هي مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم من سراري النبي ﷺ، مصرية الأصل، ولدت في قرية «حفن» من كورة «أنصنا» «٢» بمصر، وقد أهداها المقوقس كبير القبط صاحب مصر والإسكندرية سنة سبع للهجرة إلى رسول الله ﷺ، وأهداه أيضا معها أختها «سيرين» ثم ولدت له مارية إبراهيم، فقال: أعتقها ولدها. ثم أهدى سيرين أختها إلى
_________________
(١) أسد الغابة (٥/ ٥٤٣) والإصابة: كتاب النساءت ٩٨٤، وذيل المذيل ٩، ٨٠، والمحبر ٧٦، والسمط الثمين (١٣٩)، وأنساب الأشراف للبلاذري (١/ ٤٤٨- ٤٥٠) وتاريخ الطبري (٢/ ٤١٦) .
(٢) راجع النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١/ ٢٩) ومعجم البلدان لياقوت الحموي (١/ ٢٦٥، ٢٦٦) والروض المعطار من خبر الأقطار للحميري ص ٢٠٥ ثم انظر فتح مصر في كتاب فتوح البلدان للبلاذري ص ٢١٤ وما بعدها.
[ ١٣٥ ]
الصحابي الجليل شاعر الإسلام، وشاعر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت﵁- فأنجبت منه ولده عبد الرحمن بن حسان، وقد عني بها الراشدان أبو بكر وعمر ﵄ بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى فكانا ينفقان عليها.
وقد توفيت في خلافة عمر ﵁، ثم دفنت بالبقيع ببقعة العالية بالمدينة.
وشاع في أرجاء المدينة، وطار الخبر في نواحيها أن شابة مصرية جميلة، بيضاء حلوة، جعدة الشعر، لها ملامح جذابة جاءت من بلاد النيل هدية للنبي صلى الله عليه من المقوقس، فأنزلها ﵊ بمنزل لحارثة بن النعمان الأنصاري، قرب المسجد.
وكانت أولى نسائه ﷺ بحثا لهذا الموضوع عائشة ﵂، لكنها استقرت إلى أن هذه الشابة لا خطر منها في الراجح، لأنها وإن كانت ساحرة خلوبا إلا أنها جارية قبطية غريبة مهداة من سيد إلى سيد وحسب.
لكن اهتمام رسول الله ﷺ بها كان واضحا ومثيرا ثم عرض عليها وأختها الإسلام فأسلمتا وكان أنزلهما على أم سليم بنت ملحان، ثم حولها إلى مال له بالعالية ثم اختصها بنفسه ﵊، ووهب أختها حسان بن ثابت.
ومر عامان وهي في كنفه ﷺ ورعايته، وهي تراودها وتراوحها كل لحظة ذكريات السيدة هاجر التي أهداها ملك مصر إلى النبي إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقد جاءت حاملة معها عبق
[ ١٣٦ ]
النيل وصفاء مائه، وخضرة شاطئه، وطيب واديه ثم حملت منه وأنجبت له الولد
فما المانع إذن أن تكون الحوادث مكرورة، وأن التاريخ- عندما يكون الحظ مواتيا- لا يستبعد أن يعيد نفسه مرة أخرى، فإنها ربما كانت صورة مكرورة، أو معادة مما سبق مع المصرية الحسناء الخلوب هاجر، ثم ضرب عليها الحجاب شأن أمهات المؤمنين، فأرضاها ذلك كل الرضى
وكان خبرا سارا ومثيرا أن أعلن أن مارية القبطية صارت حاملا من رسول الله ﷺ ولذلك فإنه حرصا عليها وعلى جنينها الذي يسكن في أحشائها ورغبة في راحتها نقلها ﷺ إلى «العالية» بضواحي المدينة، لمزيد من العناية وتوفيرا للراحة.
ولأجل مارية القبطية أم إبراهيم ﵇، وكذلك هاجر أم إسماعيل ﵇ أيضا جد العرب العدنانية، أوصى رسول الله ﷺ بقبط مصر خيرا
وفي صحيح الإمام مسلم بن الحجاج عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما»، أو قال: «ذمة وصهرا» «١» .
