هذا الجناب الأفضل، والمحل الأمرع الأخضل.
مكان القول فيه ذو سعة، والألسنة كلها على مدحه مجتمعة.
فمن يتقدم فليقل ما شاء في وصف شمائله، وحق على المدح أن يتباهى بمخائل خمائله.
وحسبك من امرئٍ لم تر له ذامًا ولا شانيا، ولا ذاكرا يعلم الله أن له في الفضل ثانيا.
فقد جمع إلى كرم أصله، أعظم مزية من باهر فضله.
فقضى الحق الواجب عليه، واستدعى حيازة التفضيل بالحجة إليه.
فالدر ينثر من يديه وفيه، والخير مجموعٌ لديه وفيه.
وهو ريان من كل فن، سمح من غير تبجحٍ ومن.
مجلسه يأرج أرج الزهر، وسماحه يفيض فيض النهر.
وعينه في اكتساب المحامد ممنوعة السنات، وصحيفة وجهه كلها قربات وحسنات.
وهو وحيد الدهر في الأدب وفريده، وألمعيه الذي وفى البلاغة كل ما تريده.
ببنان قد قبض على أزمة البيان، ولسان قد امتطى صهوة الإحسان.
وله من النظم بدع جلائل، إلا أنها في العدد قلائل.
والنجوم أجلها أعلاها، والمعادن أقلها أغلاها.
فمن شعره قوله.
إن يكن زاد في الحسانِ جمالٌ أكَّد الحسن فيهمُ تأكيدَا
فلقد أسَّس العذارُ بخدَّي مُنْيَتِي رَوْنقًا ولطفا مَزِيدَا
وهْو عَمْرِي لا شك أزْهَى وأبهى حيْثُما قد أفاد معنىً جديدًا
وقوله:
يا مليحًا قد حاز كلَّ الجمالِ وحبِيباَ تفْديه رُوحي ومالِي
كلما زدْتُ في هواك غرامًا قلَّ صبْري وزاد فيك انْتحالِي
آهِ من حسنِ مَبْسمٍ لك كالدُّ رِّ ولحظٍ يَرْوِي عن الغزَّالِي
جُدْ لعبدٍ غدا قتيلَ عيونٍ قد رمْته لحاظُها بِنبالِ
لك خَصُرٌ قد صار مثلي نحيلًا حمَّلته الأرْدافُ ثُقْلَ الجبالِ
لك وجْه قد أخجل الشمسَ نورًا لك جِيدٌ قد فاق جِيدَ الغزالِ
لك قدٌّ كالرمح يهْتزُّ تِيهًا قد رماني بأسْمَرٍ عسَّالِ
فترفَقْ بعبدِ رِقٍّ عميدٍ قد غدا في هواك رَقَّ الخلالِ
نحلتْه الأسقامُ شوقًا ووجدًا فغدا جسمُه من السُّقمِ بالِي
كلّ ما مَرَّ شَرْحُه بعضُ حالي وهو عندي إن كان يُرْضيك حالِي
وقوله من قصيدة، أولها:
ما رياضٌ حِيكتْ بأيْدِي الغمامِ باكَرَتْها بصَوْب مُزْنٍ هامِي
عَلَّها وابلُ الحيَا بعد نَهْلٍ فأماطت عن ثَغْرها البَسَّامِ
وتحلَّت بنُورِ نَوْرٍ نضيرٍ من عَرارٍ ونرجِسٍ وبَشامِ
فعليلُ النسيم مِنها إذا هبَّ كَفيلٌ بصحةِ الأجسامِ
فهْي نورًا كبهجة الشمس حسنًا وهْيَ لطفًا كالبُرْء للأسقامِ
كمُحيَّا الأستاذ مولاي يحيى دام يَحْيا على مدى الأيَّامِ
وكتب إلى والدي، وهما بدار الخلافة، قوله:
إليك أخي نصيحةَ ذي اخْتبارِ له حزمٌ وزَنْدٌ فيه وارِي
إذا جار الزمانُ وكلُّ دهرٍ على أحرارِه في الجَوْر جارِي
[ ١٨٢ ]
وأكْسَبك اغْترابًا وانتزاحًا فكُن متغرِّبا في أسْكدارِ
ترى فيه ظباءً سانحاتٍ بألحاظٍ يَصِدْنَ بها الضَّوارِي
وطورًا تلتقي غصنًا رطيبًا علاه حَدِيقة من جُلَّنارِ
فقَضِّ العمرَ فيها في سرورٍ وصِلْ ليلَ التَّواصُلِ بالنهارِ
وخَلِّ الأهْلَ عنك وقلْ سلامٌ على الأوطانِ منِّي والديارِ
فراجعه بقوله:
أتتْك نصيحة من ربِّ فضلٍ إمامٍ في الفضائل والفخارِ
له في كل علمٍ طِيبُ مَجْنىً وفضلٌ زَانه كَرَمُ النِّجارِ
ونظمٌ يُعْجِز البلغاءَ لفظًا ونثرٌ كاللآلي والدراري
يقول وقولُه لا شكَّ صدقٌ عليك إذا اغْتربتَ بأسْكدارِ
نعم هي جَنَّةٌ حُفَّتْ بحُورٍ ووِلدانٍ حَلَتْ شمسَ النهارِ
ولكن لم أجدْ فيها خليلًا يُعِين أخا الغرامِ على اصْطبارِ
يساعدني على كَلَفِي بريمٍ يُعذِّب عاشِقيه بالنِّفارِ
له لحظٌ يصولُ به دلالًا فيفْتِنُ رَبَّ نُسْكٍ ذا وقارِ
وقدٌّ إن تثنَّى فهْو غُصنٌ يُحرِّك من هوى نائِي الديارِ
فمالي والقَرار بها وأنَّى يطيبُ ليَ القرارُ بلا قرَارِ
قضاءٌ من إلهي ليسَ يجْري على قدرِ الإرادة باخْتيارِي
وطلب من والدي تأليفه " الرحلة الرومية "، فبعثه إليه، وكتب معه:
تبسَّم عن ثغْرِ الأقاحِي لِثامُها وغنَّتْ على الأفْنان صُبْحًا حمامُها
وغرَّدتِ الأطيارُ من بهجةِ الرُّبَى فمالتْ لها الأغضانُ وهْو سلامُها
وحيَّتْ بخَدٍّ كالشقيق مُورَّدٍ ورقَّةِ خَصْر لان منه قَوامُها
فأحْيَتْ عليلًا طال وقتُ انْتظارِه ووافتْ فَوافَى بالصباح ابْتسامُها
تقلَّدت الزُّهْرَ الدَّرارِي كأن من ثنايَ على ربِّ المعالي نظامُها
هُمامٌ أطاعتْه يَراعُ بَراعة يُراعُ مُعادِيها ويُرْعَى ذِمامُها
فحضْرتُه العَلْيا إذا انْحطَّ قدْرها غدا فوق فِرْقِ الفَرْقَديْن مَقامُها
وهابِنْتُ فكرٍ قد أتتْ نحو بابِكمْ بغير يديْكم لم يُفَضَّ خِتامُها
وصُحْبتُها منِّي الدعاءُ ورحْلتي تُشرَّف بالأنْظار وهْو مَرامُها
وها هي قد جاءتْك تشْكو من الظَّما بأدْنى ابْتسامٍ منك يُرْوَى أَوامُها
فما القلبُ يصفُو إذ تزيد همومُه ولا الشمسَ تَبْدو إذ يُحيط غَمامُها
فلا زلْتَ تبْقى كلما رنَّحَ الصَّبا غصونًا وقد غنَّى عليها حَمامُها
مدَى الدهرِ ما أهْدَى لبِيبٌ رسالةً لرَوْضة فضلٍ فاح منها بَشَامُها
فأجابه بقوله:
أروضةُ زهرٍ جاد سَحًّا غَمامُها فأهْدَى لنا نَشْرَ العبير خُزامُها
أم الرَّاحُ في الأقْداحِ لاحتْ فأسْكرتْ فؤادي ولمَّا فُضَّ منها خِتامُها
تطوف بها ذاتُ الوشاح خَرِيدةٌ يروقُك مَرْآها ويحلو كلامُها
مريضةُ أجفانِ اللِّحاظ سليمةٌ وما صحةُ الأجْفان إلاَّ سَقامُها
مُثقَّلةُ الأرْدافِ خَفَّ وِشاحُها مُرنَّحةُ الأعطافِ لَدْنٌ قَوامُها
مُضمَّنَةٌ من ذِي وفاءٍ قَصيدةً بليغةَ ألفاظٍ بديعٌ نِظامُها
أخي فِطْنةٍ رقَّتْ وراقتْ عذوبةً فلله منها لُطْفُها وانْسجامُها
أطاعتْه أبْكارُ المعاني وعُونُها بفضلٍ فأضْحَى في يديْه زِمامُها
وذلك فضلُ الّله يُؤتيه مَن يشا ويمْنحه نفسًا عزيزًا مَرامُها
[ ١٨٣ ]
تُحاول منِّي أن أرُدَّ جوابَها وفِكْرتيَ اسْتولى عليها قَتامُها
وقد لعبتْ أيْدي المشيب، بمَفْرقِي وتوَّجَنِي دُرًّا يسوءُ انْتظامُها
رعى الّلهُ أيامَ الشبابِ وعهدَه وأوقاتَ أُنْسٍ ليت عمريَ عامُها
وحيَّى لُيَيْلاتٍ مضتْ وتصرَّمتْ لياليَ أُنْسٍ كان صُبحًا ظلامُها
يغازلني فيها أغُّن مهَفْهَفٌ لواحظُه وسْطَ الفؤاد سهامُها
وبِتُّ يُعاطيني كؤوسَ حديثهِ فلله من خمْرٍ حلالٍ حَرامُها
وطورًا يُحيِّيني بوردةِ خدِّه وآونةً من خمر فيه مُدامُها
فرِيقتُه نَفْسُ الشَّمولِ وثغْرُه حَبابٌ لها يطْفو ومن فيه جَامُها
وقد عِفْتُ أبيات القريضِ ونظْمَه وقُوِّض من بين الفؤاد خيامُها
ولكن بحمْد الله جادتْ قريحتي وما خلتُ يومًا أن تجود جَهامها
فدونكَها يا ابن الكرامِ بديعةً تؤُمُّ ذَرَى نادِيك يُهْدَى سلامُها
ودُمْ وابْق ما أنْشأ بليغٌ قصيدةً تضوَّعَ مِسْكًا بالثَّناء خِتامُها