الأديب الأريب، واحد الخبرة والتجريب.
نظم الشهب في الكتب، ورفع النقب عن أسرار الحقب.
وهو من كل المشارب شارب، ومن كل المسارب سارب.
فطورًا له طورٌ لجِدّ مُدافعٍ ووْقتًا له سَمْتٌ لهزْلٍ مُجانبُ
ولله منه جانبٌ لا يُضِيعُه ولَّلْهو منه والخلاعِة جانبُ
واتفق أن ضرب الدهر على صماخيه بصمام من الصمم، فزاده ثقل تلك الحاسة خفة تنشط الرمم.
فما برح يشرب صرف الهنا من أدنانه، ويهصر غصن المنى في أفنانه.
حتى أثرت في ذوائبه أفاويف الشيب، ودعاه الداعي الذي لا يعترض إجابته الريب.
وهو شاعر لشعره حظٌّ من الحسن، كأنما تغازله الجفون الوسن.
أثبت له ما يهيج الطرب، ويحلو في الأفاوه كما يحلو الضرب.
فمن ذلك قوله في مراجعة العمادي المفتى، وقد كتب إليه قصيدةً، لم أر منها إلا قوله:
مَن لي بظَبْيٍ كُحِّلتْ أجفانُه بالسَّقمِ
يفترُّ عن ثغرِ بدَا عذْبَ الثنايا شَبِمِ
أجْرى دموعي في الهوى كمُغدِقات الدِّيَمِ
وسَلَّ سيفَ لَحْظِه وهزَّ قَدَّ لَهْذَمِ
واخْتال في ثَوْب الصِّبا يْسحب كلَّ مُعْلَمِ
مصائبٌ ما جُمِّعتْ إلا لقْتل المغرمِ
يا قاتلَ اللهُ الهوى بدَّل دمعي بالدمِ
فكم له في خَلَدِي سرائِرٌ لم تُعلَمِ
وهذا ما رأيته في جوابه:
دُرٌّ سَمتْ في القِيَم وسُمِّيت بالكَلِمِ
أم روضةٌ دامتْ عليْ ها هاطلاتُ الدِّيَمِ
فلاح منها نُورُ ثَغْ رِ نَوْرِها المبتسِمِ
أم غادةٌ قلبي كَلِي مُ لَحْظِها المكلَّمِ
من بَيْضها وسُمْرِها في الطِّرْش قَتْلُ المغرَمِ
حيَّتْ فأحْيت بالِّلقا قلبا إليها قد ظَمِى
لِمْ لا ومُهْديها كري مٌ لكرامٍ ينْتمِي
ألْفاظُه كالسحرِ إلَّا أنها لم تحرُمِ
مُهذَّب أخلاقُه بحُسْن تلك الشِّيَمِ
كنَشْرِ روضٍ قد سرَى غِبَّ حَيًا مُنسجِمِ
وكان بينه وبين أحمد بن شاهين صحبة وردها شرع لا ينسخ، وعهدها عقد لا يفسخ.
وكلاهما من أول مرباه، كالغصن يترنح في رباه.
[ ١٩٤ ]
متعاكفان على تعاطف وائتلاف، ومتعارفان على تهارج واختلاف.
فعلقا فتى ألحم بينهما بسحره الألفة، وأماط فيما بينهما حجاب الكلفة.
وبقيا سنين متلازمين تلازم الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول.
ومتصلين أتصال الأرواح بالأشباح، والمساء بالصباح.
حتى اكتسى خد الفتى بالعذار، وطلع الشيب في عوارضهما متهمًا بالإنذار.
هناك تيقظ الفرفوري من سناته، وعدى عما كان فيه هناته.
وكتب إلى الشاهيني:
ولَّما أن بدا شَيبٌ بفَوْدِى خلُصتُ من الصبابِة باحْتيالِ
وصرَّفتُ المحبة كيف شاءتْ كأن الحبَّ لم يخطُر ببالِي
فأحسنُ ما يقال بأن قلبي سلَا يسلُو سلُوًّا فهْو سالِي
فكتب إليه قصيدة هز بها إلى رعى حقوقه، واستدفاع عقوقه.
وموافقته فيما إليه جنح، متيمنا بما إليه طير رشاده سنح.
سيما وقد تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي.
والقصيدة المذكورة، ومن أحاسن أشعاره المشهورة.
إلا أنها طويلةٌ جدًا، فاقتصرت من وابلها على الطل، واكتفيت عن أكثرها بالأقل.
ومطلعها:
أقصيدتي مُورِي بجَهْدك مُورِى وتيمَّمي خِدْنَ العُلى الفُرْفُورِي
يا ألْفَ مولايَ ولستُ بقائِلٍ غيرَ الصوابِ لصاحبي وسميرِي
مالي أراك مُفرِّطًا في صُحْبتي فكأنني عِقْد بكفِّ صغيرِ
خفِّض عليك فلستَ أوَّلَ قاذفٍ من جوِّ شاهِقَةٍ لجوْف شَفِيرِ
أوَ قد زعمتَ بأنني مُتهالكٌ في إثْرِ روض ليس بالمَمْطورِ
ما الروضُ فيما قد حويْتَ مُحتَّمٌ كّلا ولا للغْيرِ فضلُ خَضِيرِ
هيَ دِمْنةُ خضراءُ لم يأنَسْ بها رِيم وليس سَرابُها بعَبيرِ
أنَّي تقول ولا أَخالُك قائلا العَيْرُ عَيْرِى والنَّفِيرُ نفيرِي
صدقتْ بناتُ الفكر فيما ألَّفتْ إن العَباءةَ عندكم كحَبِيرِ
ما للفِراسةِ لم تُصدَّق فيكمُ والألْمَعيَّةِ لم تُعَنْ بنَصِيرِ
ومنها، وهو محل الشاهد:
فوَ حقِّ سَلْوتِيَ التي قد أصبحتْ بَرْدًا على كبدي لكل عَسِيرِ
هذا فؤادي مِلْءُ صدري حُزْنُه وافَى بِجَفْن في السُّلُوِّ قريرِ
ومَناكِبى أمْسَتْ تلائم مضْجعي ثم ارْعَويتُ فما استعنْتُ زفيرِي
وغدوتُ أضحك مِلْءَ فِيَّ تعجبُّبًا حين استمَرَّ على البِعاد مَرِيرِي
وتصافحتْ يُمْنايَ باليَسَر التي قد كانتا في غِلِّ خيرِ خبيرِ
وتبدَّلتْ عيْنَايَ أحسن مَنظرًا وهي الصحائفُ في دُجًى وبكُورِ
لّلِه أنتَ وما صنعتَ فإنما أنْقذْتني من هُوَّةٍ وسعيرِ
وكذاك ينْجُو ذو الصداقِة في الهوى وكذا بذنْبٍ ينْثنِي مغْفورِ