هو منهم بيت القصيد، وواسطة عقد المجد النضيد.
تجسَّم من شرف محض، وكرم لا يحتاج خيره إلى خضٍ ومخض.
إلى ما حاز من أشتات الكمال، والمعالي المربية على الآمال.
وهو بعد أبيه النقيب، ومحله فوق المعلى والرقيب.
فمهما ترقى البدر فقاصرٌ عن مراقيه، والبحر لو عذب لكان بعض سواقيه.
وله مع النباهة روح الفضل وجسمه، ومن بشر أساريره ينهض أثر المجد ورسمه.
وبيني وبينه ودٌ مورث في الأعقاب، وحب خالد ما دامت الأحقاب.
ولي في كل لحظٍ منه أملٌ ينشيه ويعيده، وفي مرأى وجهه نوروز إذا مضى أقبل عيده.
وإذا أردت مدحه أرسلت نفسي وما تجود، فلا تنتهي عند وصفٍ من أوصافه إلا وتقول أحسن الموجود.
وأنا أرجو الله تعالى في كل ما يشاؤه، وأسأل له ما هو ما يدوم به ممتلئًا رشاؤه.
ولقد أوردت له من نفثاته السحرية، ونسماته الشحرية.
ما هو أحسن من نور تفتحه الصبا، وأوقع من خلسة الوصل في عهد الصبا.
فمن ذلك قوله:
لقد دعانا إلى الرُّبي الطَّرَبُ فأجبناه حسْبَما يَجِبُ
واستبقَنْا والشوقُ يجذِبُنا كأن أشْواقَنا لنا نُجُبُ
وشَمْلُنا والحظوظُ تُسِعدنا مُجتِمعٌ سِلْكُ عِقْدنا الأدبُ
فحَلْلنا منها بمُرتَبَعٍ وهو للرَّائين مُنْتخبُ
وقد حبانا الربيعُ مقْتِبلًا بمزاياه والمُنَى نُخَبُ
فالروضُ مُخْضلَّةٌ ملابسُه تجمَّع الحسنُ فيه والأرَبُ
وقد تناغَتْ به بَلابُله فمنهمُ فاقِدٌ ومصطحِبُ
وموكبُ الزَّهْرِ في حدائقِه مُنْتَزه بالعيونِ مُنْتهَبُ
تُظِلُّ مَغْناه وهْو مُزدهِرٌ قِبابُ نَور كأنها سحُبُ
يُنْعشنا العَرْفُ من شَمِيمِهما ومثل هذا العبيرِ يُكتسَبُ
والْمَرْجُ رَحْبُ الفِناء مُصْطحِبٌ عليه ذَيْلُ النسيمِ مُنْسحبُ
تخاُله من زَبَرْجَد نَضِرٍ بحرًا غدا بالنسيمِ يضْطربُ
يشوقُنا حسنُه ومنظرُه يَسُرُّنا حيث زانَه الخصبُ
ولا نْسكابِ المياهِ حسنُ صَدًى يرقُص عند اسْتماعِه الحَبَبُ
فمُذ نَعِمْنا بذا وذاك وقد تكنَّفتْنا بفَيْئها القُضُبُ
أخصَب رَبْعُ المنى وطاب به ال عيْشُ لنا واسْتفزَّنا الطَّربُ
فعاد للوجْدِ مُدْنَفٌ طَرِبًا وهكذا مُدنَفُ الهوى طَرِبُ
ومال وَفْقَ الهوى وحُقَّ له ذلك إذْ ليس ما به لَعِبُ
وراح يُمْلِي غرامَه ولَهًا في غَزْلِ رَقٍّ صَوْغُة عَجَبُ
ومن يكن بالغرامِ مُمتَحَنًا ولا غَرْوَ بالشوقِ قلبُه يَجِبُ
يا بأبِي مُتْرَفٌ ألِفْتُ به ال وَجْدَ وما غير مِحْنَتِي السَّببُ
أطعْتُ فيه الهوى ومَعْدِنُه بمِغْنَطِيسِ الجمال مُنْجذِبُ
جمالُه فتنةٌ لذِي نُسُكٍ مُهذَّبٍ زان حُسْنَه الأدبُ
تمازجَ اللطفُ والعفافُ به كذا لَمَي الثَّغْر منه والشَّنَبُ
