من صفوة آل أبي طالب، وسُراة لؤي بن غالب.
تقتبس من مشكاته أنوار الصلاح، وتطلب من جانب طوره أطوار الفلاح.
طلع من قريته قبل أن يبلغ أشدَّه، وقد ربط نطاق عزمه وشده.
ثم ورد حمى الشَّهباء الأزين، كما ورد موسى ماء مدين.
فوجد أمَّةً من الناس على مائها يسيغيون، كما وجد موسى على ماء مدين أمَّةً من الناس يسقون.
فشرب من زلاهم حتى ارتوى، وحدَّث عنهم بما سمع وروى.
ومن خوارقه أنه خرق بحر القريض في تراجع أمره، وذلك بعد ما تجاوز عدد الميقات من سنى عمره.
والشاعر يقول:
وماذا يبتغي الشعراءُ منِّى وقد جاوزْتُ حدَّ الأربعينَ
فأظهر تلك البيضا في صنعة الشعر، وسحر بالبداهة والمعهود أنه يبطل السحر.
فكان قلمه كعصا سميِّه ثعبان البيان، يتلقف ما تلقيه سحرة البلاغة بين اللسان والبنان.
إذا جاء موسى وألْقَى العصا فقد بطَل السحرُ والساحرُ
ثم حجب بصره وكفَّ، فأصبح لشرفه محمولا على الأكفّ.
وهو في الشعر يوازن شاعر معرَّة النُّعمان، لكنه منزَّه الفطرة عن معرَّة العميان.
فمن غرائبه قصيدةٌ، أرسلها إلى دمشق، لأحمد شاهين، ضمن كتاب ولم يذكر اسمه، وأرسله مع من يجهل حدَّه ورسمه.
والقصيدة مطلعها قوله:
بانُوا فحدِّثْ عن الأحبابِ يا طَلَلُ
ومن جملتها:
أنَّي توجَّهَتِ الأظغانُ أيْن سَرَوْا مَن في الهوادِج مغذا وارَتِ الكِلَلُ
عن يَمْنة الحيِّ أم عن يَسْرِه ظعَنوا أم شَمْألًا أو جَنُوبا سارت الإبلُ
بانُوا وفي العْين منهم منْظرٌ حسَنٌ وفي الفؤاد كلُومٌ ليس تنْدمِلُ
فلما وصل الكتاب إلى الشّاهينيّ، سألأ ناقله عن مرسله، فلم يزده على أنه رجل من أشراف حلب.
فأجابه الشاهينيّ بهذه الأبيات، وأرسلها مع ناقل الكتاب:
ومن عجَبٍ دون العجائب عاجِبِ كتابٌ أتانا ليس يُعْزَى لكاتبِ
كتابٌ كريمٌ حيث أُلْقَىِ بيْننا طربْنا وقلنا من أجلِّ مُكاتِبِ
وأذْكَرنا لما أتانا مُنكَّرًا سليمانَ إذ لم نَحْظ منه بصاحبِ
وقلنا كريمٌ من كريمٍ وإنني لعِرفانِ مُنْشِيه لأطْلَبُ طالبِ
على أنه قبلًا سليمانُ لم يكنْ ليكتُب إلا واسْمُه غيرُ غائبِ
فراجعه بقصيدة طويلة، قال في آخرها:
إن ابن شاهينَ لا تُنْسى صَنِيعتُه لو أنها نصفُ بيتٍ خُطَّ بالشعرِ
أنا الكليمُ عَصاتِي غيرُ خافيةٍ إن شِمْتها انْبَجستْ عينٌ من الحجَرِ
عينٌ من المجد ترْمى جوانبها نَبْلَ القصيد فترمى الأُسْدَ بالذَّعَرِ
[ ٢٧٧ ]
ونِسْبتي في قُصَيٍّ نِسْبةٌ وسَطٌ أعني بها نِسْبة المبعوثِ من مُضَرِ
ولستُ ذاكرًا اسمًا في مُراسلةٍ يُهْدَى بها النَّزْرُ من تَمْرٍ إلى هَجَرِ
هَضْمًا لنفسِيَ عن قول الفقير كذا وهكذا في فُصول الآيِ والسُّوَرِ
وصل كتابك فملأ العيون ضياء ونورًا، والقلب فرحة وسرورًا.
لكن شممت من اختصار نظمه إشارةً خفيَّة، وتوسمَّت في أفانين نثره عبارةً جليّة وتأولت الإشارة: الحرُّ بالقليل يقنع، وتأملت العبارة بما فيه كفاية ومقنع.
مترجِّيًا وصل حبال الودّ، متمنِّيًا قطع أمراس الصَّدّ.
على أنا أهل بيت لا نؤثر على الحب مذهبا، ولا نرغب عن قنطار منه بقنطار ذهبا.
وإن تواضع لنا الرفيع فبفضله، أو ترفع علينا الوضيع فعلى مهله.
وإن رأى المولى إتحاف العبد بما يملأ الفم عذرا، ويحدث لعلي محله ثناءً وذكرا.
ويقطع لسان الملام، فذلك إليه والسلام.
فراجعه بقصيدة أولها.
ما روضةٌ دبَّجَتْها السُّحْبُ في السَّحَرِ فدبَّجتْها يدُ الأنْواءِ بالزَّهَرِ
ويستجاد منها قوله:
وقد عرفتُ اليدَ البيضا له كرمًا أما العصى فهْي للعاصِي بلا نكُرِ
أفْدِي الكليمَ الذي قد قال مُنبسِطا هذه عصايَ ولم يضرِب سوى الحجَرِ
إن الكليمَ حديدٌ في جَلالتِه لا سِيمَّا نَبْلُ رامي الأُسْد بالذَّعَرِ
والمُنْتَمِي المعتليِ في أوجِ نِسْبته لمُودِع الحِلْمِ حدَّ الصارمِ الذَّكَرِ
يسمُو بجّدَّيْن جَدٌّ قد أناف به على الحُظوظ وَجدٌّ سيدُ البشرِ
وُجوهُنا ونَواصِينا وأعيُننا مبذولةٌ لِتُراب المصطفى العطِرِ
ثم الوَصِىِّ ونَجْلَيْه معًا وهما ريْحانتاه ومن يُنْمَي لذاك حَرِى
منها:
مِن واصلٍ جاءنا حُرُّ القَريض وما من هاجرٍ جاءنا تمْرٌ إلى هَجَرِ
وجاءنا الدُّرُّ محمولا على صَدَفٍ وجاءنا العطْرُ يُذْكِى نَفْحَة الزَّهَرِ
وزارنا الغيثُ وَكَّافا على جَدَدٍ وجاءنا البحرُ فيَّاضًا على النَّهَرِ
من كل قَافيةٍ غنَّاءَ مُطْرِبَةٍ والشُّهْدُ فيما أتاني شِيبَ بالبَصَرِ
فرُحْتُ من راحِها المخْتوم مُنتشِيًا لكن سكِرت بها في وَصْمِة العَكَرِ
وشعرُك الكاسُ قد سَرَّتْ أوائلُه لكن أواخرُه لم تخْلُ من كَدَرِ
لا بل هو الشُّهْدُ لا يصْفُو لعاسِله وليس يخْلُو مُجاجُ النحلِ من إبَرِ
لا بل هو الجيشُ سرَّتْني طلائعهُ وساءني بطْشُه بالبيضِ والسُّمُرِ
غادَرْنَ في منزلي أشياءَ من جَدَلٍ مُوسَّدٍ بين خَدْشِ النَّابِ والظُّفُرِ
هذا وهذا وما في القلب غيرُ هوًى قد حلَّ مني محلَّ النُّور من نَظَرِي
لكنَّ للشِّعر أطوارًا يلُوح بها ولحديث شُجونٌ ليس كالغِير
مالي وللشِّعر والسِّتُّون قد أخذَتْ منِّي مآخذَها من سَطْوة الكِبَرِ
ولما وردت هذه القصيدة، خاطبه السيد أحمد بن النقيب، بقوله:
سَقَيْتَ زُلالَ الشِّعر هِيمًا من الظمَا بجِلِّق حتى عن مواردِه كَلُّوا
فجازُوك أن زَفُّوا إليك عقِيلةً كذلك قد جُوزِى سَمِيُّك من قبلُ
وكتب إليه السيد المذكور أيضًا جواب أبيات:
لموسى يدٌ بيضاءُ في الشِّعر مالَها إذا ذُكِرتْ في مَحْفَلِ القومِ منكِرُ
وكنتُ أراه يُبْطِل السحرَ ماله بأشْعاره يَسْبِى العقولَ ويسحَرُ
تشوَّقْتُه إذْ غاب عنِّيَ بُرْهةً وأوْحشني بالهجرِ والهجرُ يعسُرُ
فآنَسَنِي منه بعَذْراءَ طَفْلةٍ شبِيهة بدرِ التِّمّ بل هي أنْوَرُ
فكنتُ كأني حين زارتْ سمِيُّهُ وبنْتُ شعيبٍ إذ أتَتْ تتبخْتَرُ
[ ٢٧٨ ]
ولو أنني أمْهَرْتُها العمرَ كلَّه فما أنا في التَّحقيق إلا مُقصِّرُ
وكتب إليه أيضًا، يطلب مراجعته، بقوله:
قسمًا بمن جعل الفضا ئلَ والمعالي حَشْوَ بُرْدِكْ
وحَباك منه قريحةً كعصا سَمِيِّك في أشُدِّكْ
أبطلْتَ سحرَ بني القَرِي ضِ بها فكنتَ نسيجَ وَحْدِكْ
وتلقَّفتْ ما يصنعو نَ فآمنوا رَغْمًا بمجدِكْ
إن القوافي قد ملكْ ت زِمامَها بعُلُوِّ جَدِّكْ
واخترتَ كلَّ فريدةٍ منها تضيءُ بسِمْطِ عِقْدِكْ
وبلغْتَ منه ما ترُو مُ فلم يصلْ أحدٌ لِحَدِّكْ
فَلأنتَ في شَهْبائنا مَلِكَ القريضِ برَغْم ضِدِّكْ
فاسلمْ ولا رُميتْ بنو الْ آدابِ في حلَبٍ بفَقْدِكْ
فراجعه بقصيدة طويلة، منها قوله:
فوق الشِّدادِ تشرَّعتْ يا ابنَ النَّقيبِ قِبابُ مَجدِكْ
وأطاعك الشرفُ الرَّفي عُ فأنت فيه نسيجُ وَحْدِكْ
أتْعبتَ جَدَّ بني القَرِي ضِ فقصَّرُوا عن نَيْل جَدِّكْ
وغدوْتَ تَرْفُل في العلى تِيهًا وتُرغِم أنْفَ ضِدِّكْ
وحكى السيد يحيى الصادقي، أن السيد موسى انتحل شيئًا من شعره، فكتب إليه يداعبه:
أقسمتُ بالسحرِ الحلا لِ وحُرمةِ الأدب الخطيرِ
ومصارعِ العشَّاقِ في لَحَظاتِ ذا الظَّبْيِ الغَرِيرِ
ومجالسِ الأُنْس التي عُقِدتْ على عَقْدِ السرورِ
إن كان موسى ذُو الأيا دِي البِيض والأدب الغزيرِ
لم يُرجِع المغْصوب من شِعرِي وما أبْدَى ضميرِي
لَأُذيقُه مُرَّ العتا بِ لدى الكبيرِ مع الصغيرِ
بل والخِصامَ لدَى الهُما مِ رئيسِنا صدرِ الصُّدورِ
وأصُوغ من دُرِّ القوا في عِقْدَ لَوْمٍ مستنيرِ
يُنْسِي أُولى الألبابِ ما فعل الفَرزْدق مَعْ جريرِ
فأجابه بقصيدة طويلة، منها:
مالي وللقَنْصِ الصَّري حِ وهِمَّتي صقرُ الصُّقورِ
وعصايَ طوعُ يدي تلقَّ فُ كلَّ سحرٍ مُستطِير
إن أُلْقِها انْبجسَتْ عُيو نُ المجدِ من صُمِّ الصخورِ
وبها على الدُّرِّ الثمي نِ أغوصُ في لُجَج البحورِ
وليَ اليدُ البيْضاء بيْ نَ الجَمْع والجَمِّ الغَفِيرِ
أستغفرُ الرحمن من دَعْوَى تُدنِّس بالفُجورِ
هذى قوافِي الشِّعر حا ضرةٌ لدى المولى الكبيرِ
نَجْلِ الحُسام المستبدِّ برأْيه الليثِ الهَصُورِ
مَن شُرِّفت حلبٌ به وعلَتْ على هامِ النُّسُورِ
إن كان ما زَعمُوه حقًّا فهْو أدْرَى بالأُمورِ
وله من قصيدة:
وفوْقنا الأغصانُ مَعْكوفةً تحنُو علينا من جفاءِ الهَجِيرْ
كأنها الغِيدُ تعطَّفْنَ من بعد زمانٍ هَجرُه كالسعيرْ
أو خَيْمةٌ خضراءُ من سُنْدُسٍ مَحْبوكةُ الأطرافِ حَبْكَ الحريرْ
والروضُ قد هتَّك من حُسْنِه سَرائرًا أخفيْتُها في الضميرْ
مذ غنَّتِ الوُرْقُ على مُلْدِه أغْنَتْ عن النَّايِ الرَّخِيم المُثيرْ
يا عَنْدَلِيْبَ الروضِ مهلًا فقد هيَّجْتَ أشجانَ المُعَنَّى الأسِيْر
تشْدُو وصوتُ النَّجْمِ يستوقف الْ أملاكَ والأفلاكُ فيها المُدِيرْ
والشمسُ من غُرَّتِه أشرقتْ والبدرُ من ذاك المُحَيَّا المُنِيرْ
ومن مقاطيعه قوله:
أشدُّ من الموت الزُّؤامِ مَرارةً وأصعبُ من قَيْد الهوانِ وحَبْسِهِ
[ ٢٧٩ ]
مُعاشرةُ الإنسانِ مَن لا يُطيعه وحَشْرُ الفتى مَعْ غيرِ أبناء جنسِهِ
ومن لطائفه: أنه ذكر بحضرته فتى إذا جرى في وصف الحسان تصريح، فإنما هو لحسنه البديع تلميح.
تعيذه من خجلات الغرام، لما ترمقه عيون الملام.
فشغف به على السماع، وأوقف على حبه الأطماع.
ومازال به هائمًا، وفي بحار عشقه عائما.
تأخذه حيرة التذكر، وتملكه لهفة التفكر.
فأنشده يومًا بعض الأدباء أبيات أبي العز الضرير، وقصد لومه في حب ذاك الظبي الغرير.
وهي:
قالوا عشِقتَ وأنت أعْمَى ظَبْيًا كحِيلَ الطَّرْفِ ألْمَى
وحُلاهُ ما عاينْتَها فنقُول قد شغَلتْك وَهْماَ
من أين أرْسَل للفؤا دِ وأنت لم تنظُرْه سَهْمَا
وخيالُهُ بك في المنا مِ فما أطافَ وما ألَمَّا
فأتم جوابها من حفظه:
فأجبتُ إنِّي موُسَوِيُّ العِشقِ إنْصاتًا وفهماَ
أهْوَى بجارحةِ السَّما عِ ولا أرى ذاتَ المُسَمَّى