هي حفصة بنت عمر بن الخطاب، الصحابية الجليلة الفاضلة الصالحة الكريمة، زوج النبي ﷺ، أم المؤمنين، ولدت بمكة سنة ثمان عشرة قبل الهجرة، وقد تزوجها خنيس بن حذافة السهمي، فكانت عنده إلى أن ظهر الإسلام، فدخلا فيه، ثم هاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها ﵁.
وبعد انقضاء عدتها عرضها عمر ﵁ أبوها على أبي بكر فسكت ولم يبد رفضا ولا قبولا، ثم عرضها على عثمان بن عفان ﵁ فاعتذر هو الاخر فتألم لذلك ألما شديدا، ثم كان لها في مخبوء القدر من هو أحسن
_________________
(١) مصادر ومراجع الترجمة: صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ١٩) والطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٥٦) والإصابة لابن حجر (٤/ ٢٧٣) وأنساب الأشراف للبلاذري، وتاريخ الطبري (٢/ ٤١٤) ط. الأعلمي.
[ ٦٩ ]
وأعظم من هذا ومن ذاك، كان لها رسول الله ﷺ، لتصبح بذلك أم المؤمنين.
تزوجها رسول الله سنة ثلاث للهجرة- وفي بعض الأقوال سنة اثنتين للهجرة- وعاشت بعد وفاة النبي في المدينة إلى أن توفيت بها سنة خمس وأربعين للهجرة، وقد ورد لها في الصحيحين ستون حديثا صحيحا متفقا عليها.
كان زوجها الأول خنيس بن حذافة بن قيس السهمي، هو الرجل الوحيد من بني سهم الذي شهد بدرا، فهو بدري، وهو أيضا من أصحاب الهجرتين.
وقد شهد أحدا بعد ذلك، وكانت وفاته بدار الهجرة، بسبب جراحة جرحها يوم أحد.
ترك خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي أرملته الشابة الفاتنة الحسناء حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، تركها للوحدة تعاني بعده استيحاش الحبيب وفراقه الذي لا لقاء بعده في الدنيا مرة أخرى.
لم تكن صورة الرجل الصالح تبرح مخيلتها برهة من زمان، ولم تزايلها طرفة عين، وانعكس ذلك على نفسيتها وعلى بدنها حيث طفق يجتالها الهم، ويغتال جسمها المكدود طول التفكير في الغائب الحاضر، القريب وهو بعيد.
تمر الأيام والأسابيع والأشهر، وهي في حداد وحزن مقيم على بعلها أربى على ستة أشهر أو يزيد، ولا جرم أن أباها كان متأثرا جدا لحال ابنته الشابة الأرملة في عنفوان شبابها وهي لم تعد ثماني عشرة سنة من عمرها، فهي في خير عمرها وشبابها الباكر.
ولم يكن يشعر بعذابها مثل أبيها عمر ﵁، حتى كأنه كان يقرأ كل ما يدور برأسها من هواجس، وما يجري في داخلها من اختلاج، وكان يتألم
[ ٧٠ ]
في نفسه لأن ابنته جزء من كيانه، فكيف يتصرف وهو يراها نهبا للحزن المقيم والأسى الملازم الذي لا يريم؟؟
وليس عمر في حيرته بدعا من الرجال في مثل هذه الظروف التي نزلت بساحة ابنته، فإن الأب يتألم لما يؤلم ابنته، ولا يريحه إلا ما يسرّي عنها ويدفع عنها الشر والبلاء.
لم يجد عمر مخرجا من هذه المحنة إلا أن بحث لها عن رجل زوجا صالحا يختاره من الصفوة المختارة من إخوانه ليؤنس وحدتها، ويذهب وحشتها
إن ابنة عمر ليس لها مخرج من هذه المحنة إلا بالزواج فقد كانت مثل أبيها مرهفة الحس، رقيقة الشعور، مشدودة الأعصاب. هذه الخلال والخصال الموروثة من الشاق ومن العسير التحرر منها، أو الإفلات من قبضتها
فكّر عمر ﵁ في أبي بكر ﵁، وأخذ يجيل الأمر في ذهنه، وسرى في خاطره مناقب أبي بكر ومحاسنه، وخلقه وشرفه وأريحيته، وسبقه للإسلام ورجاحة عقله، ونظافة أردانه، وحب رسول الله ﷺ له، وحلمه ورزانته، وحكمته وحصافته، كلها من أطيب النعوت وأكرم المعاني والصفات، فقرر أن يذهب إليه على الفور، غير متردد، ولا متقاعس فإنه غير أبي بكر لا يصلح لحفصة، فإنه بخبرته وهدوئه، ووقاره يحتمل ويستوعب حدتها التي تعتريها أحيانا من غيرة وشدة وصرامة.
حكى وشكا عمر ﵁ إلى أبي بكر ﵁ ما أصاب ابنته من حزن وكابة بعد موت زوجها، وأن عمر اختار أبا بكر زوجا لابنته ليخرجها من هذا الحصار المحدق بها من الكابة والترمل.