ولذلك فإنه لما كان فتح مصر سنة عشرين ذكر عمرو بن العاص في
_________________
(١) وفي رواية: «استوصوا بأهل مصر خيرا، فإن لهم نسبا وصهرا» صحيح مسلم. راجع أيضا فتوح البلدان (ص ٢٢٠) والنسب من جهة هاجر أم إسماعيل ﵇، والصهر من جهة مارية القبطية ﵂.
[ ١٣٧ ]
مفاوضات الصلح: «وقد أعلمنا نبينا ﷺ أنّا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفاظا لرحمنا فيكم، وأن لكم إن أجبتمونا ذمة إلى ذمة، ومما عهد إلينا أمير المؤمنين: استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله ﷺ أوصانا بالقبطيين خيرا؛ لأن لهم رحما وصهرا» «١» .
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد أنجبت مارية له ﷺ إبراهيم الذي أعتق أمه من الرق، ثم حمل وليدها وابنه بين يديه في غبطة وسماه «إبراهيم» تيمنا بإبراهيم أبي الأنبياء ﵇.
ودب دبيب الغيرة في قلب عائشة بنت أبي بكر التي كادت تحترق من الحزن رغم محاولاتها كتمان ذلك تماما، لكن لا يقدم ذلك ولا يؤخر في القدر المقدور
لقد قرت عينا رسول الله ﷺ بالولد الذي رزقه الله به من الحسناء المصرية (مارية) وهو يربو على الستين من عمره
وما كان يؤجج الغيرة، ويثير الحفائظ، مثل كثرة اختلاف رسول الله ﷺ إلى العالية
لكن لم يشب إبراهيم عن الطوق، حتى غرب نجمه وغار وهو في مهده، وانطفأ مصباحه المنير، فقد مرض ولما يبلغ العامين من عمره ونزل به المرض نزولا شديدا لم ينفع له تمريض، ولم يدفع منه شيئا
وجاءه ﷺ معتمدا- لشدة ما به من الألم- على عبد الرحمن بن عوف﵁- فالتقط صغيره من حجر أمه وعيناه
_________________
(١) تاريخ الطبري (٤/ ٢٢٧، ٢٢٨) سنة عشرين.
[ ١٣٨ ]
مغرورقتان بالدموع الواكفة، وقلبه مضطرم بالنيران المشبوبة، وفؤاده محزون تتقطع نياط قلبه وتغرب عينا إبراهيم بعد لحظة وداع فاترة النظرات إلى الملامح والتقاسيم وينظر رسول الله صلى الله وسلم لابنه وهو يكيد بنفسه، فيقول:
«إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا»
وأخرج الشيخان في الصحيحين، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على «أبي سيف، القين» وكان ظئرا لإبراهيم ﵇، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمه.
ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تدمعان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «يا بن عوف، إنها رحمة» . ثم أتبعها أخرى فقال ﷺ:
«إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «١» .
وكان إبراهيم ﵇ ولد سنة ثمان، وقضى نحبه سنة عشر من الهجرة على الأرجح.
ثم قال ﵊ وعيناه تكفان وتهضبان سخين العبرات، وانحنى على جثمان صغيره المسجى يقبله ثم قال: «يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق
_________________
(١) حديث صحيح متفق عليه.
[ ١٣٩ ]
ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. تبكي العين وتدمع، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» وفي رواية «ولا نقول ما يسخط الرب» «١» .
ولم يعش رسول الله ﷺ بعد إبراهيم طويلا فما أهل عليه ربيع السنة التالية إلا وكان لاحقا بالرفيق الأعلى
ثم بقيت بعده مارية ﵂ بضع سنوات في شبه عزلة عن الحياة والأحياء، لا تكاد تشعر بالدنيا من حولها حبيسة دارها حلس بيتها، وأدركها الوهن والحزن العميق والكابة فلا تكاد تبرح وتزايل دارها إلا لزيارة الحبيبين في المسجد أو في البقيع ولما دنت ساعة الرحيل أسلمت الأنفاس وجادت بالروح إلى بارئها، راضية مرضيا عنها، وحشد عمر ﵁ لجنازتها الناس وصلى عليها، ثم دفنها بالبقيع فرضي الله عنها وأرضاها، وسلام عليها في جنات النعيم.
