أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن نصر الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح بن هَاشم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن نصر الله بن أَحْمد الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي الأَصْل، الْمصْرِيّ، الْحَنْبَلِيّ، شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين، أَبُو البركات، بن قَاضِي الْقُضَاة، برهَان الدّين، بن قَاضِي الْقُضَاة نَاصِر الدّين. ولد فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَانمِائَة. وَسمع على خَاله الْجمال الْكِنَانِي، والشرف ابْن الكويك، وَخلق. وَأَجَازَ لَهُ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ، قَاضِي طيبَة زين الدّين المراغي، وَعَائِشَة بنت عبد الْهَادِي، وَغَيرهم. وَأَقْبل على الْعلم فتفقه على قَاضِي الْقُضَاة مجد الدّين سَالم، وقاضي الْقُضَاة محب الدّين بن نصر الله الْبَغْدَادِيّ، وَأخذ سَائِر الْفُنُون عَن الشَّيْخ عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ وَغَيره. وَمهر وتميز فِي الْفُنُون. وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْحَنَابِلَة. وَولي التدريس بغالب الْمدَارِس الْعَظِيمَة، كالجامع الطولوني، وَالْجَامِع الحاكمي، ومدرسة السُّلْطَان حسن، والشيخونية، والجمالية، والموءيدية، والأشرفية وَغَيرهَا. ثمَّ ولي قَضَاء الْقُضَاة بعد موت الْبَدْر الْبَغْدَادِيّ،
[ ٣١ ]
فباشره بعفة ونزاهة وتواضع مُفْرد، بِحَيْثُ لم يتَّخذ لَهُ نَقِيبًا وَلَا حاجبًا، وَترك تكلّف وَحسن عشرَة. وَهَذَا شَأْن من يكون عريقًا فِي الرياسة إِن المنصب لَا يزِيدهُ إِلَّا تواضعًا وطرحًا للتكلف، وَالْإِكْرَام لَا يزِيدهُ إِلَّا لينًا ولطفًا. والأراذل على الضِّدّ من ذَلِك اذا ولوا ولَايَة ازدادوا تكبرًا وترفعًا، وَإِذا أكْرمُوا ازدادوا عتوًا وطغيانا. وَقد روينَا بِالْإِسْنَادِ عَن السّلف قَالَ: احْذَرُوا صولة الْكَرِيم اذا أهين، واللئيم إِذا أكْرم، وَالْحر إِذا جَاع، وَالْعَبْد إِذا شبع. ولشيخنا هَذَا عدَّة تصانيف فِي عدَّة فنون مِنْهَا: " نظم اصول ابْن الْحَاجِب " و" تَوْضِيحه " قَرَأت عَلَيْهِ بعضه و" مُخْتَصر الْمُحَرر " فِي الْفِقْه و" تَصْحِيحه " و" نظمه " و" تَوْضِيحه " و" تَصْحِيح مُخْتَصر الْخرقِيّ " و" المقايسة الكافية بَين الْخُلَاصَة والكافية " ومنظومة فِي النَّحْو تسمى " صفوة الْخُلَاصَة " و" توضيحها " و" طَبَقَات الْحَنَابِلَة " و" شِفَاء الْقُلُوب فِي مَنَاقِب بني أَيُّوب " و" تَنْبِيه الأخيار بِمَا وَقع فِي الْمَنَام من الْأَشْعَار " و" نظم النخبة " و" نظم التَّلْخِيص " و" تَوْضِيحه " و" منظومة فِي الْحساب الهوائي " و" منظومة فِي علم الْغُبَار " و" منظومة فِي الْجَبْر والمقابلة " و" منظومة فِي المساحة " و" توضيح الْكل " ومقدمة تسمى " الْفتُوح فِي المفتوح " و" ايضاح النخبة " و" مُخْتَصر شرح ألفية الحَدِيث " و" منظومة فِي خلاف الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة " و" مُخْتَصر منهاج الْأُصُول " و" الزّبد فِي النَّحْو " ارجوزة و" شرح ألفية ابْن مَالك " و" توضيحها " و" الْحَوَاشِي عَلَيْهَا " و" أرجوزة فِي أصُول الدّين " و" مُخْتَصر فعلت وأفعلت " و" أرجوزة فِي قُضَاة مصر " و" مُقَدّمَة فِي الجيب " فِي الْمِيقَات و" مُقَدّمَة فِي علم الْحَرْف " وأرجوزة فِي الْعرُوض " و" الوافية فِي القافية " رائية و" شرحها " و" قصيدة فِي الْحساب على لَام ألف " و" شرحها " و" مُخْتَصر المساحة " لشجاع، وَغير ذَلِك. وَمن شعره:
[ ٣٢ ]
يَقُول خليلي كم تهزني العدا فَقلت لَهُ لَا بُد للسيف من هز
فَقَالَ وقدمًا طَال فِي الذل مكثنا فناديت اُبْشُرْ هَذِه دولة الْعِزّ
وَمن مناقبه انه لما ولي الْقَضَاء لم يُقَابل الَّذِي بَصق فِي وَجهه، وَكَانَ أحد نواب الْحَنَابِلَة، بل ولاه واكرمه. وَكَانَ جم المحاسن وَله النّظم الْجيد. توفّي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة السبت حادي عشر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة. وَمن نظمه مَا كتب بِهِ إِلَى الشهَاب الْحِجَازِي لغزا فِي مُحَمَّد:
يَا وَاحِد الْعَصْر وَمن فَضله كالصبح فِي شَرق وَفِي مغرب
وَيَا شهابًا فاق شمس الضُّحَى فِي كل معنى قد سمى مغرب
اسْمَع بقيت الدَّهْر فِي رفْعَة يقصر عَنْهَا بصر المعجب
مَا اسمٌ لشَيْء عز فِي عصرنا وان غَدا أشهر من كَوْكَب
فردٌ وَإِن ركب من أَربع وَمن ثَلَاث إِن تشأ ركب
وَرَفعه حرفٌ وَفعل مضى وَاسم لبانيه وللمعرب
وربعه مثل لربعين فِي قدرٍ وان شكيت فِيهِ احسب
وربعه مثل لقوم غدوا وَالله رَبِّي حسبهم وَالنَّبِيّ
وَقيل بل كالعشر فَانْظُر لما بَينهمَا يَا اوحدا وانسب
وربعه الرَّابِع أَن حلّه تغير دلّ على الْمطلب
لَا زلت للطلاب كنزًا بِلَا مَوَانِع عَن سيبه المسهب
ودمت يَا احمدنا صَالحا كعمر نوح الطَّاهِر الطّيب
فَأَجَابَهُ الشهَاب الْحِجَازِي والغز لَهُ فِي سريع: يَا سيدًا كَاتب عبدا لَهُ وَعَن رَقِيق اللَّفْظ لم يعزب
وَيَا إِمَام الْعَصْر وَالْفَجْر مَا مثلك فِي شرقٍ وَفِي مغرب
[ ٣٣ ]
وَيَا بليغًا مفصحًا عِنْدَمَا يلفظ لم يعوز وَلم يسهب
وَيَا أديبًا راق فِي لغزه حسنا بِلَفْظ مِنْهُ مستعذب
يَا مهديًا من دُرَر النّظم مَا ينعَت بالمرقص والمطرب
أعليت شأني مِنْك باللغز مَا أَتَى وبالعز علا منصبي
بادرت بِالطَّاعَةِ للْحلّ من مقفلة مَا خلته متعبي
ومذ توسلت بِمن اسْمه مُحَمَّد فِي حل مَا حل بِي
رويت عَن سهلٍ بحلي لَهُ وَكنت أروي قبل عَن مُصعب
الفيته فِي الأَرْض بَدْرًا سما ذَا النُّور فِي الْمشرق وَالْمغْرب
وَهُوَ رباعي حُرُوف وَفِي رَأْيِي خماسي فقس وانسب
نعم وقومٌ بلَّغوه إِلَى تسعين واثنين فسم واحسب
إِن تقلب النّصْف تَجِد سُورَة من الْكتاب المعجز المعجب
أَو يقْرَأ الْقَارئ نصفا لَهُ مد وَلم يدغم وَلم يقلب
وَإِن حذفت الرّبع من أول فَذَاك لله على اللطف بِي
هَذَا جوابي بعد لايٍ بدا مني فَلَا تذمم وَلَا تعتب
واعذر عَن التَّقْصِير فِي مهلتي فشانك الْمَانِع عَن مطلبي
لَا زلت فِينَا ذخر من لم يجد لَهُ سوى علياك من مَذْهَب
مولَايَ وَاصْفَحْ إِنَّنِي قد بدا تهجم مني وَلم أرهب
[ ٣٤ ]
قل لي مَا شيءٌ لَهُ رونق شبه بِالْمَاءِ لمستصحب
يُقَاس فِي حَال زياداته وَالنَّقْص كالبحر لمستعرب
يعذب فِي ذوق لوراده وَعند قوم غير مستعذب
يبطي على طَالبه تَارَة وَهُوَ سريعٌ حَيْثُ لم يُطلب
وَهُوَ رباعي وَنصف اسْمه شبه خَفِي وَبِه احبب
وَنصفه الآخر مقلوبه وصف ذميم شبه مستصعب
وربعه الأول إِن تطرحن رادف ارضا وَهِي من ماربي
وربعه الآخر إِن تحذفن اسْم ولي عَابِد قد حبي
وَهُوَ لعمري آلَة للبنا ان عمر الأبيات لم تخرب
نعم وَقد أوضحت أشكاله وكدت أبديه فَلم احجب
فَاعْفُ وسامح عَن مصاب بِمَا جناه من مقوله المعتب
وابق إِلَى الْآدَاب وَالْعلم فِي جاه النَّبِي الطَّاهِر الطّيب