بَدْرٌ مُحيَّاه ما به كَلَفٌ برَوْنَق الحسنِ راح ينْحجِبُ
وقَدُّه السَّمْهَرِيُّ من مَرَحٍ ما اهْتزَّ إلَّا ازْدَهتْ به القضُبُ
وما بطَرْفٍ رَنَا لوامِقِهِ إلا وسهمُ اللِّحاظ مُنْتشِبُ
شَهِيُّ لفَظٍ تكاد رقَّتُه تسْتِرقُ الَّلبَّ وهْو مُحْتجِبُ
[ ١٧١ ]
مَنطقُه مُسْكِر لمستمعٍ وسُكْرُنا من سماعِه طَرَبُ
قد مُنِحتْ بالجمال صورتُه وقد مُنِحْتُ الهوى ولا عَتبُ
أوْسَعَنِي فيه حبه وَلَهًا وليس إلا هواه لي أرَبُ
وقد أبي غيرَ مُهجِتي سكَنًا وهْي له مَرْتَعٌ ومُنْقلَبُ
فلا خَلاَ من هواه لي خَلَدٌ وذاك بيْني وبينه نسَبُ
وقوله:
لا وصدق انْتِما المُحبِّ الودودِ لغرامٍ سما به للسُّعودِ
ونُزولِ الحِمَى وقد طال نَأْيٌ باشْتياقٍ نما من المَعْمودِ
وارْتِضاعٍ لما جلَتْها أكَفٌّ خضَبتْها دِما ابنةِ العنقودِ
وارْتشافِ اللَّمَى ولَثْم الخدودِ واعْتناقِ الدُّمَى ذواتِ النُّهودِ
ما الهوى بي كما يظُنُّ جَهولٌ بل غرامى بما عليه شُهودي
وقوله:
لستُ إلا كَلًاّ على إشْفاقِكْ فبرُحْماك جُزْ على أخْلاقِكْ
وأعِدْ نظرةَ الحنان ليَهْدَا رَوْعُ من لم يزل على مِيثاقِكْ
وارْعَ وُدًّا رضِيتُه منه حاشَا نَبْذُ وُدٍّ أتى على مِصْداقِكْ
إن قلبًا حلَلْتَه عَرَضٌ أنْ تَ به جوهرٌ على إطْلاقِكْ
كيف يرضَى دون التَّمَلِّي بلُقْيَا كَ محبٌّ إقالةً من وَثاقِكْ
وقوله أيضًا في الغزل:
امْنَحِ الطرفَ منك طَلْقَ العِنانِ لاجْتلاء الورود في الأغصانِ
والثَمنْ باللِّحاظ منه خدودًا صِبْغُها من صنائع الرحمنِ
واغتنمْ طِيبَ وقْته فلَعَمْرِي إنَّه غُرَّةٌ بوجهِ الزمانِ
فانتهِزْ فيه فرصَةً لأمانِي كَ وحسْبُ الشَّجْيّْ نَيْل الأمانِي
حيث وجهُ الزمان طَلْقٌ ورَيْعا ن التَّصابِي إقْبالُه مُتدانِي
وبحيث المُنى يَسُرُّك منها ما تدانتْ قِطافُه للْبَنانِ
واصْطحِبْ للنّدام كلَّ مُجيدٍ لقِصار الفصولِ ذات المعانِي
ألْمَعِيٍّ حُلْوْ الحديث يُجاري ك بما تشْتهِيهِ ذي تِبْيانِ
واصْطَفِ للغناء كلَّ طَروبٍ ناعمِ الصوتِ مُتْقِن الألحانِ
يُوسِع السمعَ شَدْوُه طَربًا والْ قلبَ شَجوًا بأنَّةِ الألحانِ
واغْنَ يا صاحِ قبل فَوْتِك واسْتجْ لِ عَرُوسًا بمُطْرباتِ الأغانِي
واحْتسِيها عذراءَ كاسًا فكاساَ يتلاَلاَ حَبابُها كالجُمانِ
يتَهادى بها إليك غَرِيرٌ خَنِثُ اللَّحْظِ فاترُ الأجْفانِ
لَيِّن العِطْفِ يسْتَبيك إذا ما قام يخْتالُ مثلَ خُوطِ الْبانِ
يُشْبه النَّوْرَ منه رَوْنَقُ وجهٍ وترى الخدَّ منه كالأُرْجُوانِ
واجتنِ للْمَشامِّ من يانِع الزَّ هرِ صنوفًا من روضِك الفَيْنانِ
واطْلقِ العودَ في المَجامِرِ والنُّدْ مانَ حَيِّ بماءِ وردِ القِنانِ
فلَعَمْري هذا هو العيشُ فاغْنَمْ فسِوى اللهِ كلُّ شيءٍ فانِ
وكتبت إليه أمدحه بقولي:
كتمتُ هواه لو يُفِيد التَّكَتُّمُ وكيف ودمعُ العين عنه يُتَرْجِمُ
لك اللهُ قلبي كم تُقاسي لَواعِجًا لها في الحشَا نارٌ من العشْق تُضْرَمُ
بُلِيتُ بقاسٍ لا يزال يُذِيقني من الصَّدِّ ما لم يلْقَه قبلُ مغرمُ
فسلَّمتُ قلبي طائعًا غيرَ أنني أُؤخِّر رجلًا في الهوى وأقدِّمُ
وما كنْت أدري أن للعشقِ فتنةً وأن اجْتنابَ الشرِّ للحُرِّ أسْلمُ
فلما رأى وجْدي عليه تغيَّرتْ خلائقُه ثم انْثنى يتحكَّمُ
[ ١٧٢ ]
وصَدَّ وجازاني على الوُدِّ بالقِلَى وأعْرض عني وهْو بالحال يعلَمُ
وبَدَّل مِيثاقي وأضْحى مُجانبًا يمُرُّ فيَثْني عِطْفَه لا يسلِّمُ
وأَغْدق دمعي وهْو ماءٌ مُمنَّعٌ وحَلَّلَ قتْلي وهْو أمرٌ محرَّمُ
عفا اللهُ عنه من بخيلٍ بقُرْبِه وسامحه من ظالمٍ ليس يرحمُ
أُقضِّي به عمري مع اليأسِ والمُنى ولي من عَذُولي كلَّ وقتٍ مُهيِّمُ
أبِيتُ أُعاني الوجدَ ليلة لم أكُنْ بغيْرِ ثَنا فَرْدِ الورى أترنَّمُ
عَنيتُ النقيبَ السيد السَّنَد الذي غدا مثلَ بسم الله فهْو مُقدَّمُ
وحيدٌ له الأفْضال طبعٌ وشِيمةٌ وفيه انْتهى جودُ الورى والتَّكرُّمُ
إذا كان نُور الشمس لازِمَ جِرْمِها فطلعتُه الزهراءُ نُورٌ مجسَّمٌ
ونادِيه روضٌ بالفضائل مُزهِرٌ لسانِيَ فيه البَلْبُلُ المترنِّمُ
تُعطِّر هّبَّاتِ النسيمِ خِلالهُ فليْست بعَرْفٍ غيرِها تتنسَّمُ
ويفْترُّ عن لأْلاءِ بِشْرٍ كأنه مُقبَّلٍ شَادٍ ألْعَسٍ يتبسَّمُ
أمولايَ أنت الناسُ يا فوق فَوْقهم لأنَّك للطلاب رزقٌ مقسَّمُ
هواك بقلبي ليس يبْرَح لحْظَةً به أبْتدِي الودَّ الصحيحَ وأخْتِمُ
ولي في عُلاك الباهر المجْدِ في الورى عقودُ كلامٍ بالثناء تُنظَّمُ
قَوافٍ إذا ما أُنشِدتْ بين أسرةٍ فقُسٌّ لديْها بالفصاحة أبْكمُ
وما هي إلا الزّاهراتُ فلو بدتْ لقامتْ مقام الزُّهْرِ والليلُ مظلِمُ
تمتَّع بها من مادحٍ ليس يرْتجِي من الدهرِ شيئًا غيرَ أنَّك تسلَمُ
وحسبُك شُكْرِي ما بقيتُ على المدى وقلبي وأعْضائي تصدِّق والفَمُ
فكتب إلي مراجعا بقصيدة على رويها، وكنت مريضا، وهي:
حسْبُ المُنى حيث الحوادثُ نُوَّمُ وحواسدِي وعواذِلي واللُّوَّمُ
وافْتنِيَ الحسناءُ في دَاجِي ذَوا ئبِها وللأشْواقِ فيَّ مُخيَّمُ
عذراءُ وافَتْ وهي تخْترق الضِّيا من وجهِها مُذْ لاح فيه تبَسُّمُ
فتعطَّرت منها الرُّبوعُ وفاض في أنْحائها منها السَّنا يتنَسَّمُ
ولَطالَما راقبْتُ من وَلَهِي بها طَيْفًا يُلِمُّ بزَوْرة تُتغنَّمُ
ومن اغْتذى ضَرْعَ الهوى هل عَيْنُه يومًا بتَهْويمِ الكرَى تتنعَّمُ
كَلاَّ إِذا الأحْشاء خامَرَها الهوى قِدْمًا فلاَعِجُه بها متضرِّمُ
وافتْ فحُقَّ ليَ الهناءَ بها كما ال واشون حُقَّ لهم بذاك توغُّمُ
فغدوتُ ذا طَرَبٍ قريرَ العين سِلْ كُ الشَّمْلِ بالاحباب لي مُتنظِّمُ
لا بِدْعَ أن أزْهُو إذًا وأجُرُّ ذَيْ لَ العُجْبِ تِيهًا والهوى أتهكَّمُ
وأمِيدَ نَشْوانًا بكأسِ حديثها وثناءِ ناظِم عِقْدها أترنَّمُ
لِم لا أكنْ بثَنائِه مُترنِّمًا وهو الأمينُ وبالمُنى المتكرِّمُ
الأرْيَحِيُّ المَكرُمات ومن حوَى حسنَ الحُلا فيها غدا يتوسَّمُ
رَبُّ الفصاحةِ والنباهةِ مَن غدا وله من الفضل الجسيمِ تجسُّمُ
ما اللطفُ في النَّسَمات إِلا من كَرِي مِ خِلالِه وبعَرْفها تتنسَّمُ
تخِذَ التَّطوُّل بالمكارِم عادةً فكأنه كِلفٌ بذاك مُتيَّمُ
لا غَرْوُ أن ملأتْ محامدُه المسا مِعَ واسْتلذَّ سماعَها المترنِّمُ
يافرعَ أبناءِ الكرام ومَن لهم في كل مجدٍ رُتبةٌ وتقدُّمُ
[ ١٧٣ ]
بُشْراك ما أُوتِيتَ من أجْرٍ بما عاينْتَ من وَصَبٍ عِدَاك يُيِّممُ
فتهَنَّ مأجورًا ومسرورًا بعا فيةٍ أتتْك فلا عدَتْك تعمّمُ
وعَدَتْك أسْقامٌ عَنَتْك وللعِدَى ال عادِين وافتْ بينهم تتقسَّمُ
وبِقيتَ في ظلِّ التَّهانِي سالمًا والعيشُ مُخَضرًّا لديْك مُخِّيمُ
وإِليْكَها قُسِّيَّةً ألفاظُها كالدُّرِّ في سِلْكِ الثناء تُنظَّمُ
جادت بها منِّي قريحةُ مُوقِنٍ بجُمودها إِذ جاء منك مُهيِّمُ
فاعذُر وكن بثنائها متمتِّعًا حسَب المُنَى حيث الحوادثُ نُوَّمُ
فكتبت إليه معتذرًا عن مراجعته بقصيدة: لعارض المرض، وما أقول إلا كما قال الديباجي: كلامي في خطابه مماثل لانعكاس الناظر، ورد الفوارة ماء الغمام الماطر:
ليس فَمي فيك يبلغ الشكرَا من بعد ما قد ملأْتَهُ دُرَّا
بعثْتَ لأي بالحياة في كَلِمٍ يزيد في العمر لطُفها عُمْرَا
من كل لفظٍ في اللفظِ أحسَبُه ينفُث هاروتُ منه لي سِحرَا
لم تصْطنِع جَبْرَك القلوبَ لمن يدعوك إِلاَّ وتقْتني أجْرَا
يا من هو الروضُ في خلائقِه يَعْبَق من نَسْمةِ النَّدَى نَشْرا
شَوْقى لتقْبِيل راحتْيك لقد جاوزَ حتى لم يُبْقِ لي صَبْرَا
لكنَّ عُذْرى إليك مُتَّضِحٌ فاقبَلْ حَماك الإله لي عُذْرَا
فبعث إلي بهذه الأبيات:
أيُّها المُوسِعُ المنى بِشْرَا دُمْتَ تْستنِطق اللَّهَي شُكْرَا
ودام ثغرُ الوِاداد يْبَسم من بِشْر مُحيَّاك لافِظًا دُرًَّا
وحبَّذا منك ذا لآملهِ فْهو لَعَمْري ينافِس الشِّحْرَا
لقد منحت المُحِبَّ منك بما أثْلَج منه الفؤادَ والصدرَا
مِن كل لفظٍ في اللطفِ أحْسَبُه ينفُث هاروتُ منه لي سِحْرَا
فدُمْ لنا روضةً نُسَرُّ بها ومِن رُباها نسْتنشِق العِطْرَا
وفيك ما دامتْ لنا الُمَنى أَمَمٌ إن نْلتُها كان لي بها البُشْرَى
وكتب إلي يستدعيني إلى منتزه:
أنعم اللهُ للْجناب صَباحَهْ وبإسْعادِه أراش جناحَهْ
وحَبانَا حَسْبَ المُنى بأمالي هـ وآدابِ فضْله المستباحَهْ
وأقرَّ العيونَ منَّا بما مِن غَضِّ آدابهِ أجاد اقْتراحَهْ
يا أمينَ الكمال وابنَ ذوي الفضْ لِ وخِدْنَ العُلى ورَبَّ الفصاحَهْ
لا عدِمْتُ الوفاءَ منك بأوفى صِدْقِ عهد يُجدِي إلىَّ نجاحَهْ
فأجِبْ داعيًا إلى منزلِ القصْ ف صباحًا لكي ننال رَباحَهْ
مُسْعِدًا حظَّه ببِشْرٍ ولُطفٍ بهما الصدرُ راح يلْقَى انْشِراحَهْ
وابْقَ سَلْمًا خَدِيمُك السَّعْدُ ما أسْ عَد خِلُّ إلى خليلٍ صباحَهْ
فخطابته مرتجلًا:
أسعد اللهُ من تكون صباحَهُ فمُحيَّاك للصباحِ صَباحَهْ
بأبي أنت وأمي رائِشًا لجناحي في زمانٍ عدمْتُ فيه نجاحَهْ
كان قِدْمًا جوادُ حَظِّي جَمُوحًا فلأنْتَ الذي أزَحْتَ جِماحَهْ
قد أتْتني أبياتُك الغُرُّ تخْتا لُ وقد أُوِتيَتْ جميعَ الملاحَهْ
مُبْدَعاتٍ لا يبرحُ الطرفُ عنها فهْى قَيْدُ النَّواظر اللَّمَّاحَهْ
كلُّ لفظٍ منها كوُسْطَى نِظامٍ زَيَّن العقْدُ منه جِيد الفصاحَهْ
قد دعتْني إلى اغْتنام عُهودٍ أنا منها في غِبْطةٍ وارْتياحَهْ
ألْفُ سَمْعٍ وطاعةٍ ولك الأمْ رُ الذي ما برحْتُ أرجو نجاحَهْ
[ ١٧٤ ]
وابْقَ واسْلَمْ على المَدى لمُحِبٍّ لك يدْعُو غُدُوَّه ورواحَهْ
وعزم يومًا على التنزه في حديقة اتخذها مألف نشاطه، ومحل أنسه وانبساطه. فكتب إلى يستدعيني:
نتفدَّاك مُسْتماحَ الوِدادِ ثابتًا في حِفاظِه كودادِي
مُستباح الجَنى وطَلْقَ المُحيَّا ذا جَنَانٍ رَحْبٍ وبِشْرٍ بادِى
يا كريمًا خصالهُ تجْذب الآ مال طبعًا لفضلِه المستفادِ
إثْمِدٌ للعيون بِشرُ مُحيَّا ك فكن مُفْضِلًا بذاك مُهادِي
وأجبْ مسعدًا بلُقْياك داعٍ شَفَّه الشوقُ فهْو بالمِرْصادِ
وابْقَ سَلْمًا ممتَّعا بأما نِيكَ على رَغْم مَعْطِسِ الحُسَّادِ
ما تداعَتْ إلى التَّدانِي أمَانٍ من مَشوقٍ أشواقُه في ازْديادِ
ولما قدمت من الحج كتب إلي، فأهدى لي البدر من بيت شرفه، والعيش في نضرة ترفه:
بُشْرَى بمَقْدَمِ خيرٍ منك مسعودِ أهْدَى لنا رَوْحَ أُنْسٍ منك معهودِ
أعاد أُنْسَ تدانينا وأسْعَدنا بعد التَّباعد حينًا في ذُرَا الجُودِ
فلْيَهْنِ معشرَ أحْبابٍ وحُقَّ لهم بأن يُهَنَّوا ببشرٍ منك مشهودِ
كما يحقُّ هَناءٌ للْجَناب بما رَوِيت من زَمْزم المُشْفِى لمقْصودِ
بُشْراك بشراك ما بُلِّغت من نِعَمٍ وما نعِمْتَ به من فضلِ مَعْبودِ
مُخَيِّمٌ بمِنًي حيث المُنى أَمَمٌ قريرُ عينٍ بموجودٍ وموعودِ
ُمتمِّمًا بطَوافٍ نُسْكَ حَجِّك مَقْ رُونًا بحسْنِ قَبولٍ غيرِ مردودِ
مُيَمِّما سيِّدا مَن زاره وجبتْ له الشفاعةُ حقًّا غير مَجْحودِ
عليه أفضلُ ماصلَّى الأنامُ على جنَابِه مِن صلاةٍ عِدْلَ معدودِ
تُتْلى بأوْفى سلامٍ والرضا أبدًا يَنْدَى على آلهِ والصحبِ بالجودِ
مُثْنٍ عِنانَك فورًا نحو طَيْبتِه عَوْدا لأحمد إذ هُو أحمدُ العودِ
فمن تطيَّب من دَارِيِّ تُرْبتِه يَشْتَمُّ ما عاش عَرْفَ المسكِ والعودِ
واُبْشِر بَحْمدك في الأخرى سُراك غَدًا فما السُّرَى عند صُبْحٍ غير محمودِ
ودُمْ حَلِيفَ مَسَّراتٍ خَدِينَ تُقيً في ظلِّ سعدٍ نَدِىِّ العيشِ مَمْدودِ
واعْذُر أخاك بما أبْدتْ قريحتُه من رَوْح أُنْسِك لا من مثل جَلْمُودِ
واعْذُر تأخُّر خَجْلَي دون موعدها فما القضاءُ بمنْكورٍ ومجْحُودِ
فلا برحْتَ نعبمَ البْالِ مقتنِصًا بِيضَ الأمانِي بسَعْدٍ غير مورودِ
وردت علينا سنة من سني يوسف لم تدع للأنس وقتًا، ولم تبعث إلا إساءة ومقتا.
فأقبل الربيع وولى، ولم ندر أجاء أو لا.
وقد طمست آثار المسرات، عند ما قامت نوائب المضرات.
فذكرت أوقاتي معه، حيث مآربي به مجتمعة.
تشرف بحلاه، وتبتهج بعلاه.
وكان وعدني بإرسال بعض قطع، من نظمه المبتدع.
فكتبت إليه: رقعتي إلى الحضرة الشريفة صدرت عن ذهنٍ كليل، وحدٍ فليل، وقلقٍ كثير، وتصبر قليل.
وخاطر منقبض، وأسًى في الصدر معترض.
كيف والأنس تقلص ذيله، وأظلم دون الأمل نهاره وليله.
وهيض عضده، وغيض ثمده.
فليبك عليه الباكي، وليبث ما يجده من فقده الشاكي.
فهذا الورد كما جاء راح، وما تعطر به مجلس راح.
فهو لذلك شق جيبه بل قلبه حزنا، واستعبر حتى فقدت دموعه، فاستنجد للبكاء طلًا ومزنا.
وغطى رأسه بأكمامه، خجلان من سماجة أيامه.
وكان يقال له: اختشى ألم القطع فاحتسى الزعفران، وأما الآن فقد احتساه ليغيب حواسه عن آلام الزمان.
بل سمع بالنار تتسعر لاستقطاره، فناشد بأن يجعل بقبض روحه وألا يعذب باستنظاره.
وما زال يستجير من جور الدهر الخؤون، إلى أن رق له النسيم وحنت عليه الغصون.
فهذا حال الورد وهو زهر، فكيف حال صبٍ يدري مواقع الدهر.
[ ١٧٥ ]
تذكرك عهوده الماضية، أيام كان بخدمتك في العيشة الراضية.
وأنت تغنيه بنضارة لفظك عن الورود المتنوعة، وبفنون حفظك عن الطرف المتجمعة.
فأي عيشٍ له بعدها يطيب، ولا روضٍ صباه مخصب ولا غصنه رطيب.
فإن رأيت ولك الرأي أن تتلافى في بعض رمق، فلتهدلي الحياة من أشعارك الغضة في طبق.
لأستبدل بها من صدأ لهم صقالا، وأفرج بها عن فكرتي ارتباطا واعتقالا.
فتعود كهولتي صبا، وتهب ريحي صبا.
فعندها أقول للأمل: دع الأيام تكن غضابا، إذا ما اجتنيت من هذه المشافهة رضابا.
فمهما مننت، تطولت وأحسنت.
فالوقت إساءةٌ أنت إحسانه، وناظر ليس إلا أنت إنسانه.
فالله يبقيك ما انهشت بك أساريره، وقامت بك عن ذنوبه معاذيره.
فراجعني بقوله: سيدي الأمين، ومؤيدي في كل حين.
حرس الله تعالى من الغير حصن جهاتك، ومن الكدر صفو أوقاتك.
وتولى حفظ ملكي ذاتك، وصون مضافاتك من كل فاتك.
وشرح منك وبك الصدور، وأنعم منك وبك البال وحباك السرور.
لا زلت تحيى بروح تلافيك التياحي، وتحبي بريح تلافيك ارتياحي.
فلقد وايم الله أوليت من صنيعك منه بما أمليت، فكأنما بلساني نطقت وعما أعربه جناني أعربت.
فصديقك في الحال قد واساك، ورفيقك في المجال قد ساواك.
غير أنه وجم عن بث أحزانه، من تقلب وقته وانقلاب عيانه.
يقول إيهِ وقد وجَمْتُ ومَن يَنْطق أو من يُطِيق مُحْتِملاَ
كيف وقد تقلص من الوقت ذيل أنسه، وصار من المقت يحسد يومه لأمسه.
واعتاض مستامٌ جميل عوائده، بصفقة الخسران من فوائده.
فهاك الود زاد فيه برهة وجلا، وعاد سرعةً نادمًا خجلًا.
فحق له ما به قد وصفته، بل وإن لم يعد لمثلها لكنت أنصفته.
هذو وهو زائر مجتاز، فما حال من هو لمواقع دهره الظلوم مجاز.
تعرض مجتازا فكان مذكرا بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
فياله من مذكر مصيب، قد حبانا من مآثره بأوفى نصيب.
حيث ذكر الفطنة السليمة، بسوابق عوائدها الكريمة.
فجاءت جريا على العادة، بما استوجب منى الشكر وزيادة.
فعند ذلك تنفست نفس المصدور، وهنالك نشطت كما نشط المخمور.
وامتثلت الطلب، حيث كان عين الأدب.
واستدعيت القريحة الخامدة، واستنطقت الفكرة الجامدة.
فأبدت هذا القول، حيث علمت بأن العذر عندكم مقبول:
أرْغدُ العيش ما وفَاك زمانُهْ وتواخَاك يا أُخَيَّ أمانُهْ
وصفا مَشْرب التأنُس واستدْ عتْك للقصف والهنا إخْوانُهْ
وتدانتْ به الأماني وأزْرت بالثُّريَّا في نَسْقِها نُدمانُهْ
وتداعَى من المحبِّ حنينٌ وتدانَى من الحبيب جَنَانُهْ
فغَدْوا والمُنى لهم أمَمٌ يحْ سنُ كلٌّ شكرًا لمنْ ذا امْتنانُهْ
هكذا العمرُ يُستفاد وحقًّا يُستجاد احْتسابُه وبيانُهْ
با حبا الّله بالأحبَّة مَغْنىً فَيَّأَتْ غصنَ روضِه أفْنانُهْ
هو للقصْف منزلٌ مستطابٌ طال ما ضمَّ شمْلَنا فَيْنانُهْ
جاور السفح فاكْتسى عاطرَ النَّ فح فأضْحى ذاكِيَ الشَّذى رَيْحانُهْ
فرَعَى اللهُ سالفَ العهد منه حيث لي بالسعودِ كان اقْترانُهْ
وأمانينا تبادرنا مُسْتبقا تٍ والعيشُ طَلْقٌ عِنانُهْ
وأماليك تُستفاد وآدا بُك روضٌ يشُوقنا عُنْوانُهْ
حيث كانتْ تَنْدَى أراكةُ حظِّي من نَدى لفظِك الشهىِّ وِزانُهْ
فسقى الّلهُ بالحيا ذلك السَّ فحَ وحيىَّ عهودَه رِضْوانُهْ
وحبانا منها بأحمدِ عَوْدٍ وأرني بك المُنى إحْسانُهْ