صالح بن بهلة الهندي الطبيب المشهور كان في أيام الرشيد هارون بالعراق ذكره ابن أبي
أصيبعة في طبقات الأطباء والقفطي في أخبار الحكماء، قال القفطي: إنه كان هندي الطب
حسن الإصابة فيما يعاينه ويخبر به من تقدمة المعرفة على طريق الهند.
ومن عجيب ما جرى له أن الرشيد في بعض الأيام قدمت له الموائد فطلب جبرائيل بن
بختيشوع ليحضر أكله على عادته في ذلك فطلب فلم يوجد، فلعنه الرشيد وبينما هو في
لعنه إذ دخل عليه، فقال له: أين كنت؟ وطفق يذكره بشر، فقال: إن اشتغل أمير المؤمنين
بالبكاء على ابن عمه إبراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كان أشبه، فسأله عن خبر
إبراهيم، فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة، فاشتد جزع الرشيد
من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه، فقال جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين! جبرائيل طبه
رومي وصالح بن بهلة الهندي في العلم بطريقة أهل الهند في الطب مثل جبرائيل في العلم
بمقالات الروم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره وتوجيهه وبالمصير إليه بعد منصرفه
من عند إبراهيم ففعل ذلك جعفر، ومضى صالح بن بهلة إلى إبراهيم حتى عاينه وحبس
عرقه وصار إلى جعفر، فدخل جعفر على الرشيد فأخبره بحضور صالح بن بهلة فأمره
الرشيد بإدخاله إليه، فدخل ثم قال: يا أمير المؤمنين! أنت الإمام وعاقد ولاية القضاء
للأحكام ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه! وأنا أشهدك وأشهد على نفسي من
حضرك أن إبراهيم بن صالح إن توفي في هذه الليلة وفي هذه العلة أن كل مملوك لصالح بن
بهلة حر لوجه الله! وكل دابة له فحبيس في سبيل الله! وكل مال له فصدقة على
المساكين! وكل امرأة له فطالق ثلاثًا! فقال الرشيد: حلفت يا صالح بالغيب! فقال صالح:
كلا يا أمير المؤمنين إنما الغيب ما لا دليل عليه ولا علم به، ولم أقل ما قلت إلا بدلائل بينة
وعلم واضح، فسرى عن الرشيد ما كان يجد وطعم، وأحضر له النبيذ فشرب، فلما كان
وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة إبراهيم بن صالح على الرشيد،
[ ١ / ٥٤ ]
فاسترجع وأقبل على جعفر بن يحيى باللوم في إرشاده إلى صالح بن بهلة، وأقبل يلعن الهند
وطبهم ويقول: وا سوأتا من الله أن يكون ابن عمي يتجرع غصص الموت وأنا أشرب
النبيذ! ثم دعا برطل من النبيذ ومزجه بالماء وألقى فيه من الملح شيئًا وأخذ يشرب منه
ويتقيأ حتى قذف ما كان في جوفه من طعامه وشرابه، وبكر إلى دار إبراهيم فقصد الخدم
بالرشيد إلى رواق فيه الكراسي والمساند والنمارق فاتكأ الرشيد على سيفه ووقف وقال:
لا يحسن الجلوس في المصيبة بالأحبة على أكثر من البسط فارفعوا هذه الفرش والنمارق!
ففعل ذلك وجلس الرشيد على البساط، وصارت سنة لبني العباس من ذلك اليوم ولم تكن
السنة كذلك.
ووقف صالح بن بهلة بين يدي الرشيد، فلم ينطق أحد إلى أن سطعت روائح المجامر
فصاح صالح بن بهلة عند ذلك: الله الله يا أمير المؤمنين أن تحكم علي بطلاق زوجتي
فيتزوجها من لا تحل له! الله الله أن تخرجني من نعمتي ولم يلزمني حنث! الله الله أن تدفن
ابن عمك حيا! فوالله ما مات! فأطلق لي الدخول عليه والنظر إليه! وهتف بهذا القول
مرات، فأذن له بالدخول على إبراهيم، ثم سمع الجماعة تكبيرًا فخرج صالح بن بهلة وهو
يكبر، ثم قال: يا أمير المؤمنين قم حتى أريك عجبًا! فدخل إليه الرشيد ومعه جماعة من
خواصه، فأخرج صالح ابرة كانت معه وأدخلها بين ظفر ابهام يده اليسرى ولحمه، فجذب
إبراهيم يده وردها إلى بدنه، فقال صالح: يا أمير المؤمنين! هل يحس الميت الوجع؟ فقال:
يا أمير المؤمنين! أخاف أن أخاف إن عالجته فأفاق وهو في كفن يجد منه رائحة الحنوط
أن ينصدع قلبه فيموت موتًا حقيقيًا، ولكن مر بتجريده من الكفن ورده إلى المغتسل وإعادة
الغسل عليه حتى يزول منه رائحة الحنوط، ثم يلبس مثل ثيابه التي كان يلبسها في حال
صحته، ويطيب بمثل ذلك الطيب، ويحول إلى فراش من فرشه التي كان يجلس وينام عليها!
حتى أعالجه بحضرة أمير المؤمنين فإنه يكلمه من ساعته، قال أبو سلمة: فوكلني الرشيد
بالعمل بما حد صالح بن بهلة ففعلت ذلك، قال: ثم سار الرشيد وأنا معه ومسرور إلى
الموضع الذي فيه إبراهيم، ودعا صالح بن بهلة بكندس ومنفخة من الخزانة، ونفخ من
الكندس في أنفه فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس فكلم
الرشيد وقبل يده، وسأله الرشيد عن قضيته فذكر أنه كان نائمًا نومًا لا يذكر أنه نام مثله قط
طيبًا إلا أنه رأى في منامه كلبًا قد أهوى إليه فتوقاه بيد فعض ابهام يده اليسرى عضة انتبه
بها وهو يحس بوجعها وأراه ابهامه التي كان صالح بن بهلة ادخل فيها الإبرة، وعاش
إبراهيم بعد ذلك دهرًا ثم تزوج العباسة بنت المهدي وولي مصر وفلسطين وتوفي بمصر
وقبره بها- انتهى.