شارح مغنى اللبيب عالم الشهباء ومصنفها، ومقرط العلياء ومشنفها.
بتآليف وشح بيراعة براعتها صدور المهارق، وأتى فيها من معجزات البلاغة بالخوارق.
حاز بها في تلك الحلبة غاية الظهور، وفاز بقصب السبق فيما بين ذلك الجمهور.
وله عقود كلام لو تجسم لفظها لما رصعت إلا على التيجان، وتنزهت عن أن ترى أفرادها مواضع اللؤلؤ والمرجان.
تشتمل من رود القوافي، وخود الغزليات الصوافي.
على غرر كقطع الرياض غب القطر، وفقر أحسن من الغنى بعد الفقر.
فما يتبين في معاني بلاغته انحلال معاقد، ولا تلين قناة براعته لغمز ناقد.
فمن كلامه الدائر بين الرواة، المرتصف درًا أصدافه الأفواه.
هذه اقطعة من موشح أطلعها منيرة، وبعث بها الأشجان لنار الوجد المثيرة.
وقد عارض به موشح ابن سهل الذي يقول في مطلعه:
هل درَى ظبيُ الحِمَى أن قد حَمى قلبَ صَبٍّ حلَّه عن مَكْنَسِ
وهو من الموشح الموزون، الذي يتسلى به قلب المحزون:
رُبَّ رِيمٍ رام قلبي فرمَى فيه سهمًا جاء عن غير قِسِي
من رى ظَبْيًا أرانا أسْهُما من لحاظٍ كعيونِ النَّرجِسِ
يا نديمِي قُم صَفا وقتُ الهنا فامْلَ لي الكأسَ وعجِّل بالطِّلَا
وأدِرْها خمرةً تُولِي المُنَى فزَمان الأُنْسِ بالبشرِ حُلاَ
والحَيَا قد ألْبَس الروضَ الثَّنَا وعلى الدَّوْحِ من الزَّهْرِ حُلاَ
[ ٣٢٩ ]
وحكتْ بالأنْجُم الأرضَ السما إذ غدَت بالزُّهْرِ منها تكْتَسِى
وحَبا الأغصانَ طَرْزًا مُعْلَما حين ماماسَ بأبْهَى مَلبَسِ
دور
ما ترى يا صاحِ أغصانَ الرُّبى مائِلات القَدِّ من خمر السحابْ
رنَّحتْها سُحْرةً أيْدِي الصَّبا فصَبا القلبُ إليها باكْتئابْ
ومن الزَّهْر لها أغْلى قِبَا ومن الدَّوْح لها عالِي القِبابْ
نَقَّطتْها السُّحبُ دُرًّا مثلما كستِ الروضَ بثوْبٍ سُنْدُسِي
وشذا عَرْف نسيمٍ هَيْنَما وكذا يفعُل ذاكي النَّفَسِ
دور
ما لِلاحٍ مُذْ لحَى طاب الهوى في حبيبٍ وجهُه يحْكِي القمَرْ
لَذَّ لِي في حبِّه مُرُّ النوى وارْتكابُ الهَوْلِ يومًا إن خطَرْ
ما على مَن نجمُه فيه هوَى حبن ما صَدَّ دَلالا ونفَرْ
أحوريُّ اللحْظِ معسولُ اللَّمَى فاحِمُ الشعرِ شهيُّ اللَّعَسِ
ثَغْرُه ابدى لنا برقَ الحمى وأثِيثُ الشعرِ ثوبَ الغَلَسِ
دور
يالَه بدرًا حَمى عنِّي الكرَى قدُّه والطَّرْفُ عَضْبٌ وأسَلْ
في دُجَى شعرٍ له بدرٌ سرَى وبشمسِ الوجه ليلٌ قد نَزَلْ
خَنِثٌ في جَفْنِه أُسْدُ الشَّرَى وعلى أعْطافِه لِينٌ ودَلّ
ساحرُ المُقْلةِ معشوقُ الدُّمَى قمرُ الأُفْق وظَبْيُ المَكْنَسِ
ذُو لِحاظٍ كم أراقتْ من دِمًا وهي تُفْدَى بالجَوارِي الكُنَّسِ
ومن بدائعه قوله:
نازَع الخدَّ عِذارٌ دائرٌ فوق خالٍ مِسْكُه ثَمَّ عبِقْ
قائلًا للْخال هذا خادمِي ودليل أنه لَوْنِي سرَقْ
فانْتَضى الطرفُ له سيفَ القضا ثم نادَى كما الذي أبْدَى القلقِ
أيها النُّعمانُ في مذهبِكم حجةُ الخارجِ بالمِلك أحَقْ
وقوله:
وأسمرٍ من بني الأتْراكِ ذي غَنَجٍ يهُزُّ قدًّا كغُصن الْبان في هَيَفِ
