هي ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية: آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ، وكانت هي أيضا آخر من مات من أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين. وكان اسمها «برّة» فسمّاها «ميمونة» وكانت بايعت بمكة قبل الهجرة، وكانت زوجة أبي رهم بن عبد العزى العامري، ثم مات عنها، وفي سنة سبع تزوجها رسول الله ﷺ، وبنى عليها، وقد اشتهرت بالورع والصلاح والخشية والإخبات، ومن عجب أنها توفيت في «سرف» وهي
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٩٤) - (١٠٠) وأنساب الأشراف للبلاذري (١/ ٤٤٤- ٤٤٨)، وأسد الغابة (٥/ ٥٥٠) وفيه أن وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل ثلاث وستين، والإصابة، كتاب النساءت (١٠٢٦) وفيه اختلاف مشهور في سنة الوفاة، والنويري (١٨/ ١٨٨- ١٩٠) وذيل المذيل (٧٧) والسمط الثمين (١١٣) ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص ٣٠٩ رقم ١٢٢٧.
[ ١٢٩ ]
نفس الموضع الذي بنى عليها فيه رسول الله ﷺ بالقرب من مكة، ودفنت فيه، وكان ذلك عن عمر يقدر بثمانين سنة «١» .
في فتح مكة لما دخلها المسلمون وهم ألفا رجل موحد يقودهم رسول الله ﷺ على ناقته يملك بخطامها عبد الله بن رواحة الأنصاري «٢» انكشف المشركون، وانجلوا عنها مغلولين مدحورين فما فيها منهم يومئذ أحد.
ودخل الموحدون مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون
وكان هذا تحقيقا للرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ، فنزل في ذلك قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا «٣» .
واندفع الموكب الهائل إلى بيت الله الحرام ملبين مهللين مكبرين: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك» .
وتتصاعد إلى عنان السماء نداآت اليقين والصدق من الأبرار أهل التقوى
_________________
(١) راجع نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي ص ٣٩٢ رقم (١٦٣٨) .
(٢) هو عبد الله بن رواحة، الخزرجي الأنصاري من الشعراء الراجزين الأمراء، وأحد النقباء الاثني عشر وشهد المشاهد كلها، وكان أحد الأمراء في (مؤتة) واستشهد فيها سنة ثمان. راجع صفة الصفوة (١/ ١٩١) وتهذيب ابن عساكر (٧/ ٣٨٧) .
(٣) الفتح (٤٨/ ٢٧) . راجع التسهيل لعلوم التنزيل (٤/ ٥٦) والقرطبي (١٦/ ٢٩٠) .
[ ١٣٠ ]
وأهل المغفرة، تحمد الله وتشكر فضله على نعمة التبريز والظهور على أعدائه، فيعلو صوت الموحدين:
«لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده» .
في هذا الموكب المهيب الرهيب الذي ارتفعت فيه راية الإسلام عالية خفاقة في العالمين، واندكت صروح الشرك، واندحرت فلول المشركين، في هذا الموكب الصاخب كانت ثمّ سيدة من فضليات سيدات مكة ترنو إلى أمل كبير تحلم بتحقيقه، ألا وهو أن تكون أمّا للمؤمنين الأبطال الظافرين إنها برّة بنت الحارث بن حزن بن بجير العامرية الهلالية وهي إحدى الأخوات اللاتي قال فيهن رسول الله ﷺ: (الأخوات مؤمنات) «١» وكان لها أخوات من أمها هنّ:
زينب بنت خزيمة أم المؤمنين، المسماة أم المساكين، وأسماء بنت عميس الخثعمية زوج جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين (الطيار) وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن أبي طالب، شهيد أحد، أسد الله.
كانت أمهن هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، التي قيل عنها إنها أكرم عجوز في الأرض أصهارا، حيث إن أصهارها: رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وحمزة، والعباس، وجعفر، وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكان لها أيضا أصهار آخرون من المبرزين وذوي المكانة والمنزلة بين أقوامهم.
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢٤٩) .
[ ١٣١ ]
وتزوج رسول الله ﷺ برة بنت الحارث وسمّاها (ميمونة) وفي رواية أنها وهبت نفسها للنبي ﷺ، فأنزل الله ﵎ فيها قوله تعالى:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «١» .
ولما أن انتهت الأيام الثلاثة التي كانت منصوصا عليها في صلح الحديبية، أراد رسول الله ﷺ أن يعرس بميمونة بمكة بين ظهراني قريش، لكنهم لم يوافقوه، وعرض عليهم في رفق بالغ:
«ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟؟» .
فكان رد القرشيين جافيا غليظا
«لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا» .
فوفاء بالوعد والعهد المبرم المقطوع، وفي الموعد المضروب أذّن رسول الله ﷺ في المسلمين بالرحيل، ومزايلة البلد، مخلفا مولاه أبا رافع بمكة ليلحق به في صحبة ميمونة
وقرب التنعيم في «سرف» جاءت ميمونة بصحبة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة سبع، فبنى عليها رسول الله ﷺ، وقد سمّاها ﷺ (ميمونة) وذلك لكون هذا الزواج تم في مناسبة مباركة ميمونة، وهي دخوله عليه الصلاة
_________________
(١) الأحزاب (٣٣/ ٥٠) . انظر تفسير القرطبي (١٤/ ٢٠٧) والطبري (٢٢/ ١٩) .
[ ١٣٢ ]
والسلام أم القرى (مكة) لأول مرة منذ سنوات سبع ومعه رجاله من غير خوف ولا وجل
ثم دخلت ميمونة بيت رسول الله ﷺ ليسعها قلبه وفؤاده ووجدانه وكانت غير قادرة على مواجهة الضرائر بحال، لكنها كان يعتصرها شعور دخيل مستور غير ظاهر بالغيرة منهن وكانت تدرك بفراستها شعور رسول الله ﷺ وحبه لعائشة الذي يفوق الوصف..
حتى إنه كان عندها في مرض موته، وعرفت بثاقب نظرها ونفاذ بصيرتها رغبة رسول الله ﷺ وهواه، فرضيت أن ينتقل إلى بيت عائشة ﵂ ليمرض فيه وكأنها تكتفي بأن تكون أما للمؤمنين في مناسبة ميمونة مباركة على المسلمين جميعا.
وكانت طيبة النفس مطمئنة القلب، لم يعلق بها من زخرف الدنيا ولا مظهرها الخلوب شيء، فقد كانت أقصى أمنياتها أن تكون زوجا لرسول الله ﷺ، وأن تكون أما للمؤمنين، فوهبت نفسها للنبي ﷺ فقبلها، وكان لها ما أرادت لخلوص نيتها، وصدق يقينها، وإخلاصها الصريح المحصن لله ولرسوله ﷺ.
وتوفيت ﵂ سنة إحدى وخمسين على الأرجح، صلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس﵄-، ودفنت بسرف فرضي الله عنها وأرضاها في دار المقامة.
[ ١٣٣ ]