[زوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى]
إنها أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب الخزرجية من أزواج النبي ﷺ، أم المؤمنين، كانت يهودية قبل إسلامها، من أهل المدينة، وقد تزوجها سلام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع النضري، وقد قتل عنها يوم خيبر، وأسلمت، فتزوجها رسول الله ﷺ، وبهذا الزواج المبارك صارت أما للمؤمنين، فرضي الله عنها وأرضاها، وقد ورد عنها في كتب الحديث عشرة أحاديث روتها عن رسول الله ﷺ، وقد توفيت في المدينة سنة خمسين.
_________________
(١) صفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ٢٧) والإصابة، كتاب النساء ت ٦٤٧، والطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٨٥) وحلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٥٤) وذيل المذيل (٧٦)، وأنساب العرب، وأنساب الأشراف للبلاذري (١/ ٤٤٢- ٤٤٨) .
[ ١١٥ ]
على مشارف خيبر وقف رسول الله ﷺ يقول:
«الله أكبر، ضربت خيبر، إنا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»
وسرعان ما اندفع العمالقة الفرسان من المسلمين على خيبر فاستسلمت الحصون المنيعة كلها حصنا حصنا، ووقعت جميعا في أيدي الكماة البسلاء وقتل المشركون، وأخذت نساؤهم سبايا، وكان من بينهن شابة حسناء وضيئة في السابعة عشرة من عمرها، هي عقيلة بني النضير «صفية بنت حيي بن أخطب» التي ينتهي نسبها إلى هارون ﵇، وأمها برّة بنت شموال القرظية.
وعلى الرغم من صغر سنها وقتذاك إلا أنها سبق أن تزوجت مرتين قبل ذلك: الأول كان زواجها من فارس من فرسان قومها وكان شاعرا مفوّها هو سلام بن مشكم القرظي، ثم خلفه عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري صاحب حصن القموص في خيبر.
وكان كنانة قد خبّأ كنز بني النضير وأخفاه، وجمده، ولما اكتشف مخبأ الكنز عنده، دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة الأنصاري فضرب عنقه.
ثم سيقت النساء سبايا، ومن بينهن، بل وفي مقدمتهن صفية بنت حيي بن أخطب، زوجة كنانة وكانت رزينة وقورا تكتم آلاما تصارعها، وتحبس حزنا ووجدا في دخيلتها، إذ إن أهلها صرعى قد أعمل السيف في رقابهم، وقطّعت أشلاؤهم إربا إربا، وذهبوا شذر مذر إلى غير رجعة في بطون الطير، وصاروا طعما سائغا للدود وخنافس التراب، وعائفات الطيور الشوارد هذه الأحزان المكتومة، واللواعج المكبوتة تعتمل في صدرها وهي
[ ١١٦ ]
متماسكة لكن صفحة وجهها، ومرآة جبينها تنبىء عما يداخلها من أسى، وما يخالطها من لوعة، وما يخامرها من هوان وتهوين وتوهين وتتصاعد من حبيس صدرها تنهدات ينفلق لها الصخر وهي صابرة على بلواها ورآها رسول الله ﷺ في مسيس الحاجة إلى الحدب والشفقة والحنان، فقال لها: هل لك فيّ؟ قالت: يا رسول الله، قد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام؟
فأعتقها ﷺ، وجعل عتقها صداقها ثم دفعها إلى أم سليم لتهيئها، ولتعتد عندها.
وانطلقت صفية من بين زمرة السبايا، إلى نسيم الحرية، ومن ذلة وهوان الكفر إلى عزة ورفعة الإسلام، وسمو شأنه. تركت أهلها المشركين مجندلين صرعى ونسيت تماما كل ما جرى لهم من الذبح والتقتيل، وقد مسحت من ذاكرتها كل تداعيات الأسى وأحزان المعركة التي قطفت فيها رؤوس أبطالها، وحصدت هامهم، وبقرت بطونهم في مذبحة مروعة
تهيأت صفية للزواج فور انقضاء عدتها، وبنى عليها رسول الله ﷺ، وبذلك أصبحت أمّا للمؤمنين
ثم تتداعى الذكريات القديمة في خواطر وخلجات العروس الشابة فتذكر رؤيا رأتها في ليلة عرسها بكنانة بن الربيع حيث رأت في منامها أن قمرا وقع في حجرها فلما أن صحت من نومها قصت رؤياها على كنانة، غضب غضبا شديدا، وقال لها: «ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا»، ولطم وجهها لطمة ما يزال أثر منها فيه.
