ماجد أفلح رائده، وجلت فوائده وفرائده.
صفحته البدر إلا أنه مشرق، وحديثه الروض إلا أنه مورق.
وهو بمكان من النباهة مكين، يطلع له من كل ناحية على جيش البلاغة كمين.
ومع وقاره الذي به يعرف، يبدو له النكات ما يستملح ويستظرف.
وبلغت به السن وهو جوّاب بلاد، ومنفقٌ من رياشه كل طريف وتلاد.
فجاءت أيامه في تقلبات تقتضيه، لكنها لم تخل في الحظ من فلتات تسترضيه.
تصقل الأصائل ديباجتها، وتشعشع البكر زجاجتها.
فكم شغف به المدح المحبَّر، وتشوَّق إليه الثناء المعطَّر.
حتى إذا قربت به النوى، وادَّنت به على إلمام من فضل الثَّوا.
طلع طلوع النجم في الآفاق، وهبّ هبوب النسيم على أخلاق الرفاق.
وحل من الجفون محل الوسن، ونزل من القلوب نزول الفأل الحسن.
وقد رأيته بدمشق ووالدي يوسعه رعيا ومبرة يوترنح باغتنام محاضرته جذلا ومسرة.
وصبح وجهه يومئذ لم يبق فيه أثر غيهب، وكميت صباه جرى فعاد وهو أشهب.
وتناولت بعد من أشعاره المتهدلة الأغصان، أشياء تقرطت بزهرات الحسن والإحسان.
فمنها قوله، من قصيدة مستهلها:
دُمْتَ يا مَرْبَع الأحبَّة تَنْدَى كاسيًا بالزهور بُرْدًا فبُرْدَا
ياله مربَعًا إذا جاده النَّو ءُ فساقِى الصَّبوحِ يقطِف وردَا
وإذا انْساب في جداولهِ الم اءُ حسامًا جلَى النسيمُ الفِرِنْدَا
جَنَّةٌ والغصونُ في حُلَل الأزْ هارِ حُورٌ بها ترنّح قَدَّا
وتهادَى مَعاطِفُ الْبانِ سُكْرًا كتهادِي العناق أخْذًا وردَّا
وتُديرُ الصَّبا كؤوسَ شذَا النَّوْ رِ على نَغْمة البلابلِ سَرْدَا
كيف جُزْتِ الطريقَ يومًا ومن خَو فِك دمعي بالسيلِ يسلُك سَدَّا
لو رعيتِ العهودَ أحسنتِ لكن قلَّما تحفظُ المليحةُ عهدَا
وقوله من أخرى، مستهلها:
وجهٌ يقابلني لكنه قمرُ في الليلِ يطلُع لكن ليلُه شَعَرُ
نظرتُه فسَطا في القلب ناظرُه ورُبَّ حَتْفٍ به قد أوقع النظرُ
لله ما صنعتْ بي وَجْنتاه ومَن للنَّار يقرُب لا ينفكُّ يسْتعِرُ
ظَبْيٌ سبَى اللبَّ إلا أنه ملَكٌ من الملائك لكن طبعُه بشَرُ
عُلِّقتُه بدويًّا راق منظرُه ورقَّ حتى استعارتْ دَلَّه أُخَرُ
للسحر من لفظه معنىً بقوَّتِه عن العقول صوابُ الرأيِ مستترُ
ما شاقَني قبلَ رُؤْيا وجهِه قمرٌ ولم يُشَم بعد رَيَّا نعلِه عَطِرُ
جمُّ المحاسن معسولُ الدَّلال له ال قَدُّ الذي خَصْرُه لا يُدرِك البصرُ
لا عيبَ فيه سوى أن المحاسنَ من دون الأنام جميعًا فيه تنْحصرُ
عن كأسِه خدَّه سَلْ يا نديمُ لكي يُنْبيك أن الحُمَيَّا منه تُعتصَرُ
[ ٢٨٠ ]
وانظرْ محاسنَهُ دَرًَّا كمَبسَمِه منه كدمعِك دُرُّ اللفظ ينتثرُ
منها:
عيْناه في القلب أغصانُ الهوى غُرِساَ ورُبَّ غَرْسٍ جَناه الصَّابُ والصَّبِرُ