كأنه حين يعْلُو سُورَ قلعتِه وينْثنى شَرفًا منه على الشَّرَفِ
غصنُ الصِّبا مزهِرًاقد رنَّحتْه صَبا عليه بدرٌ بدا من دَارَةِ الشَّرَف
ومن تضامينه العجيبة، قوله في شخص عابه بانحسار شعر رأسه:
يَعِيبني أن شعرَ الرأسِ مُنْحسِرٌ منه فتىً قد عَرَى من حُلَّة الأدبِ
وليس ذلك إلا من ضِراِم هوىً سرَى إلى الرأس منه ساطِعُ اللهبِ
أقْصِر فدَيْتُك ذا داءٌ بمَبْعَرِه والعيبُ في الرأسِ دون العيبِ في الذَّنَبِ
وله في شريف يعرف بالمشهدي يدعي الشعر:
المَشْهَدِيُّ لِسانُه قد فّلَّ كلَّ مُهَنَّدِ
إن رام إنْشادَ القَرِي ضِ فقُل له يا سيدِي
يشير إلى قول القائل في ابن الشجري العلوي:
يا سيِّدي والذي يُعِيذك من نظْم القريضِ يصْدَا به الفكرُ
ما فيك من جَدِّك النبيِّ سوى أنك لا ينْبغي لك الشعرُ
وفي كتاب الكناية والتعريض للثعالبي: يقولون في فلان فضيلتان من فضائل النبي ﷺ: إحداهما أنه أمي، والثانية أنه لا يقول الشعر، وهاتان الخصلتان من فضائل رسول الله ﷺ وليستا من غيره بفضيلة.
وإذا كان الرجل متشاعرًا غير شاعر، قالوا: فلانٌ نبيٌ في الشعر. يعهني أنه لا ينبغي له ذلك، وعلى هذا بنى مخلد الموصلي قوله:
يا نَِبَّي الله في الش عرِ وعيسى بنَ مريَمْ
أنتَ من أشْعرِ خلْ قِ الله مالمْ تتكلَّمْ
وله:
قالوا حبيبُك أمسى لا تكلِّمه ولا تميلُ لرُؤْيا وجهِه النَّضِرِ
فقلتُ أمرٌ دعاني نحو جَفْوتِه والحبُّ للقلبِ لا للِّفظِ والنَّظَرِ
وله:
[ ٣٣٠ ]
ادَّعَو أن خَصْره في انْتحال فلذا بان قَدُّه المَمْشوقُ
وأقاموا الدليلَ رِدْفًا ثقيلًا قلتُ مهلًا دليلُكمْ مَطْروقُ
وممن منشآته قوله من رسالة: يقبل الأرض معترفًا برق العبودية قربًا وبعدًا، ومقرًا بأن فراق تلك الحضرة الزاكية لم يبق له على مقاومة التصبر جهدًا.
ارتكب مجاز التصبر ليفوز بحقيقة الاصطبار، واستعار لقلبه جناح الشوق فهو هو يود لو أنه نحوكم قد طار.
عجل عليه البين بدنو حينه، وسبك في بودقة خدوده خالص إبريز دمعة عينه.
وقطر بتصعيد أنفاسه لجين دموعه، ونفى بتأوهه وأنينه طير هجوعه.
بين أيادي من حلاه الله بأشرف المناقب، ورفع رتبته العلية على أعلى المراتب.
ونصب له لواء المجد، وخفض له جناح السعد.
المجزوم بأنه أوحد العصر والأوان، والمحكوم بقصر الفضل عليه من غير احتياج إلى حجة وبرهان.
من فتح لأبناء دهره أبواب التحقيق، وفاق أقرانه بحسن التنقيح والتدقيق.
وحل من مشكلات العلوم ما أعجز كل نحرير، وأبرز غواضم الدقائق على أطراف الثمام بأحسن تقرير.
فهو المسند إليه في باب العلم، والمشار إليه بأنه إمام الحلم.
وله من رسالة أخرى: انفتح له في فضل تصريف الأيام أبواب المزيد، وتسلطت عل أصوله أيدي العلل فعاين العذاب الشديد.
فحاله رق له أولو التمييز، ومتى ارتفعت زفراته بعامل التجني من يوسف الملاحة نادى أيها العزيز.
تناوب في إهلاكه ماضي طرفه وسمهري قده فقرأت باب تنازع العاملين، وتمادى موصول جفاه فأرسل سحاب الناظرين.
وأوقع الفؤاد في عروض الأسقام، وآذن بتقطيع الأوصال بسيوف الغرام.