كان متوقعا ومظنونا وراجحا أن يغتبط أبو بكر بهذا العرض ليتزوج من
[ ٧١ ]
شابة فاتنة حسناء في خير عمرها وشبابها، وهي من هي حسبا ونسبا وفضلا وكرامة لكن حدث غير المتوقع أبدى أبو بكر عطفا وتأثرا وهو يرثي لحالها، لكنه أمسك عن القبول ولا حتى التعريض أو التلميح بقبول ولا رفض، ولم يبرر هذا السكوت
كان ألم عمر بالغا، وشعوره بالإحباط بليغا، حيث رجع بخفي حنين، يضرب أصدريه، صفر اليدين، وقد انقشع أمله ورجاؤه، وفوجئ بسراب خادع من التوهم والتظني، ولكن مع حزنه ولوعته، لم يفت ذلك في ساعده، ولم يثن من عزمه، ولم يجعله ينصرف عن مهمته أو يتحول عنها.
وانطلق إلى بيت الرجل الصالح التقي النقي ذي الوجه المشرق والسمت الكريم السمح الجواد الشريف المعطاء عثمان بن عفان ﵁، وكانت زوجه رقية بنت محمد ﷺ قد مرضت رحمها الله وذلك إبّان وقعة بدر وبعد انتصار المسلمين مباشرة توفيت ﵂ وقد أذن رسول الله ﷺ لزوجها عثمان في القعود عن الحرب ليجلس إلى جوار زوجته لتمريضها، لكنها اختارت جوار ربها فرضي الله عنها وأرضاها.
تكلم عمر عن حال ابنته ومحنتها وحزنها إلى عثمان وعرضها عليه ليتزوجها، وما كان عمر ليختار لابنته إلا كريم الأصل طيب الجرثومة، أريحيّ الخصال
لكن عثمان ﵁ استمهله أياما، ثم جاء بعدها يقول له: «ما أريد أن أتزوج اليوم» !!.
كان وقع هذا على عمر شديدا قاسيا مريرا، اختلج على اثره اختلاجا، وزلزل من دخيلته زلزالا نفسيا قاسيا.
[ ٧٢ ]
فذهب عمر من فوره إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه صاحبيه، ويحكي له ما جرى من هذا الأمر ثم يقول له ﷺ بعد أن سمع قصته ما يمحو من نفسه ووجدانه كل هم وحزن وغم وحزازة، فيقول له أحلى وأجمل كلمات كان يتمناها عمر ﵁:
«يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة» .
كان رسول الله ﷺ هو الذي خير من عثمان وكأن عمر لا يصدق نفسه من شدة الفرح والابتهاج، والغبطة والسعادة حيث ردّ إليه اعتباره، بعد أن شعر بمهانه الرقص والزهد في ابنته، وليس هناك لرسول الله ﷺ من شبيه ولا مثيل ولا ضريب في عالم الرجولة والرجال.
كان شرفا عظيما ومجدا أثيلا للفتاة الشابة ابنة الثماني عشرة سنة، الأرمل الغرير أن تصبح أما للمؤمنين وزوجا لرسول الله ﷺ.
تهلل وجه عمر، وكاد يطير فرحا وحبورا يبشر كل من لقيه بهذا الخبر الميمون السعيد المبارك، فيتلقى التهاني من الناس، وانطلق إلى ابنته ليبشرها بفضل الله تعالى وجميل بره، وجزيل عطائه، وجليل مكافأته ومجازاته لها على صبرها واحتمالها المكاره وحزنها على فراق زوجها، وليس هناك عوض أجمل ولا أعظم من رسول الله ﷺ.
ثم يقول أبو بكر معتذرا لعمر: «لا تجد عليّ يا عمر، فإن رسول الله ﷺ ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها لتزوجتها» .
كان أعظم رأب للصدع الذي شدخ نفس حفصة، فرتق الفتق، وسد
[ ٧٣ ]
الثلمة، وضمد الجراح الغائرة، ويا بني رسول الله ﷺ بحفصة بنت عمر «١»، ويا بني عثمان ﵁ بأم كلثوم «٢» بنت محمد ﷺ بعد ابنته الفقيدة رقية ﵂.
ذكر ابن سعد في طبقاته: «فخار الله لهم جميعا: كان رسول الله ﷺ لحفصة خيرا من عثمان، وكانت بنت رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من حفصة» .
دخلت حفصة بنت عمر إلى بيت النبوة لتمارس مهامها المنوطة بها، لكن سرعان ما انخرطت في طابور الضرائر، لكن عمر ﵁ كان دائما يحذر ابنته ويتعهدها بالنصح والإرشاد، حتى لا تغضب رسول الله ﷺ عليها فيكون غضبه سببا لغضب الله تعالى عليها وإنه لشفيق على ابنته من خطورة مسؤوليتها في بيت رسول الله ﵊.