_________________
(١) راجع تاريخ الطبري، والسيرة النبوية، والروض الأنف للسهيلي والطبقات الكبرى لابن سعد.
[ ١٤٠ ]
المصادر والمراجع الأساسية «١»
- الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر، مطبوع على هامش الإصابة ١٩٣٩ م. ثم نقلت عن الطبعة الأخيرة أيضا.
- أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير طبعة مصر ١٢٨٠ هـ.
- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبعة مصر ١٩٣٩ م.
والأخيرة أيضا.
- الأعلام لخير الدين الزركلي، الطبعة الأولى ثم الطبعة الأخيرة (السابعة) دار العلم للملايين ١٩٨٦ م.
- أنساب الأشراف للبلاذري بتحقيق الدكتور محمد حميد الله. طبعة دار المعارف ١٩٥٩ م.
- تاريخ الطبري. الطبعة الأولى، ثم طبعة مؤسسة الأعلمي- بيروت لبنان، بدون تاريخ.
_________________
(١) بعض المراجع أخذنا من أكثر من طبعة لها، وهي في الغالب الطبعة الأولى والأخيرة، فإن لم يكن الاقتباس من الأولى فيكون من الأخيرة.
[ ١٤١ ]
- تفسير القرطبي والطبري وابن كثير والبحر المحيط.
- تفسير البحر المحيط لأبي حيان.
- تفسير الفخر الرازي الكبير.
- تفسير الكشاف للزمخشري.
- تفسير التسهيل لعلوم التنزيل.
- تراجم سيدات بيت النبوة ﵅. دكتورة عائشة عبد الرحمن- «بنت الشاطئ» طبعة أولى- نشر دار الريان للتراث ١٩٨٨ م.
- الروض الأنف للسهيلي- طبعة مؤسسة مختار والكليات الأزهرية ١٩٧٢ م.
- الروض المعطار في خبر الأقطار (معجم جغرافي) لمحمد بن عبد المنعم الحميري تحقيق د. إحسان عباس- مؤسسة ناصر للثقافة ١٩٨٠ م.
- سنن أبي داود.
- السيرة النبوية لابن هشام بتحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا- مطبوعة دار التراث العربي- القاهرة ١٩٧٩ م.
- صحابة النبي ﷺ، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار- دكتور السيد الجميلي- دار المشرق العربي بمصر طبعة أولى ١٩٨٧ م.
- صحيح البخاري بحاشية السندي.
- وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ط. أولى ثم طبعة دار المعرفة.
- صحيح مسلم.
- الطبقات الكبرى لابن سعد. طبعة أولى- ثم طبعة دار صادر- بيروت لبنان، بتحقيق د. إحسان عباس. بدون تاريخ.
[ ١٤٢ ]
- العشرة المبشرون بالجنة. تأليف الدكتور السيد الجميلي طبعة دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان ١٩٨٤ م.
- فتوح البلدان للبلاذري- تحقيق رضوان محمد رضوان. نشر العلمية ١٩٨٣ م.
- معجم البلدان لياقوت الحموي- طبعة دار صادر بيروت. بدون تاريخ.
- نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي ط. العلمية ١٩٨٤ م.
[ ١٤٣ ]
الفهرس
إهداء ٥
المقدمة ٧
خديجة بنت خويلد ١١
سودة بنت زمعة ٣٣
عائشة بنت أبي بكر ٤٣
حفصة بنت عمر ٦٩
زينب بنت خزيمة ٧٩
هند بنت أبي أمية ٨٣
زينب بنت جحش ٩١
جويرية بنت الحارث الخزاعية ١٠٧
صفية بنت حيي بن أخطب ١١٥
رملة بنت أبي سفيان ١٢١
ميمونة بنت الحارث الهلالية ١٢٩
مارية القبطية ١٣٥
المصادر والمراجع الأساسية ١٤١
[ ١٤٤ ]