بن نيالتكين الغزنوي الرجل المجاهد كان من غلمان محمود بن سبكتكين السلطان
وتنبل في عهده حتى صار خازنًا له وكان ملازمه في الظعن والإقامة، فلما مات محمود وقام
بالملك ابنه مسعود قربه إلى نفسه وولاه على بلاد الهند سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة،
فناب عنه وسار إلى مدينة بنارس فشن الغارة على البلاد ونهب وسبى وخرب الأعمال
وأكثر القتل والأسر، فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون في ذلك
الجانب يومًا من بكرة إلى آخر النهار، ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين والجوهريين حسب
وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك لأن طوله منزل من منازل الهنود وعرضه مثله، فلما جاء
المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله، فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره،
وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلا، ولم يصل إلى هذه
المدينة عسكر من المسلمين قبله، فرجع إلى لاهور وجمع الجموع، ومال إليه الأتراك، قال
البيهقي: فحسده القاضي أبو الحسن علي
[ ١ / ٦٥ ]
الشيرازي، وأخبر الأمير أنه لم يبعث إلى الأمير
من الغنائم إلا قليلًا وأنه يريد الخروج والبغي عليه، فغضب عليه مسعود وسير إليه جيشًا
كثيفًا من الأتراك والهنود، وأمر عليهم تلك الهندي وكان ابن حلاق ولكنه صحب
الأفاضل وتمهر في اللغة الفارسية وتنبل في عهد محمود وأقره مسعود ثقة بجلده ونهضته
وأمره على الهنود بخراسان، فسار إلى لاهور وقاتله شديدًا، فانهزم أحمد ابن نيالتكين
ومضى هاربًا إلى الملتان.
وقصد بعض الملوك ومعه جمع كثير من العساكر فلم يكن لذلك الملك قدرة، وطلب منه
سفنًا ليعبر نهر السند فأحضر له السفن، وكان في وسط النهر جزيرة ظنها أحمد ومن معه
متصلة بالبر من الجانب الآخر ولم يعلموا أن الماء محيط بها، فتقدم ذلك الملك إلى أصحاب
السفن بإنزالهم في الجزيرة والعود عنهم ففعلوا ذلك، وبقي أحمد ومن معه فيها وليس لهم
طعام إلا ما معهم، فبقوا بها تسعة أيام ففني زادهم وأكلوا دوابهم وضعفت قواهم فأرادوا
خوض الماء فلم يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه، فوصل الزط إليهم وهم على تلك
الحال وكان تلك الهندي وعد لقاتله بخمسمائة ألف درهم، فأوقعوا بهم وقتلوا أكثرهم
وأخذوا ولدًا لأحمد أسيرًا وقتلوا أحمد ومن معه، وكان ذلك سنة خمس وعشرين
وأربعمائة.
وقد قص هذه القصة ابن الأثير في الكامل وأخطأ في مواضع منها، فقال: ولاه محمود على
بلاد الهند وأقره مسعود ثقة بجلده ونهضته وأنه غزا مدينة نرسي سنة إحدى وعشرين
وأربعمائة، وقال: لما سار مسعود إلى خراسان وأبعد عصى أحمد بن نيالتكين بالهند
فاضطر مسعود إلى العود وقدم الهند فأصلح الفاسد وأعاد المخالف إلى طاعته ثم لما سار
إلى خراسان وأبعد، عاد أحمد بن نيالتكين إلى إظهار العصيان، فسير مسعود إليه جيشًا
كثيفًا، وقال: إنهم لما أخذوا ولدًا لأحمد أسيرًا ورآه أحمد قتل نفسه في سنة ست وعشرين
وأربعمائة، وهذا كله خطأ، والصواب ما ذكر البيهقي في تاريخه، لأنه كان في دار الإنشاء
بغزنة في عهد مسعود، وكان يكتب في تاريخه كل ما يقع من الأمور بمرأى منه ومسمع. ع:
فإن القول ما قالت حذام