ومن أجمل ما قاله فاروق الإسلام لابنته:
«تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسوله، يا بنية، لا يغرنّك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله إياها- يقصد عائشة- ولقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك!!! وكان هذا الأمر يؤلم حفصة غاية الألم، ويجرح كبرياءها ويشعرها بالمرارة التي لا تستطيع لها ردا ولا دفعا.
هذا الشعور الجارح كان يدمي قلبها، ويقطع أحشاءها وهو يساورها ويراوحها بين فينة وفينة، وبين عشية أو ضحاها، هذا الهاجس الذي يجرح
_________________
(١) كان ذلك في شهر شعبان سنة ثلاث للهجرة على الأرجح.
(٢) كان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث للهجرة.
[ ٧٤ ]
صميم القلب، إنها مقولة عمر التي لم تنسها طرفة عين، بل لا يمكن أن تنساها أبدا، لأنها تصدع الصخر، وتشدخ الفولاذ، ويلين لها قاسي الحديد، جاسي الطبع، ولعلها من أبلغ العقوبات، وأقسى وأعصى أنواع الزجر من أب مثل عمر، لابنة مثل حفصة
ذات يوم دخل رسول الله ﷺ ومعه زوجته مارية القبطية فدخلا معا غرفة حفصة ليتسرى بها !!
ولما انصرفت مارية، هاجت الثورة النفسية في داخل حفصة، ولم تستطع كتمان هذا الشعور الهادر، ولا قدرت على احتماله، فقالت لرسول الله ﷺ:
(لقد رأيت من كان عندك، والله لقد سبيتني، وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك!) .
ثم انفجرت بالبكاء والعويل يعلو نشيجها، وعليها قد تظاهرت الهواجس والتداعيات، وهي تتذكر قول أبيها عمر، وما تشعر به في دخيلتها، ثم يأتي هذا المشهد بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، أو ثالثة الأثافي
أخذت رسول الله ﷺ الشفقة بها والحدب عليها، والحنو على رقتها وضعفها، وتألم مما سمعه منها، فأقبل عليها بوجهه المشرق ليسري عنها ويهدئ من روعها، فأسر إليها بأن مارية قد صارت محرمة عليه من تلك اللحظة، وقد أوصاها أن تصون هذا السر، وليظل مكتوما محبوسا في داخلها، ولا تطلع عليه أحدا، ولا يعلم به قريب أو بعيد.
لم تصدق حفصة نفسها وهي تسمع هذا الخبر السار، وشعرت أن الجرح
[ ٧٥ ]
الغائر أصبح التئامه وشيكا، وأحست بأن الفتق قد قارب الرتق، ثم يندمل الجرح، وتطيح الهموم والأحزان.
لكن شعور الأنثى كان أكبر من حصافة العقل، وأقوى من كل محاولات الحرص على كتمان السر، فلم تقدر عزيمتها على النهوض بأمر هذه المهمة الصعبة.
أفشت حفصة بالسر إلى عائشة ﵂، وقد كان تظاهرهما على حفظ سر رسول الله ﷺ في الظاهر ولم يكن ذلك واقعيا ولذلك، ولهذا السبب نزلت سورة التحريم.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ. عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا «١» .
كانت حفصة بنت عمر هي التي أذاعت وأفشت سر رسول الله ﷺ، ولذلك فقد طلقها طلقة واحدة رحمة وشفقة بأبيها عمر الذي هاله الخبر فحثا التراب على رأسه.
_________________
(١) التحريم (٦٦/ ١- ٥) راجع تفسير الايات في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٧٧) وما بعدها والطبري (٢٨/ ١٠٤) والدر المنثور (٦/ ٢٤٤) والبحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٩١) والزمخشري في الكشاف (٢/ ٤٧١) .
[ ٧٦ ]
وقيل: إن جبريل نزل على رسول الله ﷺ، وقال له:
(أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة) .
وكان على حفصة أن تستجيب لأمر الله، فعادت أدراجها، لكن استفادتها من التجربة المريرة كانت أكبر من كل توقع، إذ تجافت حرب الضرائر، وآثرت البعد والنأي عن مشاغباتهن أو مشايعتهن في شيء قليلا كان أم كثيرا.
ولم ير رسول الله ﷺ من حفصة بعد ذلك شيئا لا يسره حتى انتقاله للرفيق الأعلى.
واكتوت حفصة مع زمرة الأبرار الأخيار بوفاته ﷺ، وكان حزنها على فراقه بالغا وشديدا
ثم عاشت عهد الصديق أبي بكر، ثم عهد أبيها عمر، وقد فجعت للمرة الثانية بمقتل أبيها عمر﵁-. ولم تجد من الوحدة سبيلا غير الاعتكاف للعبادة وذكر الله، فبقيت في المدينة حتى جاءها الحتم المجاب، فلم تتردد لحظة واحدة وكان ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، فرضي الله عنها وأرضاها.
[ ٧٧ ]