الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري
أحد أجواد الدنيا، ولاه عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراق على أرض السند، ثم ولاه إياه
هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، ولما ولي هشام خالد بن عبد الله القسري العراق
كتب هشام إلى الجنيد يأمره بمكاتبته سنة سبع ومائة، فأتى الجنيد الديبل ثم نزل شط
مهران فمنعه جي سنكه بن داهر العبور وقال: إننا مسلمون فقد استعملني الرجل الصالح-
يعني عمر بن عبد العزيز- على بلادي ولست آمنك، فأعطاه رهنًا وأخذ منه رهنًا بما
على بلاده من الخراج ثم إنهما ترادا الرهن وكفر جي سنكه وحاربه، وقيل: لم يحاربه ولكن
الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند فجمع وأخذ السفن واستعد للحرب، فسار الجنيد إليه في
السفن أيضًا فالتقوا فأخذ جي سنكه أسيرًا وقد جنحت سفينته فقتلهن وهرب أخوه
جج- بالجيم الفارسية معربة صصه- إلى العراق ليشكو غدر الجنيد فخدعه الجنيد حتى
جاء إليه فقتله، وغزا الجنيد الكيرج وكانوا قد نقضوا، فاتخذ كباشًا نطاحة فصك بها
حائط المدينة حتى ثلمه ودخلها عنوة فقتل وسبى وغنم.
أما الكباش النطاحة فليس المراد ههنا بذلك الغنم وإنما هي آلة من خشب وحديد
يجرونها بنوع من الحبل فتدق الحائط فينهدم، وقد بطلت هذه الآلة كالمنجنيقات لما حدثت
الآلات النارية من المدافع وغيرها كبطلان النبال.
ثم إن الجنيد وجه العمال إلى مرمد والمندل ودهنج وبروص،
[ ١ / ٤٢ ]
وكان الجنيد يقول: القتل في
الجزع أكبر منه في الصبر، ووجه جيشًا إلى آزين، ووجه حبيب بن مرة في جيش إلى أرض
مالوه فأغاروا على آزين وغزوا بهرنمد فحرقوا ربضها، وفتح الجنيد البيلمان والجرز،
وحصل في منزله سوى ما أعطى زواره أربعين ألف ألف وحمل مثلها، قال جرير:
أصبح زوار الجنيد وصحبه يحيون صلت الوجه جمًا مواهبه
وقال أبو الجويرية:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا
محسدون على ما كان من كرم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
قال ابن الأثير في الكامل: إن الجنيد أهدى لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام بن
عبد الملك قلادة من جوهر فأعجبت هشامًا، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله
هشام على خراسان سنة إحدى عشرة ومائة وقاتل التتر غير مرة، وتزوج الفاضلة بنت
يزيد بن المهلب، فغضب هشام وعزله وولى عاصمًا خراسان، وكان الجنيد قد سقى بطنه
فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه! فقدم عاصم وقد مات الجنيد وكان
بينهما عداوة، فأخذ عمارة ابن حريم- وكان الجنيد قد استخلفه وهو ابن عمه- فعذبه
عاصم وعذب عمال الجنيد، وكان من الأجواد الممدوحين غير محمود في حروبه، مات بمرو
في سنة ست عشرة ومائة فقال أبو الجويرية عيسى بن عصمة يرثيه:
هلك الجود والجنيد جميعًا فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في أرض مرو ما تغنت على الغصون الحمام
كنتما نزهة الكرام فلما مت مات الندى ومات الكرام
ذكره الطبري في تاريخ الأمم والملوك.