أوْلَيْتُ للشوقِ قلبًا ليس يرجع من هجرٍ أيرجعُ ماءٌ حيث ينْحدرُ
ومن مديحها قوله:
يكاد بدرُ الدُّجَى يُنْمَى لطلْعتِه لو كان يمشي على وجهِ الثرى القمرُ
قضى الإلهُ بأن يُفْدى بحاسدِه فما له حسَدٌ باق لو عُمُرُ
والدهرُ لو أنه نَاواه لانْقلصَتْ ظلالُه ورأينا الناسَ قد حُشِرُوا
له عزائمُ زان الحِلمُ سَطْوتَها ينْقَدُّ إن شامَها الصَّمْصامَةُ الذَّكَرُ
منها:
وافَيتُ باكِرَ لا أرجو سواهُ وما سواه ليس له نفعٌ ولا ضَرَرُ
وجئتُ سَبْسَبَ خَطْبٍ من مَناسِمِه بسيْل ذَوْب اصْطباري تملأُ الحُفَرُ
وأيْنُقِي حين أحْدُوها بمدْحك لا يكاد يلْحقها من سُرعةٍ نَظَرُ
كأنها ابْتلعتْ بِيدَ الفَلا وسرتْ في السُّحْبِ تقصِد حيث الغيثُ ينْهمرُ
فظَهْرهُنَّ حرامٌ إذْ بلَغْنَ إلى نادٍ يحِلُّ بمن قد حلَّه الوَطَرُ
منها:
وهذه مِدَحي في طَيِّ أسطُرها عَبِيرُ ذكرِك في الأقْطار يْنتشرُ
عذراءُ ترفُل في ثوبِ البلاغ لها من القوافي حُجولٌ صاغَها الخَفَرُ
ألفاظُها كصخورٍ في متانتِها وكلُّ لفظٍ به معناه مُنتقرُ
وله من قصيدة، أولها:
صَبابةُ لا اصْطبارَ يضمِرها ومهجةٌ لا خليلَ يعذُرُهَا
ودمعةٌ لا الزَّفيرُ يُنضِبها وزفرةٌ لا الدمُوع تُضمرُهَا
وعَشْقةٌ قد أبان أولُها أن هلاكَ المحبِّ آخرُهَا
فكل نارٍ وإن علَتْ خمَدتْ سوى التي وَجْنةٌ تُسِّعُرهَا
وَيْحَ جريحِ اللِّحاظ عِلَّتُه في الطبِّ حيث الطبيبُ خِنْجرُهَا
ثباتُ عينُ الحبيبِ ليَلته كالنجمِ لكن أبيتُ أسهَرُهَا
لولا الكرى قامت مُرنَّحةً لم تكُ أيدي الجفونِ تهْصُرُهَا
لي زَفْرةٌ لم أزلْ أُصعِّدُها ودمعةٌ لم أزلْ أُقطِّرُهَا
ما العشقُ إلا كالكِيمياءِ أنا دون جميعَ الأنام جابرُهَا
تبْسَم إن كُلِّمتْ مَشاكِلُها ودُرُّ دمعي غدا يُناظِرُهَا
هيفاءُ ما الغصنُ مثلَ قامتِها لكنَّ أعْطافَه أشايِرُهَا
أعشق من أجْلها الكَثِيبَ إذا يضمُّ أمثالَه مَآزِرُهَا
وأحسِد البدرَ في محبَّتها فغيرُه لا يكاد يْنظُرهَا
وألثَمُ المسكَ والعبيدَ عسى يكون مما فتَّتْ ظفائرُهَا
لله ما في الهوى أُعالجُ من لواعِجٍ في الهوى أُصابِرُهَا
يا حبَّذَا خُلْسةٌ ظفرتُ بها في غَفلةٍ للزمان أشكرُهَا
حيث لعْهدٍ غدتْ تمُدُّ يدًا لم تدْرِ أسرارَها أساورُهَا
يسألها خاطرِي الوصالَ ولا يُجيب عنه إلَّا خواطرُهَا
ليت ليالي الوِصالِ لو رجعتْ أوْليت قلبي معي فيذكرُهَا
ومن مقاطيعه قوله:
لا تُلمْ من شكا الزمانَ وإن لم تَشْفِ شكْواه علَّةَ المَجْهودِ
إنما يُحوِج الكرامَ لشكْوَى شوقُ ما في طباعِهم من جُودِ
وهنا أذكر ثلاثة من بلغاء النثر والنظم، نسقهم الشِّهاب في مطالع خباياه نسق النظم.
فمنهم: