الشريف الرضي بنقابته وكفايته، والسامي عليه برعاية التفنن وحفايته.
فهو البحر الذي لا يدرك شاطئه، والرئيس الذي تقبل بشفاه الأجفان مواطئه.
نصب شباك الأفكار فاقتنص ما به كمال نوع الإنسان، ووفر الله له دواعي الحظ فجمع بين عجائب الحسن وغرائب الإحسان.
فاستدارت منطقة المجد حول مركز سيادته، واستنارت كواكب المعالي الزاهرات بأضواء سعادته.
فكانت له الفردوس حضرة، ونعيم خلدها يرف عليه نضرة.
وأناته من رجاح رضوى، وقسماته من البدر أضوا.
[ ١٥٦ ]
وله في علو الهمة محكم الذكر، وفي درك المهمة الفكرة الثابتة والعزمة البكر.
فهناك تتوقى الأيام حذرة، وتأتيه الليالي مما لم تجن معتذرة.
ولو أن هارُوتَ البيانِ يزورُه بلا فتنةٍ للناس علَّمه السحرَا
وفضلاء الوقت لا تفارق جمعه، والأمداح من كل فمٍ تقرظ سمعه.
ومجلسه إما علم ينيله، أو بحث يجيله.
أو شعر يفترعه، أو بكر معنىً يخترعه.
وأخصاؤه من الذين يعرفون القول ويتهافتون عليه، يودون أن مسامعهم وأبصارهم لم تصرف إلا إليه.
ربيع مَعالٍ بالفضائل مُخْصِبٌ لذلك بردُ الآلِ في حَيِّهِ اخْضَرَّا
وفي بَحْر أنْسابٍ إذا غاص غائصٌ فليس بِرَاءٍ مثلَ جوهرِه دُرَّا
وله من شريف الكلام، ما تتشرف به الأقلام.
فمن ذلك قوله في الغزل:
أملٌ ليس ينْقضى في تمَنِّى نظْرةٍ تُسْتعادُ عند الْتِفَاتِكْ
ليس أرْضاك مُسْرفًا في تجنِّي كَ بحالٍ والحسنُ بعضُ صِفاتِكْ
لك في كل مهجةٍ راضَها ال حُبُّ هوىً يُسْتطاب في مَرْضاتِكْ
بقَوامٍ يُمْلي علىَّ إذا ما لَ حديثَ الرِّماحِ في لَفَتاتِكْ
ومُحيًّا يُرِى ضئيلَ نُحولِي لعذُولي والصبح للسِّتر هاتِكْ
وسَنا مَبْسَمٍ إلى الرُّشد يهدى هائما ضلَّ في دُجَى مُرْسَلاتِكْ
يا بديعًا تحكي الرياض سَجايا هُ أقِلْ مُهْجتى شَبا لَحظاتِكْ
أنا مَن لايُحِيله فَرْطُ إعْرا ضِك عن مَذْهب الوَلَا وحَياتِكْ
وعلى مقلتى رقيبٌ من الوجْ دِ أرى في لِقاه بهجةَ ذاتِكْ
حَسْبُ قلبٍ وناظر يتمنَّا كَ بأن لايرَى سوى حسناتِكْ
مُلَح تسلِب النُّهَي ومَزَايَا أيها يُستطاع واللّحْظُ فاتِكْ
ومن مقاطيعه قوله:
بين تثنِّيك واعتدالِكْ مكائدٌ تقطع المَهالِكْ
ودن ألْحاظِك المَواضِي مصائدٌ كم بهنَّ هالكْ
ومن معمياته قوله، ويخرج منه اسم جمال:
وشادِنٍ أسْفَر عن وجهِه فأشْرق الكونُ به واستْنارْ
وقد رَنا نحوي بألْحاظِه وسهُمها فاق فَدار العذارْ
وقوله، ويخرج منه اسم خضر:
سطَا بلَحْظٍ مُثْخِنٍ في الحَشا ظَبْيٌ جيوشُ الحسن أنصارُهْ
وكيف لا يُثخن قلبي سَطا سَفْك دم العشاق مِعْشارُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم مهدي:
أهْواه كالغصنِ لَيِّنًا بَهِجًا تلطَّف في سَلْب مهجتي خُدَعُهْ
مُعنِّفي فيه لا تكن خشِنًا مَن ذا بقلبي مكانه أضَعُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم شعبان:
قد أثَّرتْ شمسُ النهار بوجه مَن أرْبَى عل قمرِ السماءِ إذا اتَّسَقْ
ورقى العِذارُ على صحيفةِ خدِّه لمَّا بدا من تحته ذاك الشَّفَقْ
وقوله، يخرج منه اسم حسن:
دَعِ الجهلَ والْزم ساحة المجدِ واطَّرِحْ عُلُوقًا بأسْباب الزمان المماطِلِ
فهل يُرْتَجَى دهرٌ يُفوهُ بلا فمٍ بخَفْضِ أعاليه ورفْع الأسافلِ
وقوله، ويخرج منه اسم علي:
بِرُوحي أَنيسٌ نرى طَرْفَه مَخائلَ وصلٍ لِسلْبِ النُّهىَ
يُقارب خَطْو تلافٍ نأَى وبالقلبِ يلهو ولا مُنْتهَى
وله فصول قصار، كل فصل منها تقصار.
