هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، من خزاعة، إحدى أمهات المؤمنين، كانت زوجا قبل رسول الله ﷺ لمسافع بن صفوان الذي قتل يوم المريسيع سنة ست للهجرة.
وكان الحارث بن أبي ضرار شريفا في الجاهلية، سيدا في قومه، مشارا إليه بالبنان، وقد سبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، وكان نصيبها الحسن، وفألها الطيب أن تكون مقسومة لرسول الله ﷺ، وكان اسمها (برّة) فغيره رسول الله ﷺ إلى اسم (جويرية) وكانت من
_________________
(١) مصادر ومراجع الترجمة: تاريخ الطبري (٢/ ٤١٤) وصفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٢٦) والإصابة (١/ ٢٦٥) والطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٨٣) وذيل المذيل (٧٥) ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص ٣٢٣ رقم (١٢٨٣) وأنساب الأشراف للبلاذري (١/ ٣٤١- ٣٤٤) .
[ ١٠٧ ]
فضليات النساء أدبا وفصاحة. وقد روت سبعة أحاديث متفقا عليها عند الشيخين، ومخرجة في الصحيحين. وقد لقيت ربها راضية مرضيا عنها سنة ست وخمسين للهجرة عن عمر يناهز خمسا وستين سنة، وقيل في رواية أخرى سبعين سنة.
ذكرت كتب التاريخ أن رسول الله ﷺ كان انتصر انتصارا ساحقا ماحقا على جموع الأحزاب الذين تحزبوا عليه من المشركين الذين دفعهم اليهود دفعا حتى يأتوا على المسلمين في ديار هجرتهم.
وكان المشركون أخيافا مختلفين، وأوزاعا متباينين اجتمعوا على عقيدة واحدة، وتحت راية واحدة لهدف واحد هو الإطاحة بالإسلام والمسلمين فما لبثوا أن أمكن الله تعالى منهم، وجعل أمرهم حديثا مضروبا فمكن الله من رقابهم سيوف الإسلام الماضية المشحوذة باليقين والإيمان.
في هذه الواقعة المشهودة (وقعة الخندق) لم يكن المسلمون غير ثلاثة آلاف موحد من عمالقة الفرسان والكماة الشجعان والمغاوير البسلاء، وكانت قريش قد أقبلت برجلها وعدتها وعتادها، وبأبطالها وفرسانها في عشرة آلاف من الأحابيش، يظاهرهم لفيف من بني كنانة وتهامة، ثم غطفان ومن والاهم من النجديين، وكان اليهود قد أماطوا اللثام، وحسروا النقاب عن وجوههم الكالحة، وضمائرهم المريضة السقيمة المعتلة، ونقضوا عهدهم، وجهروا بذلك، رافعين لواء الغدر والخيانة والخديعة واندفعوا على المسلمين مغيرين عليهم في اجتياح مروع حتى ضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت ولم يكن لهم منجاة من الأمر إلا بالتسليم لله تعالى وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، ومع أنهم زلزلوا زلزالا شديدا، وكسر في ذرعهم، فقد حفر المسلمون الخندق بمشورة وبرأي سلمان الفارسي.
[ ١٠٨ ]
وكان رأيا سديدا مباركا فيه جعل الدائرة تدور على أعداء الله وزلزل أقدامهم، ورعب قلوبهم، وكسر شوكتهم، وألان عريكتهم، وجعلهم أحاديث فسرعان ما كروا راجعين إلى ديارهم من حيث أتوا، مغلولين مقهورين مقموعين، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بعد حصار شديد عنيف على مدى سبع وعشرين ليلة متواصلة.
كان النصر على أعداء الله ساحقا ومروعا، شفى الله به الصدور، وأفلج به الحجة، وأذل به الحق سبحانه أعناق الطامعين فانقلبوا خاسرين ناكبين مغلولين.
وما أن تخفف المسلمون الظافرون من شكتهم ومن أسلحتهم، حتى أخلدوا يلتمسون الراحة، وما هي إلا سويعات حتى سمعوا مؤذن النبي ﷺ ينادي: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» .
وفي فهم هذا النداء انقسم الناس إلى فريقين في فقه مقصوده ﷺ من أمره ألايصلين السامع المطيع العصر إلّا في بني قريظة، وكان إقراره ﷺ لكلا الفريقين تسويغا وتجويزا للاجتهاد ومشروعية التدبر والتأمل، حتى في وجوده ﷺ بين ظهرانيهم.
فالبعض فهم أنه لا بد أن ينفذ الأمر على ظاهر اللفظ فسارع بالنهوض وخف لتنفيذ هذا الأمر، وفي معتقده أن الظاهر هو المقصود باللفظ ومدلوله
ولم ير هذا النفر داعيا لتأويله فأنظروا صلاة العصر حتى بلوغهم بني قريظة
لكن الاخرين رأوا أن اللفظ محمول على المجاز وهو كناية من النهوض والمسارعة بعزيمة قوية، وهمة شجاعة فصلوا في الطريق لفهمهم وفقههم بأن الظاهر ليس مقصودا لذاته..
[ ١٠٩ ]
وقد أقر رسول الله ﷺ هؤلاء، وهؤلاء، من غير تثريب أو لوم أو إنحاء
وحصر المسلمون يهود بني قريظة خمسة وعشرين يوما، وانتهى أمرهم بالتسليم، ويومئذ فرح المؤمنون بنصر الله ثم كانت بعد ذلك غزوة بني لحيان ثم غزوة ذي قرد ولم يسترح رسول الله ﷺ بعد ذلك غير شهر أو بعضه حتى نما إلى علمه أن بني المصطلق الخزاعيين يحشدون الحشود ويجيشون الجيوش يزمعون لقاءه، ويعمدون إلى مواجهته، وأن الصدام صار وشيكا وكان زعيمهم في هذا الاستعداد والتأهب الحارث بن أبي ضرار بن حبيب، سيدهم وكبيرهم، وكانت الملحمة عند ماء يسمى المريسيع، وكانت حفرتها عائشة ﵂.
وكانت الواقعة، حيث اشتجرت الأسنة، والتحم الفرسان، وقصرت الأعنة، واصفرت الألوان، وحمي الوطيس، وخفقت الأعمدة على المغافر، وسطع الرهج من سنابك الخيل، وتداعت الأصوات، وتجاوبت الأصداء، وترجرجت الأرض وبلغت القلوب الحناجر حتى أسفرت الحرب بعد هياجها عن انكشاف أعداء الله، وانكسار شوكتهم، وولوا مدبرين، ولم يكن له محيص ولا تحويل عن القتل والأسر.
وسيقت أبطالهم أسارى، كما سيقت النساء سبايا ومنهن «برّة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب» عميدهم وسيدهم وكبيرهم، وهي الأخيذ الحسناء الجميلة التي قاربت العشرين من عمرها. تستمتع بخلابة وحسن فائق لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه.
ذات يوم استأذنت في الدخول على رسول الله صلى الله عليه والمثول بين
[ ١١٠ ]
يديه لتسأل عن كتابتها على ثابت بن قيس الأنصاري «١» الذي كانت وقعت في سهمه، فكاتبها على نفسه، ولما أذن لها بالمثول بين يديه ﷺ وحكت له هذا الأمر رقّ قلبه من هلع وذعر الشابة العربية المليحة الغانية الحسناء الهلوع عندما قالت وهي مكروبة ملهوفة ضارعة:
«يا رسول الله، أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسي ثم جئتك أستعينك على أمري» .
أخذته ﷺ الشفقة والحدب والرقة عليها، وقال لها:
«فهل لك في خير من ذلك؟» .
سألت في حيرة وقلق ولهفة: «وما هو يا رسول الله؟» .
قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك» .
فتألق وجهها الجميل بفرحة الغبطة، وقالت وهي لا تكاد تصدق أنها قد نجت من الضياع والهوان: «نعم، يا رسول الله!» قال ﵊: «قد فعلت» .
ودخلت (برّة) التي سماها رسول الله ﷺ (جويرية) بيت النبوة لتصبح أما للمؤمنين، بعد أن كانت أخيذا سبية تجرعت الذل والهوان وهي العربية المضرية الخزاعية ابنة سيد قومها.
وفي رواية أخرى ذكرها صاحب الاستيعاب أن أباها هو الذي ذهب وأعد
_________________
(١) كان ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي الأنصاري صحابيا وخطيبا، شهد مع رسول الله ﷺ أحدا والمشاهد التي بعدها، وقد قتل يوم اليمامة شهيدا سنة اثنتي عشرة. راجع صفة الصفوة (١/ ٢٥٧) .
[ ١١١ ]
بكرين أخفاهما في شعاب مكة ليفتدي بهما ابنته من الأسر، ثم دخل على رسول الله ﷺ ليفدي ابنته، فلما سأله رسول الله ﷺ عن البكرين اللذين أخفاهما في شعاب مكة ولم يعرف بأمرهما أحد شهد أن محمدا رسول الله ﷺ، حقا وصدقا، فعرض عليه رسول الله ﷺ تخيير ابنته بين أن تكون طليقا من الأسر بالفدية وبين أن يتزوجها رسول الله ﷺ فقبل أبوها وخيّرها فاختارت رسول الله ﷺ، واختارت الإيمان لتكون في أحمى جناب، وأجمل جوار، فيزداد شرفها رفعة، وتنال ذكرا طيبا حسنا إلى يوم القيامة، فرضي الله عنها وأرضاها. وذكر في السيرة أن صداقها كان أربعمائة درهم.
ولم تكن هناك امرأة خلعت على قومها من الكرامة والبركة مثل ما صنعت جويرية، حيث إن أهلها من تلك اللحظة التي بنى عليها رسول الله صلى الله عليه صاروا أصهارا له فكان كل صحابي بيده أسرى منهم أطلقه أو أطلقهم أحرارا تكريما لمكانة مصاهرتهم لرسول الله ﷺ، وقيل: قد أعتق أهل مائة بيت من بني المصطلق.
وكانت السيدة عائشة أول من رآها وهي على باب رسول الله ﷺ، واستقبلتها، وكأن خوفا شديدا قد ألقي في قلب السيدة عائشة إذ شعرت أن شيئا سيحدث إرهاصا وتوقعا إذا ما رآها رسول الله ﷺ.
تقول السيدة عائشة:
«وكانت- أي جويرية- امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه،
[ ١١٢ ]
فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فو الله ما هو إلّا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أن سيرى منها ما رأيت» . أه.
بتصرف من السيرة.
ولقيت ربها راضية مرضيا عنها، بعد أن عمت بركتها قومها جميعا، ونجت بنفسها وبأهلها وذويها، وحسبها أن تكون أما للمؤمنين، فأعزها الله بعد ذلة، ورفع شأنها، وأعلى ذكرها، فرضي الله عنها وأرضاها وسلام عليها في الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
[ ١١٣ ]