وكانت صفية ﵂ جميلة وضيئة في خير عمرها وشبابها مما حدا
[ ١١٧ ]
بالسيدة عائشة ﵂ لأن تخرج متنقبة تتبع خطواتها من بعيد والغيرة ترعى في أحشائها كما ترعى النار الهشيم، وكانت تنعتها باليهودية، فقال لها رسول الله ﷺ:
«لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها» «١» .
ولما كانت في بيت النبوة ورأت عائشة وحفصة وسودة في جانب، وباقي الزوجات في جانب آخر وتشايعهن فاطمة الزهراء ﵅ جميعا، رأت صفية في الانضمام لأي منهن حرجا شديدا، ولا سيما وأنها لا تزال حتى الان منظورا إليها- وهي أم المؤمنين- إلى أنها يهودية ولا تزال محمولا عليها بجريرة تطهرت منها، وبحوب وإصر تطهرت منه بإسلامها وحسن تدينها وأمومتها للمؤمنين، فرأت أن تمسك العصا من النصف، وتكون هي واسطة العقد، فلم تنضم، ولم تنحز لآية جهة، وبلباقة وذكاء واستبصار رأت تحسن الصلة بين ضرائرهن كلهن وبنت جسرا طيبا من الودّ والمحبة والألفة والإيناس مع فاطمة الزهراء ﵂
وكان أخشى ما تخشاه جانب عائشة لشدة غيرتها على رسول الله ﷺ من كل جارية حسناء تدخل في بيته، كما كان يؤذيها أن تعير بقومها وعشيرتها
ومع منهجها السديد الموفق، ونظرتها الثاقبة النافذة، وبصرها القوي، وبصيرتها العميقة إلا أنها لم تسلم من الوقوع في شرك المنازعات فيلفها مرير الكلام وغليظ القول عن عائشة وحفصة، وهي لم تقدم أية إساءة إلى أي منهما وبكت بكاء حارا للمصطفى ﷺ الذي رقّ لها وتأثر
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد.
[ ١١٨ ]
بها أبلغ التأثير، وقال لها: «ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هرون، وعمي موسى» «١» .
جبرت كلماته ﷺ خاطرها المكسور، وزادت ثقتها بنفسها وبتدينها وبزوجها، فقد نزلت وترسلت هذه الكلمات على صدرها بردا وسلاما.
لقد كان ﷺ يحامي عن صفية ويذب عنها، ويختصها برعاية وحياطة مخصوصة، ويشعر بالضيق والتأثر إذا ما أوذيت من الضرائر
ولقد ظل يحامي عنها ﵊ حتى آخر عمره، فلم يحرمها من ذلك لحظة طوال حياته
وبعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى اكتنفها الانفراد والاستيحاش، وظلت على طبيعتها من التوسط والوقار والرزانة، وعند حدوث الفتنة الكبرى وهجوم الثوار على سيدنا عثمان بن عفان أمير المؤمنين
- ﵁- وقفت صفية ﵂ إلى صفه، وتعاطفت معه، وقيل إنها قد وضعت معبرا بين منزلها ومنزل عثمان، تنقل إليه الطعام والماء إبّان محنة الحصار الذي طوقه به الثائرون ولما أغاروا على أمير المؤمنين ذي النورين، الإمام الصابر المحتسب، كان حزن صفية أم المؤمنين عليه بالغا وكبيرا.
ولقيت ربها راضية مرضيا عنها في حوالي سنة خمسين في خلافة معاوية ﵁.
وقد خرّج الحفاظ أحاديثها عن رسول الله ﷺ، وهي ثابتة في الكتب الستة.
_________________
(١) الإصابة لابن حجر.
[ ١١٩ ]