فمنها: حسن السيرة، خيرٌ من كثرة العشيرة.
كمال الوجاهة، أن يصون المرء عرضه وجاهه.
رونق المقال، أن يطابق مقتضى الحال.
كثرة المرا، تحل وثيق العرى.
صنائع المعروف، تقى مصارف الصروف.
تقارب الخطى، تحفظك من الخطا.
متابعة الهوى، تحيدك عن حد الاستوا.
من رفق في الطلب، علق بالأرب.
من ساهم من دونه، اتهم بالرعونة.
من تخلق بالأناة، تمنطق بمناطق النجاة.
من فوض أمره لمولاه، أمن مما يحذره ويخشاه.
وكان يومًا في روضٍ فينان، اخضرت فيه خمائل وأفنان.
وهو منشرح الصدر، وندماؤه حوله كالنجوم أحاطت بالبدر.
[ ١٥٧ ]
وصرف الدهر عنه مصروف، وطرفه دون تطرف ساحته مطروف.
يترنح في الخطوة يمينا وشمالا، ويقتطف من الحظ أماني وآمالا.
والروض يحييه بمباسم زهره، ويرفع إليه رفع الحمد ببنان قضبه الناشئة عن معصم نهره.
وهو يجلو من أبكاره، وعرائس أفكاره.
ما هو أمتع من بواكير الرياحين، وأوقع في الأسماع من مطربات التلاحين.
فقرئ بحضرته أبياتٌ غنت بها نعم الجارية بين يدي المأمون، وهي:
ولقد أخذْتُم من فؤادِي أُنْسَهُ لا شَلَّ ربي كفَّ ذاك الْآخذِ
وزعمتِ أنِّي ظالمٌ فهجرْتني ورميْتِ في قلبي بسهمٍ نافذِ
ونعَم هجرْتُكِ فاغْفري وتجاوزي هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ
هذا مقامُ فتىً أضَرَّ به الهوى قَرِحِ الجفون بحُسْن وجهك لائذِ
فأنشد مضمنًا لهذا المصراع قوله:
نقَل العَذُول بأنني أفْشَيْتُ ما أخْفَى الحِفاظ من الغرام الواقذِ
هَبْني اقترفْتُ لما افْترى فاغْفرْهُ لي هذا مَقامُ المستجير العائذِ
فلم يبق أحدٌ ممن تضمنه المجلس إلا وبدا وبده، وشدا وشده.
فمنهم ولده السيد عبد الرحمن، قال مرتجلا:
نبَذ العهودَ مُغاضِبي فألمَّ بي في صورةِ الإشْفاق طَيْفُ النّابذِ
فسألْتُه أن لا يفوه بما جرَى فيُحيله عنِّي بقولٍ نافذِ
فمَضى ونَمَّ عليَّ فيما قلتُه فأتى يهدِّدني بسيفٍ شاحذِ
رُحْماك قد صدق الخيالُ وإنما هذا مقام المستجير العائذِ
ثم تلاه تلوه السيد عبد الكريم، فقال:
هَبْ قادني الغرامُ فما الذي ألْجاكَ تعْذِيبي بهَجْرٍ واقذِ
أضَراعتي أم ما افترتْه عَواذِلي عنِّي إليك من الكلام النافذِ
رُحْماك بي لا تَرْعَ غيرَ مودَّتي وحِفاظَ وُدِّي لا تكنْ بالنَّابذِ
فلديْكَ منكَ بكَ اسْتعذْت وإنه هذا مقام المستجير العائذِ
ثم اقتفى أثره شقيقهما السيد إبراهيم، فقال:
نظَرتْ لواحُظه فأقْصدتِ الحشَا منِّى بسهمٍ في الحُشاشِة نافذِ
مافَوَّقتْ إلا وقلتُ لسهمِها هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الفاضل عبد الغني النابلسي، حفظه الله تعالى:
لاحَظْتُ خالًا تحت صفحِة خدِّه مُتواريًا خْلف اللَّهيبِ النافذِ
فسألْتُه ماذا الَمقامُ فقال لي هذا مقام المستجيرِ العائذِ
وقال الفاضل عبد القادر بن عبد الهادي:
وافَى الحبيبُ بغير وعدٍ زائرًا يرْنو بطرفٍ بالمَجامع آخذِ
أرْبَي بُسكْرِ هوىً وسكرِ مُدامةٍ حتى إذا سُدَّتْ عليَّ مَنافذِي
ناديْتهُ حسْبي فدَيْتُك زائرًا هذا مقام المستجير العائذِ
وقال العالم الشيخ عبد الحي العكري:
أنْزلتُ آمالي بوادٍ مُخْصِبٍ وحِمىً مَنِيع نعم كهفُ الَّلائذِ
فلذاك ناداني يَقِينى مُعْلِنًا هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الأديب زين الدين البصروي:
وأغَنَّ فتَّاكِ اللَّواحظِ أدْعجٍ يرْمى بنَبْلٍ في القلوبِ نوافذِ
نادَتْه أفْلاذِي وقد فتكتْ بها هذا مقام المستجير العائذِ
وقال البارع عبد الرحمن البعلي:
ولقد وقْفتُ على الطُّلولِ عشِيَّة التَّ وديع يوم البَيْن وَقْفةَ لائذِ
فاسْتْعَبرتْ عيْنايَ لمَّا بان مَن أوْهَى بفُرقته جميعَ مآخذِي
لام العَذُول وقد رآني وَالِهًا فأجبْتُه خفِّضْ عليك مُنابذِي
لَوْ راعَك البَيْن المُشِتُّ عذَرْتني هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الألمعي إبراهيم بن محمد السفرجلاني:
يا آلَ بَيتِ المصطفى شِعْرِى حَلاَ فيكم وطابتْ بالمديح لَذائذِي
وافيْتُكم أبْغِي حِماكم منشدًا هذا مقام المستجير العائذِ
وقال الكامل محمد الذهبي:
[ ١٥٨ ]
يا مَن إذا جاريْتُه في مَسْلَكٍ ألفيْتُه قد سَدَّ طُرْق مَنافذِي
أهْوِنْ بمُضْناك الذي حيَّرْتَه هذا مقام المستجيرِ العائذِ
ثم طلب من الأمير المنجكي تضمينه، فقال:
بِسوَى حِماكُم لا تَراني مُقْلةٌ يا مَن لهم وُدِّى المؤكد لائذِي
فإذا وقفتُ ببابكم مُتذلِّلًا هذا مقام المستجير العائذِ
واتصل ذلك بالأديب الباهر الطريقة، عبد الرحمن الموصلي، فقال:
عاهدْتُه أن لا يميلَ وقد رأى نَبْذَ العهودِ فدَيْتهُ من نابِذِ
رَدَّ الصباحَ لناظِرَيَّ بهجْرِه ليْلًا وسدَّد بالصُّدود منافذِي
ناديْتُه واليأسُ أمْسى ضاحكًا وأناملُ الآمالِ تحت نواجذِي
رِفْقًا بقلبٍ لا يميلُ لغيركمْ هذا مقام المستجير العائذِ
قلت: والأبيات المتقدمة ذكرها ابن خلكان.
وقال: إن المأمون استعاد الصوت من نعم ثلاث مرات، وكان بحضرة اليزيدي، فقال: يا يزيدي، أيكون شيءٌ أحسن مما نحن فيه؟.
قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل.
فقال: أحسنت، وصدقت.
ووصلني، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرق.