بحر معارف خضم، وطود فضائل أشم.
تأزر بالإحسان وارتدى، وراح في تكميل النفس واغتدى.
هذا وعهده بالشباب قريب، وحديثه ليس بمنكر ولا غريب.
ثم أطال التجول، وأكثر في البلاد التحول.
فدخل الحجاز واليمن، وأقام بها مدة بمنزلة فصل الربيع من الزمن.
ثم رجع إلى دياره، وألقى بها عصا تسياره.
فقعد مقعد السها، وعقل لديه النهى.
وتماسك عن الدنيا عفافا، والتف بالمعارف الإلهية التفافا.
مع شهرة كشهرة ضوء الصباح والمصباح، وطلعة يستفاد من لألائها نور الفلاح والرباح.
وهناك ما شئت من وقارٍ يطيش له ثبير، ومقدار يصغر لديه كل كبير.
إلى يدٍ تفرج إذا ضاق الإعدام، وقدمٍ تثبت إذا زلت الأقدام.
وله أشعار في الحقيقة تحرك السواكن، وتبعث الأشواق الكوامن.
اوردت منها ما إذا وصف رأيت الحسن مجتمعا، وإذا تلي أبصرت كل شيءٍ مستمعا.
فمنها قوله:
أرى للقلب نحوكُمُ انْجِذابَا لأسمعَ من خطابكُمُ خطابَا
فكم ليلٍ بقُرْبكمُ تقضَّى إلى سَحَرٍ سجودًا واقْترابَا
وكم من نشوةٍ وردتْ نهارًا فلا خطأ وَعيْتُ ولا صوابَا
وكم سَحَّتْ علينا من نَداكمْ غُيوثٌ لا تفارقُنا انْسكابَا
وكم نفَحاتِ أُنْسٍ أسكرتْنا بها حضر الصَّفا والقبضُ غابَا
توافقتِ القلوبُ على التَّدانِي فلم نشهدْ به منكم حجابَا
[ ٣٠٣ ]
لقد حاز الوليُّ بكل حالٍ من الرحمن فيضًا مُستطابَا
تراه بين أهل الأرضِ أضحى لِداعي الحبِّ أسرعَهم جوابَا
وغيرَ الله ليس له مُرادٌ وغيرَ حِماه لا يرجُو انْتسابَا
وقوله:
سقاني الحبُّ من خمر العَيانِ فتُهت بَسكْرتي بين الدِّنانِ
وقلتُ لِرُفْقتي رِفقًا بقلبي وخاطبتُ الحبيبَ بلا لسانِ
شربتُ لحبِّه خمرًا سقاها لصَحْبي فانْتَشَى منها جَنانِي
شطَحْتُ بُشرْبها بين النُّدامىَ ورُشْدي ضاع مما قد دَهانِي
فأكْرمَني وتوَّجني بتاجٍ يقوم بسِرِّه قطبُ الزمانِ
وأمَّرني على الأقْطاب حتى سرَى أمري بهم في كلِّ شانِ
وأطْلعَني على سِرٍّ خَفِيٍّ وقال السَّترُ من سرِّ المعانِي
فهام أولو النُّهى من بعض سُكْري وغابْوا في الشُّهود عن المكانِ
مُرِيدي لا تخَفْ واشطَحْ بِسرِّي فقد أذِن الحبيبُ بما حَبانِي
وقوله:
نظرتُ إليك بعينِ الطلبْ ومنك إذًا طلبي والسبَبْ
رأيتُك في كل شيءٍ بدا وليس سِواك لعيني حَجَبْ
فأنت هو الظاهرُ المُرتجَى وأنت هو الباطنُ المُرتقَبْ
وأنت الوجودُ لأهل الشهودِ وأنت الذي كلَّ شيءٍ وَهَبْ
وعيني بعيْنَيْك قد أبصرتْ بعيْنك في كل تلك النِّسَبْ
ومن مقاطيعه قوله:
ولقد شكوتُك في الضمير إلى الهوى وعَتَبْتُ من حَنقٍ عليك تحنُّنَا
مَنَّيْت نفسي في هواك فلم أجدْ إلا المنيَّةَ عندما هجَم المُنَى
وقوله:
إذا امتدَّ كفٌّ للزمانِ بحاجةٍ فقُوَّتها من عادة الهِمَّة السُّفْلَى
ومن يَكُ يستغْنى عن الخلقِ جُملةً فيُغْنيهِ ربُّ الخلق من فضلِه الأعْلَى
وقوله:
إذا أسأْتَ فأحسِنْ واستغفرِ اللهَ تنجُو
وتُبْ على الفَوْر وارجعْ ورحمةَ الله فارجُو