وهي كما علمت من عهد أن دخلتها العرب، موطن كل أدب، لك فيه الأرب. وقد أنجبت في كل وقتٍ وأوان، بقادةٍ كل كلمةٍ منهم بديوان. حتى أرانا الله بقاياهم، وأطلعنا على خبايا زواياهم.
فهم أئمة الفضل المتوجون بتيجان اللطافة والملاحة، وهم مطمح أنظار الأمل، فما غيرهم قيد العيون اللماحة.
بهم تفضل أهل البلاد، وتصعد إلى أفق الثريا، وبهم يمس بستان الفكر بعد ظمائه ريًّا.
[ ٤ ]
فلا غرو أن قام بهم شعار الأدب وثبت، وغرس في قلوبهم شجر المحبة فسقي ذلك الغرس بمائها فنبت. وكللت حياض طروسهم الزاهية بجواهر كلامهم وكمالهم، وزينت بعقيان الدر من منطقهم المترجم عن حقائق أحوالهم وأقوالهم.
فمنهم: أبو بكر بن منصور العمري قدمت هذا الشيخ رعايةً لاسمه، مع أني أعلم أن له القيام على حد الأدب ورسمه. فهو الذي خاض في لججه أتم الخوض، وتفنن في أقسامه تفنن الأزهار في سرحة الروض.
إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميادة. وإن انتدب لوصف الحميا والكاس، أنسى ذكر خمريات أبي نواس. وإن رثى عم مراثي أبي تمام، وأملى نياحة الفرخ على الحمام.
فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس، واصلح إذ جد وهزل من ابن حجاج وابن عبد القدوس. له فكرة في النظم صافية، ما عوقت له قط قافية. فإذا أملى من نظمه قطعةً واختالها من روض الجنان مقتطعة، لم ينته له إسراع، ولم يجف له في يده براع.
وليس بتزويق اللسان وصوغه ولكنه ما خالط اللحم والدما
وقد حلب الدهر أشطره، وملأ كتاب عمره أسطره. وحادث أحداثه، وبذ كهوله وأحداثه.
وأخبرني والدي، قال: رأيته ولحيته أنقى من الفضة، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضة. ومع أن السنين لاكت قواه، لم يزل مع الركب اليمانين هواه.
ومضى زمنٌ وأدباء الشام به يحتفلون، ويحكم بينهم فيما هم مختلفون. وبلغني أنه كان يحضر السوق، وهو من كسب يمينه على جانبٍ من الوثوق عاملًا بالأثر: " لو كنت تاجرًا لاتجرت بالطيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه ".
فانظر إلى ما ساقه كساد سوقه، وضيعة حقوقه. على أن له في سوقه الفضلاء أسوة، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة.
هاتان الفقرتان للباخرزي، احتجتهما، ففي هذا المحل أدرجتهما.
قال: وهم؛ نصر بن أحمد الخبزرزي، وأبو الفرج الوأواء الدمشقي، والسري الرفاء الموصلي.
قلت: وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة، كان من تقدمهم من الأدباء عندهم سوقة.
أما نصر، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته.
وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحًا وغاديًا، ويتغنى عليها مناديًا.
وأما السري، فقد كان يطرز الخلق، ويرفأ الخرق ويصف تلك العبرة، ويزعم أنه يسترزق الإبرة.
وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة، والصنعة لا تنجو من صرعة، والبضاعة لا تسلم من إضاعة، والمتاع ليس لأهله به استمتاع.
وأخبرت أنه كان سموحًا بما ملك، متخليًا عن الإمساك أيةً سلك. يضم يديه على النقدين، فلا يمسي إلا وهو منها صفر اليدين. وقضى عمره في بلهنيةٍ هنيةٍ، أغصان عيشها ما زالت جنية. لم يغادره بؤس، ولم يكدره يومٌ عبوس. بين رياضٍ مهزات نبتها ريانة، وغياضٍ أساجيع أطيارها مرنانة.
وقد وقفت من أشعاره الغضة التحف، ما به ديباجة كتاب اللطائف والبدائع تحف. فأوردت منه ما يهز له الشيخ عطف غلام، ولا يدرى أسحرٌ هو أم كلام.
فمنه قوله:
لو تم لي في الحب سعدي يا حب ما أخلفت وعدي
لكن مقادير القضا ء كأنها حكمت ببعدي
أو حظُّ كلِّ متيمٍ من حظه يرمَى بطرد
يا غائبًا في القلب من نيران فقدك أيَّ وقدِ
ما كنت أدري قبل بع دك أن سهم جفاك يُردي
صدِيَت لرؤيتك العيو ن علام ترميها بصدِّ
يا سيدي إن كان لي ذنبٌ فقل أخطأت عبدي
ما خنت عهدك في المحب ة كيف حتى خنت عهدي
كلا ولا أفشيت سرَّ هواك والأسرار عندي
ولهي بحبِّك لم يزل ولهي ووجدي فيك وجدي
أرضى بأن أفنَى وتب قى أنت يا مولاي بعدي
أخفيت حبك في الفؤا د فخطه دمعي بخدِّي
وعدا على جسمي النحو لُ فعاد للأسقام يُعدي
محن الهوى جمعت عليَّ فلست أحصيها بِعَدِّ
فالسُّقم يشهد والدمو ع بوحدتي في العشق وحدي
يا بدر سل عني السُّها إن السُّها أدرى بسهدي
[ ٥ ]
وابعث رسول الطيف يس مع ما أعيد له وأبدي
آهًا على زمنٍ مضى لو كان قولي آه يجدي
أيام وصلٍ منك لم تقطع ولم توصل بردِّ
والشمل يجمعنا على حبٍّ يودُّ بصدق ودِّ
وأضمُّ منك معاطفًا بردت جوى وجدي ببردِ
وتميل إذ تهوي إلى نحوي وجيدك فوق زندي
وتقول عجبًا هل يرى مثلي وأهل الحسن جندي
والشمس والبدر المني ر سناه جاريتي وعبدي
والغصن يقصف قدُّه إن قاس قامته بقدِّي
ومنحتني منك الوصا ل تبرعًا وهجرت صدي
فجعلت وجهك حضرتي وحديث راح لماكَ وردي
وعلمت لما بان رو ضُ الوجه أن الخدِّ وردي
وشهدت لما ذقت طع م الريق أن الثغر شهدي
والفرق يشرق صبحه في ليل فرعٍ منه جعد
فأطعت فيك صبابتي وعصيت لوَّامي وزهدي
وقضيت أوطاري وقد غفل الرقيب فنلت قصدي
والخصر أتهمني بأني بتُّ في أكناف نجدِ
والردف زاد وقد تكف ل منةً منه برفدي
أحبب بتلك لياليًا قد أشرقت ببدور سعدي
فسقا معاهد للصبا صوب العهاد بكلِّ عهدِ
وسرت بها روح الصَّبا سحرًا فأوحيت ميت بعدي
وقوله من قصيدة مستهلها:
إن خلعنا على العذار العذارا لم يكن ذاك في المحبة عارا
منها:
بأبي من جآذر التُّرك ظبيًا ترك الأُسدَ في هواه أُسارى
بابليُّ اللِّحاظ منها ترى النَّا س سكارى وما هم بسكارى
قمرٌ فوق بانةٍ يتجلى لا خسوفًا يخشى ولا إهصارا
تخذ الطَّرف منهلًا عند مس راه ولكن تبوأ القلب دارا
قد علمنا أن القدود غصونٌ فلماذا أقلت الأقمارا
وعهدنا البدور في الليل تسري كيف حتَّى غدت تسير نهارا
وعجبنا لوجنةٍ تشبه النا ر ضرامًا وتنبت الجلَّنارا
يا لها وجنةٌ حكت جنة الحس ن ومنها الفؤاد آنس نارا
ومنها:
قدِّم الرَّاح يا نديمي لعلِّي أعقر الهم إن شربت العقارا
وأجِل كاساتها عليَّ وزمزم باسم من صير العقول حيارى
قهوةٌ مثل دمعة العين في الكا س صفاءً فالليل زاد اعتكارا
وأدرها إذا النجوم تجلت وشهدنا من زهرها الأنوارا
وكأنَّ السماء روضة حسنٍ أطلعت في مقامنا أزهارا
والثُّريا كأنها في الدُّجى غي دٌ تلَّفعن بالشُّعور عذارا
وكأن الهلال يحكي وقد لا ح من الغرب زورقًا أو سوارا
فاسقني من يديك حتَّى ترى الفج ر عن الصُّبح قد أماط الإزارا
وصل الليل بالنهار فإن ال عيش أهناه ما يكون جهارا
في رياضٍ حكى بها الزَّهر والور د النَّضيران فضَّةً ونُضارا
وكأن الأقاح فيها ثغورٌ عن غوالي الجُمان تبدي افترارا
وحكى النَّهر مَعصمًا وسوارًا يتلوَّى وأرقمًا سيَّارا
فاترع الكأس لا عدمتك صرفًا فعلى الصِّرف نصرف الأعمارا
ثم زد ما استطعت حتى تراني قد خلعت الوقار والبيقارا
واعتقد أنها حرامٌ ووزرٌ لا توافق يهودها والنَّصارى
واسأل العفو فالكريم رحيمٌ قابل التوب يغفر الأوزارا
وله في الغزل:
سيِّدي مذ غبت عن نظري لم أفق من خمرة الكدر
[ ٦ ]
أحسب الصُّبح العشا أبدًا فنهاري أوَّل السَّحر
لم تمل روحي إلى وطنٍ لا ولا قلبي إلى وَطَرِ
سل نجوم الأفق عن قلقي فعسى تنبيك بالخبر
لا وعينٍ فيك راقدةٍ لم تذق عيني سوى السَّهرِ
أيُّها البدر الذي حجبوا نوره الوضَّاحَ عن بصري
لو ترى حالي بكيت على قلبي المسجون في سقَرِ
كدت أخفى من ضنَى جسدي عن عيون الجنِّ والبشر
للشعراء في وصف نحول العشاق مبالغات غالبها محمولٌ على الإغراق، ومن أبلغها قول أبي بكر الخالدي:
مهدَّدٌ خانه التفريق في أمله أضناه سيِّده ظلمًا بمرتحله
فرقَّ حتى لو أنَّ الدَّهر قاد له حينًا لما أبصرته مقلتا أجله
وأعجب منه قول أبي الطيب:
ولو قلمٌ ألقيت في شقِّ رأسه من السُّقم ما غيَّرت من خطِّ كاتب
وغريب قول التمار الواسطي:
قد كان لي فيما مضى خاتمٌّ واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجَّ بي في مقلة النَّائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعده أتلفته إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتَّشت عليه كفَّك في الفرش لم تجده
وقول أبي الفضل بن العميد:
لو أنَّ ما أبقيت من جسدي قذًّى في العين لم يمنع من الإغفاء
وللعمري:
يا من يفوِّق لحظه سهمًا بسحر الهدب راشَهْ
أفديك ما ريمُ الصَّري مِ فذاك ينسب للوحاشَهْ
يرعى من الأرض الحشي ش وأنت مرعاك الحشاشَهْ
أجاد في التنظير، وأربى على قول الآخر:
يرعى القلوب وترتعي ال غزلان بروقه وشيحه
والبروقة: شجيرة تخضر إذا رأت السحاب؛ وذلك قولهم: " أشكر من بروقة ".
وعلى هذا المعنى حمل قول أبي الطيب:
أغِذاءُ ذا الرَّشاءِ الأغنِّ الشِّيحُ
بعد قوله:
جللًا كما بي فَليكُ التَّبريحُ
يقول: ليكن تبريح الهوى عظيمًا مثل ما حل بي، أتظنون أن من فعل بي يغتذي الشِّيحَ؛ ما غذاؤه إلا قلوب العشاق! وبه يتناسب شطرا البيت.
وله غلام بحنكه طابعٌ تمَّت به محاسنه، وكأنما هاروت ساكنه:
غصن بانٍ بدر دجًى يتجلَّى من أعالي فلكه
قد حمى برد اللَّمى من ثغره طابع الحسن الذي في حنكه
نصبت ألحاظه لي شركًا جلَّ من أوقعني في شركه
قوله: قد حمى إلخ يحتمل أن حمايته من جهة أنه كالخاتم، ختم به على برد اللَّمى، ويحتمل أن يكون حماه لكونه كالحفرة في طريق من يريد رشف لماه، فيخاف من الوقوع؛ وهذا تخيُّلٌ حسن.
وأحسن منه قولي:
وطابعه جبٌّ يُرَى ألف يوسفٍ به واقعًا من قبل رشفة ريقه
والطابع كالخاتم: في الأصل ما يطبع به، ولم أر إطلاقه على النقرة المعهودة، وإنما اسمها في اللغة: نونَة.
قال ابن الأثير في نهايته: وفي حديث عثمان ﵁، أنه رأى صبيًَّا مليحًا، فقال: دسموا نونته؛ كي لا تصيبه العين. أي سودوها، وهي النقرة التي تكون في الذقن.
وقد استعمل صاحبنا الأديب البارع إبراهيم بن محمد السفرجلاني النُّونة، وأجاد في تشبيهها جدًا، من أبيات أنشدنيها من لفظه، وبيت النُّونة منها قوله:
وإن أشبه التُّفَّاح خدِّيَ حمرةً فلي نونةٌ تحكي مناط عروقه
والأبيات هي هذه:
بروحي ساقٍ قد جلا تحت فرعه جبينًا كبدر التِّمِّ عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأسًا من الهوى فأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بِكرَ المعاني تغزُّلًا فلي منظرٌ يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الرَّوض إذ باكر الحيا جَنيَّ أقاحيه وغضَّ شقيقه
وإن أشبه التفاحإلخ.
ثم أنشدني المذكور معنًّى اخترعه في تسويدها، وذلك قوله:
خافوا من العين ترميه بنظرتها فقلت ميلوا إلى تسويد نونته
[ ٧ ]
قالوا نسوِّدها بالطِّيب قلت لهم الطِّيب من غيره أحرى بجونته
وكنت أظن أن وصف الطابع ليس بالموجود في شعر المتقدمين، حتى رأيته في شعر فخر الدولة أبي المعالي، من شعراء الخريدة، حيث قال في غلام اسمه يوسف:
أيا قمرًا جار في حسنه على عاشقيه ولم ينصفِ
سمعنا بيوسف في جبِّه ولم نسمع الجبَّ في يوسفِ
ثم رأيت الخفاجي ذكر في كتابه شفاء الغليل: جبُّ يوسف مولَّد، معناه نقرة الذقن. وأنشد البيتين.
ثم قال: ويقال له خاتم الحسن.
وأما النقرة التي تكون في الخدين عند التبسم، فقد استعملها كشاجم في أبياته المشهورة، وهي:
هذا الذي سجد القضيب لقدِّه صنمٌ لعابد فتنةٍ لاهوت
في ناظريه إذا تبسَّم ضاحكًا سحرٌ وجوهر خدِّه ياقوت
حفر التبسُّم فيهما جُبَّين في ذيَّاك هاروتٌّ وذا ماروت
وأما اسمها فقد رأيت المقري ذكر في تاريخه ناقلًا عن ابن عليم، أنه قال في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبة: أغربت جاريةٌ لمجاهد العامري، أهداها إلى عباد - قلت: وهي العبادية، وكانت كاتبةً شاعرة - على علماء إشبيلية، بالنُّقرة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث، وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في الذقن فهي النونة، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منهما واحدة.
وللعمري في دخان التبغ:
مذ أحرقت نار الصَّبابة مهجتي وأتى العذول يسلُّ عضب لسانه
بادرت بالغليون تمويهًا له وسترت عنه دخانها بدخانه
ومثله للحرفوشي:
لعمرك لم أهو الدُّخان ولم أمل إليه لألقى نشأةً وتطرُّبا
ولكنني أخفي به عن مجالسي دخان فؤادٍ بالغرام تلهَّبا
وقريبٌ منه قول الفتح بن النحاس:
وأرى التَّولُّع بالدُّخان وشربه عونًا لكامن لوعة الأحشاء
فأديم ذلك خوف إظهار العدى فأشيبه بتنفُّس الصعداء
وله في تشبيه الثلج:
انظر إلى الروض الأريض وحسنه وموائس الأغصان مثل الخرَّدِ
والثلج فوق الصُّفر من أوراقه شبَّهته تشبيه غير مفنَّدِ
ببرادةٍ من فضَّةٍ مبثوثةٍ فوق الصَّحائف من نضار العسجدِ
ولي في هذا المعنى من مقصورة:
والثَّلج كالقطن أجاد ندفه قوس السَّحاب فوق حلَّة الرُّبى
كأنَّه برادة الأفلاك من كثرة دورها بقبَّة السَّما
وله في وصف جواد:
ربَّ طرفٍ من العتاق كريمٍ يسبق البرق حالة الإيماض
لو جرى والجنوب في الجوِّ تسري علَّم الرِّيح كيف قطع الأراضي
أو سرى مع دعاء آصَفَ بالعر ش لكان البشير بالأغراض
وله مثله:
طرفٌّ يفوت الطَّرف في لمحاته سبقًا ويهزأ بالظَّليم النَّافر
بالبرق يظفر إن أراد لحاقه والبرق ليس إذا أراد بظافر
وكأنه آلى ولم يك حانثًا أن لا يمسَّ الأرض منه بحافر
وهذا من قول خلف الأحمر في صفة جواد:
وكأنما جهدت قوائمه أن لا تمسَّ الأرض أربعة
وزاد عليه شمس الدولة بن عبدان في قوله:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثَّرى فكأنَّه في جريه ومتعلِّق
وهذا الباب مما بالغت فيه الشعراء كل المبالغة، فمن ذلك قول ابن نباتة السعدي:
لا تعلق الألحاظ من أعطافه إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول ابن حمديس الصقلي:
يجري فلمع البرق في آثاره من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعةً من ظلِّه لو كان يرغب في فراق رفيق
وقد جمع ابن حجاج في مرثية فرس له فأوعى، ودعا فرسان البلاغة فأجابته طوعًا، حيث قال:
قال له البرق وقالت له الرِّ يح جميعًا وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لا إن شئت أضحكتكما منكما
[ ٨ ]
هذا ارتداد الطَّرف قد فتُّه إلى المدى سبقًا فمن أنتما
وقلت على أسلوبهم في المقصورة:
وفدفدٍ طويته بضامرٍ يسابق البرق ويسبق القضا
يقبض رامي سهمه عنانه خشية أن يصيبه من القفا
وأجرى جواد كان للعرب أعوج، الذي يضرب به المثل، وهو فحل كريم، كان لبني هلال بن عامر، وأنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟ فقال: ضللت في باديةٍ وأنا راكبه، فرأيت سربًا من القطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة.
وهذا أغرب شيءٍ يكون؛ فإن القطا شديدة الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير الماء. وأغرب من ذلك قوله: كنت أغض من لجامه، ولولا ذلك كان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة.
وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيرًا، وقد جاءتهم غارة فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له: أعوج.
وللعمري، ويخرج منه اسم نعمان:
لله ما عاينت من روضةٍ غنَّاء قد قرَّت بها عيني
حوتان لم يختلفا صورةً حفَّا بماءٍ سال من عيني
وله في اسم كريم:
أهواه حلو الدلال ألمى قد لذَّ في عشقه العناء
ريقته للرحيق تعزى وكم بها للظما دواء
وله في اسم ولي الدين:
ليالٍ بُعَيْد التنائي دنت ولانت ولي عزَّ إصلاحها
وعين العدى سكِّرت بالعمى وعزَّ ضياها ومفتاحها
ونقل له عن باقي، شاعر الروم، ومميزها بين السادة القروم. أنه نظم أبياتًا تغزل فيها بصبي صبيح، كما هو تهوى الأنفس مليٌّ مليح. فلما وعاها الغلام استبدعها، واستحفظها خزانة لبه واستودعها. وبلغ باقي، أنه قال: قبلتها، ولو ظفرت برجل قائلها قبلتها.
فقال باقي: إن كان نوى جميلًا لأجلي، فليقبل فمي لأنني به نظمتها، لا برجلي.
فنظم العمري هذه المقالة في قوله:
قال لمَّا وصفته ببديع ال حسن ظبيٌ يجلُّ عن وصف مثلي
مكِّن العبد أن يقبِّل رِجلًا لك كَيْما يجيز فضلًا بفضل
قلت أنصف فدتك روحي فإني بفمي قد نظمته لا برِجلي
ومن هذا قول بعضهم:
شافه كفِّي رَشَأٌ بقبلةٍ ما شفت
فقلت إذ قبَّلها يا ليت كفِّي شفتي
وللشاب مظريف:
ومقبِّلٍ كفِّي وددت بأنه أومى إلى شفتيَّ بالتَّقبيل
ولأبي منصور عبد العزيز بن طلحة بن لؤلؤ:
سألته قبلةً فبادر بالتَّق بيل مستبشرًا إلى قدمي
فقلت مولاي لو أردت بها سرور قلبي جعلتها بفمي
فقال كلا للعبد منزلةٌ لزومها من حراسة النِّعم
إبراهيم بن محمد الأكرمي الصالحي شاعر الزمان، وشمامة الندمان. ومن إليه يصبو القلب ويحن، وبتذكره ينثني غصن البراعة ويرجحن. ففي أوصافه مشمٌّ للروح عبق، ولطف يروق به كأسه المصطبح والمغتبق. فروض وده غضٌّ، وعرضه الطاهر لا ينال منه ولا يغض.
ومدامة طبعه لم يهنها عصار، وشفوف فكره لم يحتمل منة قصار. مع ماله من أخلاقٍ أقطعها الروض أنفاسه، وشيمٍ ينافس فيها رغبةً ونفاسة.
وأدبٍ دار به رحيق البيان المعتق، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتق. ينشر منه ما هو أزكى من النشر في خلال النواسم، بل أحلى من الريق يترقرق من خلال المباسم.
ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا. بين روض من خلقه خلق، ونسيم عرفه بشمائله علق.
جلاليب نشوته صفاق، وأردية شموله وصباه رقاق. لا ينتعش إلا بغرة رقراق الشباب الغرير، ولا يولع إلا بطرة الظل فوق وجه الغدير.
فهنالك بين الغصن والصبا، والقطر وزهر الربى. ولَّد آدابه التي هي عبارة عنها، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها.
وقد جمع شعره في ديوان سماه مقام إبراهيم، في الشعر النظيم. أكثره روضيات يغض عنها وشي الخميلة، وغزليات يتستر عندها نقش الغانية الجميلة. وخمريات صيغت مدامًا فهي للمسامع مشروبة، وحكميات أبياتها أمثالٌ في الدنيا مضروبة.
[ ٩ ]
وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه، حتى كأن الحبيب يتنفسه. ويعبق روحه، حتى كأن فوح الزهر فوحه.
قال في ديباجته: هذه نبذة من شعرٍ سمح به الخاطر على جموده، وتوقد به الفكر على خموده. وإن كنت في زمنٍ العاقل فيه خليقٌ بالصَّمت وإن أداه إلى المقت.
ذهب جلُّ الناس، وأين الزِّعنفة من الرأس.
لا يجاز فيه شاعرٌ، ولا يكرم أديبٌ ماهر.
غير أن حبَّ الأدب في الطِّباع، وهو داعٍ إلى الاتِّباع.
اتِّباعهم في التراكيب والبِنا، لا في الإجادة لعدم الغنا.
ذهبت الإفادةُ، فكيف بالإجادة.
ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور، وذنبه فيما أتاه مغفور.
إذ أُرتِج باب البواعث والَّدواعي، بانقراض أهل الكرم والمساعي.
جوائز الأُمرا، إجادة الشُّعرا.
ولذلك قلت بغير امْتِرا:
قالوا أجاد البحتريُّ كما أجاد أبو نواس
فأجبت كانوا في أنا سٍ هم ولسنا في أُناسِ
وإذا نظرت فما أجا د سوى المواهب في القياس
ومما جردته من ديوانه قوله من مقصورة مطلعها:
حيِّي الحيا معهدنا باللِّوى حيث هوى النَّفس وغيُّ الصِّبا
وجاده كلُّ هَطولٍ سرت تحدو به في الأفق ريح الصِّبا
ليلته حتى بدا صبحها فأقلعت ديمته فانجلى
وقد أشاع الخصب في أرضه فأصبحت تزهو بزهر الرُّبى
ومدَّ فيها حبرًا وُشِّيت بالنَّبتِ قد كلِّل منها النَّدى
وغادر الغدران في ربعها تغصُّ بالعذب النَّمير الرَّوا
ولا جفا نجدًا ولا حاجرًا كلُّ هزيم الودق هامى الحيا
منازلًا واهًا لأيَّامها كانت مظنَّات الصِّبا والهوى
حيث الأماني طوع آمالنا والسَّعد عبدٌ طائعٌ والمنى
لله أيامٌ تقضَّت لنا بين ذرى الجزع وسفح اللوى
ما كان أهنأ عيشها ليته دام وليت العمر فيه انقضى
مرَّت كنجمٍ قد هوى ساقطًا لم يعتلقه الطَّرف حتى اختفى
يا هل معيدٌ لي عيشًا بها هيهات لا يرجع شيءٌ مضى
ليت ليالينا وأيامنا كانت لليلات ألالٍ فدا
ويلاه من سرعة تفريقنا وشَتِّ شمل الحيِّ بعد النَّوى
وآه من وقفة تشييعهم وقد شرقنا كلُّنا بالبكا
وسارت العيس بأحداجهم واستودعوا فيها بدور الدُّجى
من كلِّ هيفاء إذا ما بدت تختال أذرت بغصون النَّقا
خافقة القرطين رُعبوبةٍ رادِ الوشاحين أناةِ الخُطى
رخيمة الدَّلِّ إذا ما بدت تسحر باللَّحظ عقول النُّهى
ما ظبية البان على حسنها إذا تبَّدى جيدها والطُّلا
وظبيِ إنسٍ زارني طارقًا والبدر لا يبديه إلا الدُّجى
بات يعاطي الرَّاح من ثغره ممزوجةً بالعسل المجتنى
أشتمُّ من ريحان أصداغه وأجتني باللَّحظ ورد الحيا
وأجتلي غصن قوامٍ له أهيَف يحكي بانة المنحنى
لهفي على عيش التَّصابي ويا آهة قلبي لزمان الصِّبا
حيث الشَّباب الرَّوق يُغري بنا حفل الظِّبا الغرِّ وسرب المها
كانت عروس الدَّهر أيامنا طارت بها العنقاء نحو السَّما
ومن ربيعياته قوله:
انظر إلى فصل الربي ع كأنَّه فصل الشَّباب
والزَّهر مثل خلائق ال أصحاب من زهر الصِّحاب
وغصون بانات اللِّوى كمعاطف الهيف الرِّطاب
والورد أشبه بالخدو د من الشِّفاه على الشَّراب
أوَ ما ترى حدق الحدا ئق كيف تغمز للتَّصابي
وأصابع المنثور مس رعةً تشير إلى الرِّقاب
[ ١٠ ]
وأكفَّ أوراق الغصو ن تظلُّ تدعو بالمتاب
فاعكف على روضاته فالورد دان إلى الذَّهاب
متمتِّعًا بنعيمه من قبل بينٍ وانتياب
فجميع ما فوق التُّرا ب من التُّراب إلى التُّراب
ومن خمرياته قوله:
ونديمٍ نبَّهت ليلًا فهبَّا وهو سكرًا يميل شرقًا وغربا
قال لبيك قلت هات اسقنيها فتردَّى وقال طوعًا وحبَّا
فسقاني ثلاثةً وتحسَّى بعض كأسٍ فردَّها وأكبَّا
قلت أفديك من نديمٍ مطيعٍ لو رأى طاقةً بها ما تأبَّى
ثم بن وسَّدته وعدت إلى الشُّر ب وحيدًا فما استلذَّيت شربا
إن طيب المدام بين النَّدامى وسرور النُّدمان فيمن أحبَّا
لو رأوا لذَّةً بدون شريبٍ لم يُسَمُّوا فيها ندامى وشِربا
وله أيضًا:
بحياتي يا بدر أو بحياتك لا تقل لا يا قبح لا من لغاتك
قم بنا نغنم الوصال وروحي في سبيل الهوى وفي مرضاتك
قم فلا غير كون شكٍّ يقينًا من صفاتي بين الورى وصفاتك
يا فَدَتك النُّفوس فيما التَّواني ما ترى البسط عزَّ في أوقاتك
هاتها بكرة النَّهار فطيب الرَّ اح قبل الضُّحى وقبل صلاتك
ثم هجِّد بنا نقيل قليلًا عند غمز الصَّهباء عود قناتك
ثم عد للشَّراب تفديك نفسي واسقنيها واشرب معي بحياتك
إن كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌ ونديمٌ وشادنٌ من سقاتك
فاغتنم فرصة الزَّمان فقد قي ل أخو اللَّذَّة الجسور الفاتك
لا تؤخِّر يومًا غداة سرورٍ لعشيٍّ وفته قبل فواتك
إنَّما هذه الحياة كحلمٍ طارقٍ تستلذُّه في سباتك
وله من قصيدة مطلعها:
يا ليت شعري والمنى بعد ما حال سكَّانك يا نجد
وكيف دعدٌ بعد أيَّامنا تبقى لنا دون النِّسا دعد
هل أخفرت من عهدنا في الهوى بعد النَّوى أم عهدها العهد
لا غرو أن قد غيَّرتها النَّوى فربَّما غيَّرك البعد
لله يا نجد الظِّباء التي قيَّدها فيك لنا الودُّ
حيث الهوى الرَّيق لنا خادمٌ لم يأل جهدًا والمنى عبد
وربعك الرَّحب لنا جنَّةٌ لو أنها دام بها الخلد
والنَّبت جمٌّ ترتعيه حمًى والماء لا مستكدرٌ رغد
في غمرة القصف لريق الصِّبا نروح في العيش كما نغدوا
حيِّي الحيا ذاك الزمان الذي مرَّ به من عيشنا الرَّغد
أيَّام أسعى ومها حاجرٍ يلفُّني من وصلها برد
لا راقبٌ عينًا ولا مفكرٌ في الوصل أن يعقبه الصَّدُّ
في فتيةٍ مثل نجوم الدُّجى كأنهم قد نظموا عقدُ
من كل ظبيٍ قضفٌ قدُّه لا البان يحكيه ولا الرَّندُ
جذلان راوي الرِّدف ظامي الحشا يضيع ما بينهما النَّدُّ
يزهي على ريم الفلا جيده ويزدهي بدر السَّما الخدُّ
واهًا له من زمنٍ سالفٍ وألف آهٍ لك يا نجد
ومنزلٍ أخلق من نسجه كرُّ السَّوافي فيه والشَّدُّ
عهدي به بردًا قشيب السَّدى فارتدَّ وهو الرَّيطة الجرد
محت يد الأنواء آياته إلا بقايا أسطرٍ تبدو
أعجم من معربه شكله إن حال عقلًا قبله بعد
حتَّى اضلاَّ فيه علمي به إذ بدِّلت من هضبه الوهد
[ ١١ ]
وقفت عِيسي فيه مستعبرًا أقول آهًا تَعِسَ البعد
إلى هنا بعد ليالٍ خلت معدودةٍ قد بلغ الحدُّ
هب أن سكانك قد أجفلت عنك فأين الغور والنجد
لم يبق إلا طللٌ شاخصٌ كالوشم محَّى جُلَّه الرَّند
وله:
هاتها تفديك روحي قهوةً أدركت عادًا وأيَّام لُبد
واسقني واشرب ولا تذكر لنا خبر النَّاس ولا سعر البلد
إن للعالم ربًّا إن يشأ صلح العالم أو شاء فسد
وله:
اسقنيها قبل ارتفاع النَّهار إنَّ طيب المدام في الإبكارِ
هي بكرٌ فاشرب ويومك بكرٌ لم تشبه الأنام بالأكدارِ
الصَّبوح الصبوحَ في جدِّه الي وم فإنَّ الصَّبوح روح العقارِ
يا فَدَتك النفوس وهي قليلٌ من نديم سهل الطِّباع مدارِ
هاتها ضحوة النَّهار شمولًا مثل شمس النَّهار وسط النَّهارِ
قهوةً مثل مقلة الدِّيك صهبا ءَ كنار الكليم ليست بنارِ
ذات عصرٍ أدناه عهد أنو شروان ليست بمزَّةٍ مُصطارِ
لطَّفتها كرُّ السنين فلم تب قِ سوى لمحةٍ من الأنوارِ
فتراءت كالشَّمس غبَّ سماءٍ تجتلى بين حمرةٍ واصفرارِ
لست تخشى من لطفها بعد سكرٍ من صداعٍ بادٍ ولا من خمارِ
في رياضٍ تزهي بباكورِ وردٍ وأقاح وسوسنٍ وبهارِ
ذات أرضٍ موشيةٍ بربيعٍ ذهَّبت وشيها يد الأزهارِ
يستفيق المخمور إن مرَّ فيها من هواءٍ صافٍ وماءٍ جارِ
هذا مأخوذ من قول الوأواء الدمشقي:
سقى الله ليلًا إذ زار طيفه فأفنيته حتى الصَّباح عناقا
بطيب نسيمٍ فيه يستجلب الكرى فلو رقد المخمور فيه أفاقا
وفي الثاني ما يوهم التناقض: والوأواء أخذه من قول الفتح بن خاقان، في وصف جاريةٍ له، وهو ما نقل ابن حمدون، قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي، فقال لي مرة: شعرت يا أبا عبد الله أني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت منزلي استقبلتني فلانة، فلم أتمالك أن قبلتها، فوجدت فيما بين شفتيها هواءً لو رقد المخمور فيه لصحا.
ومنه في الغزل قول شرف الدين القابوسي:
قابلني ليلة قبَّلته ظبيٌّ من الشمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أسنانه لو رقد المخمور فيه صحا
تتمة الأبيات:
قم بنا يا نديم يفديك مالي من تلادٍ وطارفٍ وعقارِ
نقطع الدهر كلَّ يومٍ بزقٍّ وغزالٍ ساقٍ وكأسٍ مدارِ
آن طيب الزَّمان واعتدل الجوُّ وصار الضُّحاء كالأسحارِ
وأتاك الرَّبيع يضحك عجبًا وهو من نسج نوره في إزارِ
يا نديمي أفديك فيما التَّواني ما ترى البسط ابن اللَّيالي القصارِ
فاسقنيها واشرب على زهرة الرَّو ضِ وسجع القمري وشدو الهزارِ
وتغنَّم صفو الزَّمان وروق ال عمر من قبل ضيعة الأعمارِ
لا تبالي إذا سكرت بوزرٍ إن مولاك غافر الأوزارِ
وله من قصيدة مطلعها:
نقض الجرح وكان اندملا وامتلا القلب وقد كان خلا
عاده داء الهوى من بعد ما راح وقد أفرق عنه وسلا
ماله تزعجه زفرته كلَّما استاف صبًا أو شمألا
وإذا شام بروقًا لمعت غلب الدَّمع الحيا فانهملا
ومتى أبصر بدرًا طالعًا ظنَّه عنه الذي قد أفلا
عاش في أرغد عيش برهةً مستريحًا راق حالًا وحلا
ليس يدري الهمَّ حتى أن رأى ليته لم ير تلك المقلا
[ ١٢ ]
فعلت فيه بطرفٍ لو رمى حجرًا صلدًا به لانفعلا
كيف لا يجرح قلبي طرفه وإذا السَّيف تحرَّى قتلا
والذي يصبو لأحداق المها لم يمت إلا بها منجدلا
لائم الصَّبِّ على الحب الذي سيف لحظيه يبيح الأجلا
خلِّ عنك اللوم بالله فقد سبق السَّيف إليه العذلا
ويح قلبي من هوى ذي صلفٍ ظالم في حكمه لو عدلا
ما له حمَّله ما لم يطق أتراه ظنَّ قلبي جبلا
قال يستطرد بي ما حاله صار للعشَّاق فينا مثلا
أيُّها المعرض لا عن زلَّةٍ أدلالًا كان ذا أم مللا
بأبي الرِّيم الذي من طرفه سرق الظَّبي الكحيل الكحلا
غصن البان الذي في قدِّه سلب الليِّن القنا والأسلا
يا خليليَّ بلا أمرٍ سلا عن فؤادي بعده ما فعلا
أمقيمٌ بعده يصحبه أم دعاه للردى فامتثلا
وله من أخرى مطلعها:
درَّ لها خلف الغمام هاطلًا فجادها من رامةٍ منازلا
منازلًا كان المنى منادمًا فيها وصرف الدَّهر عنها غافلا
نسبح في غمرته ولم نكن نزايل الرَّوضات والخمائلا
لا نستفيق من خمار لذَّةٍ نتبع أبكار الهوى الأصائلا
جنان أنسٍ فارقتها عنوةً نفوسنا واجدةً ثواكلا
واهًا لها وآهةً لو بقيت أو دام ربع اللَّهو منها آهلا
ومنها:
كان الشباب الرَّوق فيها وبها قضَّيت أيَّام الصِّبا الأوائلا
حيث الحمى مسرح أسراب المها وحيث كنت مرحًا مغازلا
كلَّ غزالٍ آنسٍ لحاظه للعاشقين لم تزل قواتلا
تصمي إذا ما قصدت بأسهمٍ نصالها لا تخطئ المقاتلا
قضيب بانٍ قضفٌ على نقًا فوقها ترقب بدرًا كاملا
ما بانة الجزع على نظرتها إذا ثنى منه قوامًا عادلا
ومن غزلياته قوله:
مهلًا فقد أسرعت في مقتلي إن كان لا بد فلا تعجلِ
أنجزت إتلافي بلا علَّةٍ الله في حمل دمي المثقلِ
لم تبق لي فيك سوى مهجةٍ بالله في استدراكها أجملِ
إن كنت لا بدَّ جوًى قاتلي فاستخر الله ولا تفعلِ
رفقًا بما أبقيت من مدنفٍ ليس له دونك من معقلِ
يكاد من رقَّته جسمه يسيل من مدمعه المسبلِ
ما لك في إتلافه طائلٌ فارعَ له عهدًا ولا تهملِ
كم من قتيلٍ في سبيل الهوى مثلي بلا ذنبٍ جنى فابتلي
أول مقتول جوًى لم أكن قاتله جارَ ولم يعدلِ
يا مانعي الصَّبر وطيب الكرى عن حالتي بعدك لا تسألِ
قد صرت من عشقك حيران لا أعلم ماذا بي ولم أجهلِ
أغصُّ من دمعي حفاظًا لما فارقته من ريقك السلسلِ
ومنها:
أفديك بالنَّفس وما دونها ما قيمة الأرواح أن تقبلِ
يا غصنًا مال إلى طبعه من دلَّ جفنيك على مقتلي
وراميًا أعجب من أنَّه أصاب في الرَّمي ولم يمهلِ
رمى فأصمى مهجتي سهمه فكان مثل القدر المرسلِ
يا ويح قلبي من هوى ظالمٍ يأخذ بالذَّنب ولم يعملِ
أستغفر الله إليه وإن لم أقل القول ولم أفعلِ
يا أعدل الناس على ظلمه ويا أحقَّ النَّاس من مُبطلِ
وجدت تعذيبك مستعذبًا فاهجر إذا شئت وإلا صلِ
وله:
ويومٍ فاخِتيِّ الجوِّ رطبٍ يكاد من الغضارة أن يسيلا
[ ١٣ ]
نعمت به وندماني أديبٌ وقورٌ في تعاطيه الشمولا
قطعنا صبحه والظُّهر شربًا وجاوزنا العشيَّة والأصيلا
لدى روضٍ عميم النَّبت يزهي بأزهارٍ نمت عرضًا وطولا
يدور به سوار النَّهر طورًا كما يتعانق الخلُّ الخليلا
وساقينا رخيم الدَّلِّ يسبي إذا ما ردَّد الطرف الكحيلا
وله من قصيدة، أولها:
تألَّق يقدم ركب النعامى شرودًا أبى سرعةً أن يشاما
خفيًَّا كنبض ذراع المريض ولمح ثغور الحسان ابتساما
كأنَّ السَّما ريطةٌ رحِّلت وذهِّب من طرفيها الغماما
بدا والدُّجى فحمةٌ كاللَّهيب له شررٌ بالدراري ترامى
فهيَّج للقلب أشواقه ونبه لوعته ثم ناما
سرى موهنًا فاستطار الفؤاد إلى ما تذكَّر منه وهاما
تذكَّر أيامه بالغميم فحنَّ وما كنَّ إلا مناما
أثار له من جواه القديم وقلَّده الوجد طوقًا لزاما
تحرَّشه فسباه جوًى وجرَّده فقضاه غراما
ومذ خاله الطرف سقط الزِّناد أمال إلى القلب منه الضراما
لقد كان في راحةٍ قبله فجرَّ إلى عاتقيه حساما
وقد كان من قبله داؤه دفينًا فهيَّج منه السقاما
أيا برق كم ذا تعنِّي الحشا أعمدًا تروم أذاه على ما
إلى مَ تمثل نجدًا له فيهفو وهيهات نجدٌ إلى ما
تقول وأسباب هذا الغرام ضروبٌ تحيِّر فيه الأناما
أمن كبدي سيفه مصلتٌ فيبدي الوجيب إلى أن يشاما
لعمرك ما ذاك لكنَّما تذكَّر نجدًا وأيام راما
منازل كان المنى خادمًا بها والزمان لدينا غلاما
فآهًا لأيامها لو تدوم وآهًا لحلميَ لو كان داما
نشدتك والودُّ يا صاحبي يراه الفتى الحرُّ دينًا لزاما
أعرني إن كان طرفٌ يعار فإنسان عيني بدمعي عاما
يرى لي فؤادي وراء الرِّكاب أسارَ وإلا لعجزٍ أقاما
فمن يوم بتنا على غرَّبٍ نشيعهم وأشالوا الخياما
أضلَّيته بين بان الكثيب وما ثمَّ إلا ظباه قياما
خف الله يا ظبيات النَّقا أما في دمي تحملين الأثاما
رعى الله منكنَّ ظبيًا أغر أحلَّ بجسمي داءً عقاما
أغار عليه اعتناق الصَّبا وأحسد رشف لماه البشاما
إذا ما بدى في الدُّجى خده أحال الدُّجى من ضياه عياما
يبيت على غرَّةٍ لاهيًا إذا بتُّ أجرع فيه الحماما
وليلة زار على شحطه تحاشى الضِّيا فتوارى الظَّلاما
سرى والدُّجى عاكفٌ راجلًا حذار المطيَّة تبدي البغاما
فوافى على عجلٍ مضجعي ومن دونه بطن فلجٍ وراما
فبتُّ أعانق منه القضيب وأرقب منه الهلال التماما
وأشتمُّ من خدِّه وردةً وأرشف من شفتيه المداما
وودَّع لو كان ذاك الوداع وسار فودَّع جفني المناما
ومن مشهور شعره خمريته هذه:
هاتها هات نصطبح يا نديم قد تناهت خطوبنا والهموم
ليس ينفي الهموم مثل شمولٍ كم حساها فأبرأته سقيم
هي شمسٌ والهمُّ ليلٌ وليس الل يل والشَّمس في الوجود يدوم
علَّنا نقطع الزمان سكارى لا نبالي بما جرى يا نديم
فلنا أسوةٌ بهذي البرايا كيف نخشى البلاء وهو عميم
إنما الأمر للإله تعالى وهو برٌّ بالعالمين رحيم
[ ١٤ ]
خلِّ عنَّا ذكر ابن سيفا ومعنٍ إنما يطلب الغريمَ الغريمُ
ما لنا والحروب نحن أناسٌ ما لنا طاقةٌ بشيءٍ يضيم
همُّنا شربنا الطِّلا وهوانا من قديمٍ هذا الشَّراب القديمُ
اترك النَّاس في يصير ويجري ويجيبوا ويقعدوا ويقيموا
واسقنيها واشرب ثلاثًا ثلاثًا هكذا حكمها وأنت حكيمُ
لا تصل بالصَّبوح غير غبوقٍ وتجنَّب في شربها من يلوم
إنَّ كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌ ونديمٌ حلوٌ وساقٍ كريمُ
وابن سيفا هو الأمير يوسف ذلك الذي بلغ السُّها بجده، وكان أخا السيف في لألائه ومضاء حده.
من أسرة طلعوا كأنابيب القنا نسقًا، وفاحوا كأزاهير الرياض عبقًا.
فإن غابوا عن العيان تراءوا مشاعل في السرى، وإن ظهروا رأت النواظر بهم الثريا في الثرى. ما منهم إلا جواد شهدت بسبقه ميادينه، وأديبٌ حب الأدب شرعته ودينه.
وكانوا ولاة طرابلس الشام وحكامها، وبقائم سيفهم تولوا صيانتها وإحكامها.
حتى وقع بين كبيرهم هذا وبين الأمير فخر الدين بن معن، ذاك الغادر الذي قتل الراعي وساق الظعن.
فجرت بينهما حروبٌ لم يحصل أحدٌ منهما على وطر، وبقي الأمر بينهما مدة في تناكر مفضٍ إلى خطر.
ثم خرج في أثناء ذلك ابن جانبولاذ الذي جاهد في الخلاف وجاهر، وكاشف بالانحراف على السلطنة وكاشر.
فانضم إليه ابن معن وحزبه، الذين تدرعوا جلود الحيات، وأقاموا آلات حربهم مقام أنمل التحيات.
وكان من أمر الله أن الأمير يوسف جهز عليهم، ووصل بجموعه التي يقدر أن يغل بها جيش المصائب إليهم.
وهممه معلقة بالأثير، محلقة على فلك التدبير. غير أن يد القدر فوق التقدير، وما يصنع المرء إذا وقع في البير. فلما تقابل الجيشان تمت على ابن سيفا الهزيمة وانحلت منه تلك العزيمة. وفر من ذلك المكان إلى دمشق، فأقام بها مختفيًا أيامًا، وهو من وساوس وهمه لم يطعم منامًا. فقصدوه متتبعين زلة قدمه، وطالبين بسيف الاعتداء سفك دمه. فدخل بينهم أهل دمشق وأطفأوا تلك النائرة، وأخمدوا ببرد الصلح تلك الفتنة الثائرة.
بمال حملوه إلى القوم، وسلموا به من المحذور واللوم. وانقلب ابن سيفا إلى وطنه، وهو شاكٌّ من ضيق عطنه. وتبدل تبسمه ذاك بالقطوب، ونال القلوب كمد خطبه الذي لا كالخطوب. ومن ثم حالت بدولة بيته الأحوال، ولم تطل أيامهم حتى أذنت شمسها بالزوال. فعلى ما تضمنهم من تلك الأريحية، أزكى السلام من الله تعالى والتحية. وهذه الجملة وقعت في الأثنا فكانت باعثةً على ما هو طلبتي من الثنا.
وأرجع إلى ما أنا بصدده أمدني الله بمدده.
ومن شعر الأكرمي قوله في خمريته:
كم جلونا في ليلة الفطر والأض حى على قاسيون بكر الدنان
وشربنا في ليلة النصف من شع بان صرفًا وفي دجى رمضان
ونهار الخميس عصرًا وفي الجم عة قبل الصلاة بعد الأذان
وسقانا ظبيٌ غريرٌ وغنت ظبيةٌ تستبيك بالألحان
وسبحنا في غمرة اللهو والقص ف على طاعة الهوى والأماني
ولعمري لقد سئمنا من الغيِّ وعفنا من كثرة العصيان
لم ندع مدَّة الصِّبا للتصابي من طريقٍ مهجورةٍ أو مكان
قد أطعنا غيَّ الشَّباب بجهلٍ فاعفُ عنَّا يا واسع الغفران
ومن مقاطيعه قوله:
ربَّ رامٍ عن مثل حاجبه بمثل ألحاظه لمغرمهِ
سمَّى بغيري مفوِّقًا ودمي فرحت وحدي صريع أسهمه
وقوله:
قلت إذ لام في العذار عذولي وهو في الخدِّ للهوى عنوانُ
إنَّ ورد الرِّياض أحسن ما كان إذ دار حوله الريحانُ
وقوله في دولاب الماء:
ودولابٍ يئنُّ أنين صبٍّ كئيب نازح الأهلين مضنى
تذكَّر عهده بالرَّوض غصنًا ومحنة قطعه فبكى وأنَّا
وما يدري أترديدٌ لمعنًى شجاه أم حنين جوى المعنَّى
وقوله معميًا باسم يوسف:
وشادنٍ كالقضيب عطفًا أطال في صبِّه عناهُ
[ ١٥ ]
يكاد عضب اللحاظ منه بغير ريبٍ يفري حشاهُ
القاضي إسماعيل بن عبد الحق الحجازي هذا القاضي قضي له بالأدب الوافر، من منذ طلع في مهده طلوع البدر السافر. فعرف رشده قبل أوانه، وهكذا الكتاب يدرى من عنوانه.
وأبوه في الصنعة من الفحول السبق، له في الريحانة ذكر أطيب من المسك وأعبق.
وهو فاح فوحته، وجاء جيئته، وراح روحته. وحذا في الغراميات حذوه، فلم يبق من نار وجده ولا جذوة. فهو مخمر الطينة بالفضل المحض، مجبول الفطرة على الأدب الغض. مجده فوق الامتداح، وزنده يضيء قبل الاقتداح.
ولقد برز كل التبريز، وما كل قاضٍ قاضي تبريز. فجاء بأفانين من غزلياته، تهزأ برونق الصدغ في لباته.
وأطرب بألحانه، ولا إطراب الخمر بحانه. وله أغانٍ تكاد بلا مضارب تجاوبها الأوتار، ولم يبق قلبٌ أدرك مغناها إلا وثار.
وكانت أريحيات غرامه تستفزه، وصبوبات مدامه تستهزه. فلا يزال هائمًا بغزال، ولا يريم من عشق ريم. وشعره الذي تعلق به قلوب الأهوا، يعرب عن حاله إعراب الدمع عن مكتوم سر الهوى. وهو سائرٌ مدون، والجوهر المثمن منه أدون.
فدونك ما هو ألطف من العتاب، بين الصحاب، وأوقع من الرواح، ممزوجًا بماء السحاب.
فمنه قوله:
لو أن بالعذَّال ما بي ما عنَّفوني بالتَّصابي
كلا ولو ذاقوا الهوى مثلي لما ملكوا خطابي
ويلاه من بعد المزا رِ فإنه شرُّ العقابِ
قسمًا بخلوات الحبي ب وطيب وقفات العتابِ
وتذلُّلي يوم النَّوى لمنيع ذيَّاك الجنابِ
وبوقفتي أشكو هوا ي له بألفاظٍ عذابِ
أبكي وأسرق أدمعي خوف العواذل في ثيابي
ما للمحبِّ أشدُّ من نار التَّباعد من عذابِ
بأبي غزالٌ ليِّن ال أعطاف معسول الرُّضابِ
ميَّاس غصن قوامه يزري ببانات الرَّوابي
ريَّان من ماء الصِّبا سكران من خمر الشَّبابِ
جعل التَّجافي دأبه وجعلته وهواه دابي
قال العواذل عندما أبصرن بالأشواق ما بي
قد كنت من أهل الفصا حة لا تحول عن الصَّوابِ
فأجبتهم والقلب من نار الصَّبابة في التهابِ
الحبُّ قد أعيى فصي ح القول عن ردِّ الجوابِ
وتراه إن حضر الحبي ب لديه يأخذ في اضطراب
وقوله:
أجرني من صدودك بعد وعدك وخلِّص مهجتي من نار بعدكْ
وخصِّصني برقٍّ دون عتقٍ لأدعى بين أقوامي بعبدكْ
وقصِّر طول ليلات التنائي وما لاقيت من أيَّام صدِّكْ
ومعصية العذول ومن نهاني ضلالًا في الهوى عن حفظ ودِّكْ
وأنفاسٍ أصعِّدها إذا ما ذكرتك والدَّياجي مثل جعدكْ
لأنت لديَّ مجتمع الأماني وأكثر ما وددت بقاء ودِّكْ
وقد عبث الهوى بغصون قلبي كما عبث الدَّلال بغصن قدِّكْ
وقوله:
ولمَّا حدا الحادون بالبين والنَّوى وشبَّ لنار الاشتياق وقودُ
ولم يبق لي من منجدٍ غير زفرةٍ ودمعٍ وأشواقٍ عليَّ تزيدُ
طلبت من القلب اصطبارًا فقال لي وللشَّوق عندي مبدئٌ ومعيدُ
لقد كنت صبًّا والدِّيار قريبةٌ فكيف وعهد الدَّار عنك بعيدُ
وقوله:
وربَّ عتابٍ بيننا جرَّه الهوى شهيٍّ بألفاظٍ أرقَّ من السِّحرِ
وأحلى من الماء الزُّلال على الظَّما وألطف من مرِّ النَّسيم إذا يسري
عتابٌ سرقناه على غفلة النَّوى وقد طرفت أيدي الهوى أعين الدَّهرِ
وقد أخذتنا نشوةٌ من حديثه كأنَّا تعاطينا سلافًا من الخمرِ
ورحنا بحالٍ ترتضيها نفوسنا وها أنا بين الصَّحو ما زلت والسُّكرِ
وقوله:
[ ١٦ ]
أيا قمرًا من وجهه طلعة البدر ويا رشأً من لحظه صنعة السِّحرِ
حكيت القنا والبيض لحظًا وقامةً فمن أجل ذا أرتاح للبيض والسُّمرِ
وحقَّك لولا البدر يحكيك طلعةً لما طمحت عيني إلى رؤية البدرِ
ولو لم يكن للخمر في فيك نسبةٌ لما كنت أصبو عند ذكراه للخمرِ
ولولاك في قصر المصلَّى وحاجرٍ لما شاقني ذكر المصلَّى ولا القصرِ
فيا نازحًا عن مقلتي وهو حاضرٌ بقلبي لقد أفرطت في الصَّدِّ والهجرِ
ويا فاتكًا عيناه قد طلًتا دمي وأسلمتا قلبي إلى نوب الدَّهرِ
ترفق بدمعٍ طرفه فيك مطلقٌ وقلبٍ من الأشواق في أوثق الأسرِ
وقوله:
قلبي من الأشواق لاهف والدَّمع من عينيَّ ذارفْ
أبكي ودمعي لم يدع أحدًا بحالي غير عارفْ
ولقد أقول لمن يرا ني في طريق الذُّلِّ واقفْ
لولا المحبَّة يا رفيقي لم يكن قلبي لعاطفْ
كلاَّ ولا أبصرتني للسقم والبلوى محالفْ
أرعى النُّجوم ولي فؤا دٌ من دواعي البين خائفْ
أصبو إذا علنَّى على أعلى غصون الدَّوح هاتفْ
ويشوقني برقٌ بدا من جانب الأحباب خاطفْ
فَوَحَقَّ أغصان القدو د ولين هاتيك المعاطفْ
وصباح مُبيَصِّ الجبي ن وليل مسودِّ السوالفْ
ولواحظٍ فتَّاكةٍ في جفنها هاروت عاكفْ
ومرشفٍ عسَّالةٍ يا حبَّذا تلك المراشفْ
ورقيق هاتيك الخصو ر وتحتها ثقل الرَّوادفْ
ومواقف الذُّلِّ التي عرَّفني ذلَّ المواقفْ
أشكو الغرام وأرتجي من متلفي حسن العواطفْ
ما حلت عنك وليس يص رفني عن الأشواق صارفْ
وإذا أسأت فإنَّها عندي تعدُّ من اللَّطائفْ
فسقى الإله زماننا ورعى ليالينا السَّوالفْ
أيام كنت لعاذلي وللائمي فيها أخالفْ
وقوله:
ورُبَّت ليلةٍ قد زار فيها خيالٌ في الدُّجى منه طروقُ
وبات تشوُّقي يدنيه منِّي ويبعده من القلب الخفوقُ
فلا أروى الحشا منه اعتناقٌ ولا بلَّ الجوى لي منه ريقُ
وقوله مضمِّنًا:
أرَّقتني الأشجان والأشواق وبسهم النَّوى رماني الفراقُ
ونما الشَّوق في فؤادي فضاقت فيك عن وصف ما بي الأوراقُ
ثم أنشدت داعيًا ولدمعي فيك من لوعة الفراق انطلاقُ
جمع الله شمل كلِّ محبٍّ وبدا بي لأنني مشتاقُ
وقوله:
يا مولعًا بصدودي أفنى الجفا مستهامكْ
أعرضت عنِّي دلالًا لمَّا عرفت مقامكْ
ضيَّعتني بالتَّجافي لمَّا حفظت ذمامكْ
فلو شهدت سهادي وهبت جفني منامكْ
فعاذلي مذ رآني رثى لحالي ولامكْ
يكفيك لحظك سيفًا فلا تجرِّد حسامكْ
طوبى لبدر الدَّياجي لو ترتضيه غلامكْ
ويا سعادة غصنٍ يحكي اعتدالًا قوامكْ
جلَّ الذي يا حبيبي في ذا المقام أقامكْ
إلى متى يا فؤادي يذكي هواهم ضرامكْ
ويا عذولي إلى كم تطيل فيهم ملامكْ
قد كلَّ بالعذل قلبي وملَّ سمعي مرامكْ
وقوله:
ولي قلبٌ أليمٌ من صدودك دائم الضَّرمِ
بودَّي لو أقطِّعه فإنَّ وجوده عدمي
ولكنَّ قطعي العضو ال أليمَ يزيد في ألمي
وقوله، يصف ليلة مضت له في روضة أريضة، وساعفته بها آمالٌ من الوصال عريضة:
[ ١٧ ]
لله ليلة أنسٍ قد ظفرت بها قضَّيتها سهرًا أحلى من الوسنِ
قد بتُّها وعيون الدَّهر غافلةٌ عنِّي ولم أخش فيها حادث الزَّمنِ
في روضةٍ رحبة الأكناف عاطرة ال أنفاس قد جلِّيت في منظرٍ حسنِ
والوُرقُ في دوحها باتت تطارحني شجوًا لِما عَلِمتْ في الحبِّ من شجني
فتارةً فرط أشواقي يرنِّحها وتارةً طول مبكاها يرنِّحني
وبات ظبيٌ تناجينا لواحظه بين الورى هي كانت منشأ الفتنِ
تُعزى الشُّمول إلى معنى شمائله والَّلاذُ يشبه منه رقَّة البدنِ
بتنا كغصنين في روضٍ يرنِّحنا ريح الصَّبا فَحَنا غصنٌ على غصنِ
وبات عندي شكٌّ في معانقتي إياه حتى حسبت اللُّطف صاحبني
يا ليلةً منه أرضاني الزَّمان بها عنه على أنَّه ما زال يسخطني
ومن مقاطيعه قوله:
كلَّما حدَّثت قلبي سلوةٌ عن هواهم قال لي لا يمكنُ
وإذا ذكَّرته أنَّهم قد أساءوا قال لا بل أحسنوا
وقوله:
قد وقفنا بعد التَّفرق يومًا في مكانٍ فدَّيته من مكانِ
نتشاكى لكنْ بغير كلامٍ نتحاكى لكنْ بغير لسانِ
يوسف أبي الفتح إمام الأئمة، ومن ألقت إليه مقاليد الحظوة الأزمَّة. فتميز على أترابه وأخدانه، تميُّز سميَّه على إخوانه.
وذلك أنه من منذ ناست عذبة ذؤابته، وأومضت للمتفرِّس مخيلة نجابته.
تطلَّع في أعلا المصلَّى كأنما تطلَّع في محراب داودَ يوسفُ
فرقي منبر المسجد الجامع خطيبًا، وملأه مسكًا فلم يدر أضمَّ خطيبًا، أم ضَمِّخَ طيبًا.
وأتى بما يقرط الأسماع لؤلؤًا، ويملأ الأفواه طيبًا والمحافل تلألؤًا. فطار صيته في الآفاق، ووقع على تفرُّده في أسلوبه الاتفاق.
حتى تطلبه السلطان فصيَّره إمامه، وتوجه من التقدمة بتلك العمامة. فقامت الأماني خلفه صفوفًا، واستوعب من المعالي أنواعًا وصنوفًا. وما زال من حين خروجه، يتنقَّل تنقُّل القمر في بروجه. إلى أن صار ثالث القمرين، وفاز برتبة قضاء العسكرين.
وكان مع ما أعطيه من الرتبة التي لا تنال إلا بالتمني، والحرمة التي ترمى لنيلها المطايا بالتعَّني. لم يبرح يحن إلى مواطن إيناسه، ويرتاح إلى مراتع غزلان صريمه وكناسه.
هذا، وله الفضل الذي تليت سور أوصافه، وجليت صور اتسامه بالتفوُّق واتصافه.
والتصانيف التي ما جعلت الأقلام ساجدةً إلا لمّا رأت محاريب قرطاسها، وما سميت خرساء إلا قبل أن ينفث في روعها روائع أنفاسها.
وأما الأدب فهو إمامه الذي به يقتدى، وسابقه الذي بذكره يبتدى.
وله الشعر الذي اقتبس ألفاظه من ذوات الأطواق، واختلس معانيه من حنين العشاق تكابد الأشواق. يطرب من لم يكن يطرب، ويكاد لفظه من العذوبة يشرب.
وها أنا أورد منه ما تتباهى به حروف الرقاع، ويلذ في السمع لذة الغناء من كل شكلٍ حسنٍ على الإيقاع.
فمنه قوله من قصيدة أولها:
هذا الحمى أين الرَّفيق المنجد قد يمَّم الخيف الفريق المنجدُ
بانوا فلا داري بجلَّق بعدهم داري ولا عيشي لديها أرغدُ
وعلى الأكلَّة فتيةٌ لعبت بهم راح السُّرى والعيس فيهم تسجدُ
يتهافتون على الرِّحال كأنهم قضبٌ على كثب النقا تتأوَّدُ
واهًا على وادي منًى والهفتي لو لهفتي تجدي وآهي تسعدُ
كانت عروس الدهر أيامًا لنا فيه ثلاثٌ ليتها لي عوَّدُ
عهدي به مغنى الهوى تستامه عينٌ مسهَّدةٌ وقلبٌ مكمدُ
ما باله بعد الثلاثة أقفرت منه معالمه وأقوى المعهدُ
يا هل لليلاتٍ بجمعٍ عودةٌ أم هل إلى جمع المعرَّف موعدُ
جسمي بأكناف الشآم مخيِّمٌ وهواي بالرَّكب اليماني مصعدُ
تالله هاتيك الليالي أسأرت في مهجتي نارًا تقوم وتقعدُ
[ ١٨ ]
وكأنَّ مرمى كلِّ موقع جمرةٍ في القلب والأحشاء منِّي موقدُ
لله أيامي بجرعاء الحمى والدهر مصقول الحواشي أملدُ
أيام ظلُّ الدهر غير مقلَّصٍ عنِّي وعيشي طاب فيه الموردُ
في حيث ريحان الشَّبيبة باسقٌ والخيف مغنًى للحسان وموعدُ
إذ منتداه مراد كلِّ خريدةٍ يصبو إليها الخاشعون العبَّدُ
مرَّت كسقط الزَّند أعقب جمرةً في القلب يذكيها الغرام ويوقدُ
مالي إذا برقٌ تألَّق بالحمى أودى بمهجتي المقيم المقعدُ
وإذا نسمت رويحةً من طيبةٍ جعلت زفيري بالحشا يتوقدُ
وإذا نسيم الروض هبَّ تبادرت وفق الصبابة أدمعٌ تتردَّدُ
ومتى ظفرت من الزمان بناصرٍ أخذت تفنِّده عليَّ الحسَّدُ
وقوله من أخرى، أولها:
سقى أثَلاثٍ بالعذيب نمير له من أفاويق الغمام سميرُ
سحابٌ تزجيه الرياح وراءه نسيمٌ له المسك الفتيق عبيرُ
ولا برحت تسدي يد القطر فوقها من النور موشيَّ السَّدى وتنيرُ
وخلنا دراري الأفق فيه تساقطت وآن لها أن النجوم تغورُ
عهدنا بها غصن الشَّبيبة باسقًا يرفُّ رفيف البان وهو نضيرُ
كأنَّ أزاهير الشَّقيق بدوحها خدودٌ ونور الأقحوان ثغورُ
كأنَّ نديَّ النرجس الغضِّ فوقها عيون الغواني مسَّهنَّ فتورُ
كأن غصون البان تندى غضارةً معاطف غيدٍ حشوهنَّ خمورُ
سقتها دموعي بل سقاها على البلى ملِثٌّ من الأنواء وهو غزيرُ
فآه لها كم لذةٍ تحت ظلِّها نعمنا بها حيث الكؤوس تدورُ
ولهفي على عيشٍ بجوِّ سُويقةٍ تولي وعيش الغانيات قصيرُ
وواهًا لأيامٍ بشرقيِّ ضارجٍ تقضَّت عشايا تحتها وبكورُ
فمرَّت ولم تعقب سوى جمرة الأسى يشبُّ لها تحت الضلوع سعيرُ
خليليَّ مالي إن تألق بارقٌ يكاد فؤادي كالشَّرار يطيرُ
وإن خطرت من سفح نجدٍ نسيمةٌ فلي أنَّةٌ تحت الدُّجى وزفيرُ
وإن ذكرت أيام رامة أنثني وفي القلب من فرط الغرام هجيرُ
ألا يا نسيم الريح من بطن لعلعٍ تحدَّث فقلبي بالغرام أسيرُ
ويا برق نجدٍ هات عن أيمن الحمى حديثًا ففي بثِّ الغرام سرورُ
هل الجيرة الغادون من جنبِ حاجرٍ أناخوا لوى الجرعاء وهو مطيرُ
وهل أثلاث الجِزع يندى ظلالها وأرض الحمى فيْنانُ وهو مطيرُ
وهل هاجعات البان نبَّه خوطها هبوب نسيمٍ هبَّ وهو عطيرُ
وهل درست من بطن فجٍّ مسارحٌ ومحَّت جنوبٌ رسمها ودبورُ
فما بنت غصنٍ فوق أفنان إلفها وإلفي خليطٌ منجدٌ ومغيرُ
تراها إذا وُرق العشايا ترنَّمت تهيِّج من داء الهوى وتثيرُ
تذكِّرني وهنًا أفانين سجعها ليالي زرودٍ والمحبُّ ذكورُ
بأبرح مني أن تقول بثينةٌ لقد ضربت لي بالعقيق خدورُ
عذيريَ في هذا الهوى من مؤَنِّبٍ وهيهات في هذا الغرام عذيرُ
يلوم فؤادي في هواه أما درى بأن فؤاد العاشقين صبورُ
يقول عجيبٌ منك أنت مجرِّبٌ فكيف وأني يعتريك غرورُ
فقلت له خفِّض عَدَتكَ صبابتي فكلُّ معنًّى يهتدي ويثورُ
[ ١٩ ]
سأركب من شوس القوافي شِمِلَّةً تسير في النعماء حيث تسيرُ
أقامت بسفح الصَّالحيَّة برهةً وحشو حشاها لوعةٌ وزفيرُ
بها من هواء الغوطتين نسيمةٌ ومن عذب ماء النَّيربين غديرُ
إذا هبطت من ربع جِلِّقَ منزلًا وقد نام حادٍ واستقال مثيرُ
أمرنا بها طوع القياد توجهت ركائبها وهو المراد تزورُ
تزور فتًى من آل منجك ماجدًا على كل من يدعى الأمير أميرُ
وقوله من أخرى، مبتدؤها:
تذكَّر من أكناف رامة مربعًا ومغنًى به غصن الشبيبة أينعا
فبات على جمر الغضا يستفزُّه غرامٌ فيذري الدمع أربعَ أربعا
كئيبًا لليلات الغميم متيَّمًا معنًّى بأيام الحجون مولَّعا
يخالف بين الراحتين على الحشا ويلوي على القلب الضُّلوع توجُّعا
فمن صبواتٍ تستفزُّ فؤاده ومن زفراتٍ أضرمت فيه أضلعا
ألا في سبيل الحبِّ مهجة عاشقٍ تولَّع فيه الحبُّ حتى تولعا
وعينٌ أبت بعد الأحبة سَحَّها وفاءً بحقِّ الربع أن تتقشَّعا
سقى الله من وادي منًى كل ليلةٍ هي العمر كانت والشباب المودَّعا
ويا جادَ أيامًا بها قد تَصرَّمت ثلاثًا ومن لي أن أراهنَّ أربعا
وحيَّى مقامي بالمقام وأربعًا لدى عرفاتٍ يا سقاهنَّ أربُعا
فلله ما أبهى بمكَّة مشعرًا ولله ما أحلى لزمزم مشرعا
ألا ورعى دهرًا تقضَّى بجلِّقٍ ولولا الهوى ما قلت يومًا لها رعى
ويا عاقب الله الغرام بمثله لكي يعذر العشاق فيمن تولَّعا
خليليَّ مالي كلما لاح بارقٌ تكاد حصاة القلب أن تتصدَّعا
وإن نسمت من قاسيون رويحةٌ أجد أدمعًا مني تساجل أدمعا
وحتَّى مَ قلبي يستطيع إذا شدا حمام اللِّوى بالرَّقمتين ورجَّعا
وكم ذا أقاسي سورة البين والأسى ولا يرحم العذَّال منِّي توجُّعا
ألا هكذا فعل الغرام بأهله ومن بات في صنع الهوى ما تصنَّعا
عذيرِيَ من هذا الزمان وأهله ومن لي بمن يصغي لشكواي مسمعا
يخوِّفني منه العدوُّ قطيعةً ويظهر لي منه الصديق تفجُّعا
ولم يدر أني للقضاء مفوِّضٌ وما كان قلبي للقضاء ليجزعا
وقوله من أخرى، راجع بها أحمد بن شاهين:
حيَّتكِ يا دار الهوى بالأبرقِ وطفاء من نوء السِّماك المغدقِ
وغدت تفتِّق في نواحيك الصَّبا أرجًا يغصُّ رُباكِ مهما يعبقِ
وتكفَّلت أيدي الرَّبيع بمطرَفٍ لتراك تخلعه وبردٍ مونقِ
حتى ترى منك المغاني جنةً من سندسٍ تزهي ومن إستبرقِ
كم لذَّةٍ في جبهتيك خلسَتُها وهنًا وعين الدهر لمَّا ترمقِ
واهًا لها إن كان فرطُ تأوُّهي يجدي على شحط النَّوى وتحرُّقي
لله أيامي بجوِّ سويقةٍ سلفت بمصطبحٍ ولذَّةِ مغبقِ
أيام ريحان الشَّبيبة باسقٌ يندي وماء هواي غير مرنَّقِ
في حيث ظلُّ اللهو ضافٍ والنَّقا مهوًى لجارحةٍ وقلبٍ شيِّقِ
إذ منتداه مراد كل خريدةٍ بسوى خيالات الهوى لم تعلقِ
رودٌ يرنحها الغرام فتنثني سكرى كخوط نقًا تأود مورقِ
كم ليلةٍ بتنا بأكناف اللوى نلهو بذات الحجل ذات القرطقِ
بتنا على الوادي يراودنا الهوى طوعًا وغير الطرف لمَّا يفسقِ
[ ٢٠ ]
وكواكب الجوزاء ترنو حسرةً لنظام مجلسنا بطرفٍ محدقِ
والبدر في أفق السماء كزورقٍ صافي الُّلجين على رداءٍ أزرقِ
وكأنما نجم الثُّريا إذ بدا كفُّ الخريدة ضمَّ لم يتفرقِ
بانت وما بدَلت النَّوى ونأت وما حلَّت عقود تفرقي
يا ميُّ حتى مَ الدموع تشي بنا وإلى مَ في مضناك لم تترفَّقي
يا ميُّ أنفقت الغرام على النوى إلا هواك ذخرت لما أنفقِ
ما آن أن تتذكرين عهودنا ولياليًا سلفت بجو الأبرقِ
ما آن أن ترعى عشيَّات الحمى ومواسمًا مرت بغوطة جلِّقِ
الله يا لمياء في قلب امرئٍ لم يألُ ما عنَّ ادِّكارك يخفقِ
الله يا هيفاء في ذي عبرةٍ طفقت متى في الفكر خلتِ ترقرقِ
هذا أما وهواك وهو أليَّتي بأعزَّ من قسمٍ وأكرم موثقِ
لم تستمل طرفي رعابيب الحمى كلا ولا أبصر سواك فأعشقِ
ناجزت كل أخي غرامٍ فارعوى أهل الهوى عنِّي ولست بمملقِ
وكتمت سرَّ هواك وهو ذخيرتي عند اللقاء وربما أن نلتقي
يا ربع جلِّقَ لا أغِبَّك عارضٌ يهمي عليك بكل أسحم مبرقِ
وسرت تصافح من مغانيك الصبا ملمومةً فيها هواي ومعشقي
فيها مسامرتي ومعظم صبوتي فيها معاقرتي وفرط تشوُّقي
وله يصف وادي التل: أحد متنزهات دمشق، البلدة التي صورت بها الجنان، وأضحى وقفًا على القلب والجنان. وهو وادٍ مربع النبات، ومسرحٌ مخضر الجنبات.
زهرةٌ وأختها، وشجرةٌ وبنتها. وجرية ماءٍ ورنة صادح، ونشاط واصفٍ وروحة مادح.
إلى رياضٍ كبرود الخمصانة الرود، وحياضٍ كورود الثغر البرود.
وكان مضى له به عهدٌ فارقه وهو عليه واجد، مع فتية صدقٍ هم والحظ المرافق شيءٌ واحد.
أقمنا بوادي التل نستجلب البسطا بحيث دنا منا السرور وما شطَّا
وجئنا لروضٍ فتَّقت نسماته روائح يبعثن الألوَّة والقسطا
وقد ضربت أفنان أغصانه لنا ستائر إذ مدت خمائله بسْطا
يباري به الورق الهزار كراهبٍ يحاكي بعبرانيِّ ألفاظه القبطا
ويعطف ما بين الغصون نسيمه كما اجتمع الإلفان من بعد ما شطَّا
وتملي أحاديث الغرام لحوظُها فترويه لكن ربما نسيت شرطا
جلسنا على الرَّضراض فيه هنيئةً وقد نظمت كالدُّرِّ حصباؤُّه سمطا
به من لجين الماء ينساب جدولٌ تجعِّده أيدي النسيم إذا انحطَّا
حكى مستقيم الخطِّ عند انسيابه فنقَّط منه الوجه زهر الرُّبى نقطا
سقى الله دهرًا مرَّ في ظله لقد أصاب بما أولى وإن طال ما أخطا
وحيَّ على رغم النَّوى كل ليلةٍ تقضَّت به لا بالغوَير وذي الأرطا
ليالي لا ريحانة العمر صوَّحت ولا وجدت في أرضها الجدب والقحطا
صحبت بها مثل الكواكب فتيةً أحاديثهم في مسمعي لم تزل قرطا
يفضُّون مختوم الصبابة والهوى ويرعون حب القلب لا البان والخمطا
إذا نثروا من جوهر اللفظ لؤلؤًا أودُّ ولو بالسَّمع ألقطه لقطا
يديرون من كأس الحديث سلافةً وربَّما تحكي الأحاديث إسفنطا
ومن نتفه قوله:
يا من هواه بقلبي ليس يبرح من بين الترائب ترب الشوق والأسفِ
أليَّةً بليالينا التي سلفت وبالغرام وإن أدَّى إلى تلفي
وبالدموع التي أجريتها غدرًا ومدمعٍ فيك لم يطعم كرى ذرفِ
لأنت أنت على ما فيك حبُّك في جوانحي كامنٌ كالدرِّ في الصدفِ
[ ٢١ ]
وكتب إلى صدر الشام وعالمها، ومن به قامت دعائم معالمها عبد الرحمن العمادي المفتي:
رحمة العلم والفتاوى عليه وصلاة الأقلام في الأوراق
وقوله:
القلب أصدق شاهدٍ عدلٍ على صدق المحبه
ومن القلوب إلى القلو ب مواردٌ للحب عذبه
طوبى لمن يسقى بكا س رحيقها المختوم شربه
فراجعه بقوله:
الحبُّ أظهر من إقا مة شاهدٍ بين الأحبه
ومحبةٌ برهانها عينٌ العيان تعدُّ حبَّه
وإذا ارتضى المولى بفت وى القلب فليستفت قلبه
ومن شعره ما قاله عاقدًا فيه حديث: أحبب حبيبك هونامَّا فعسى أن يكون بغيضك يومامَّا، وأبغض بغيضك هونامَّا فعسى أن يكون حبيبك يومامَّا:
بين المحبة والتباغض برزخٌ فيه بقاء الود بين الناسِ
بخلاف أقصى الحب أو أقصى الذي هو ضدُّه من كل قلبٍ قاسي
فمآل كلٍّ منهما ندمٌ على تفريطه ندمًا بغير قياسِ
ومن مقاطيعه قوله:
إذا ما أزمع الأحباب ظعنًا وثار لدى الوداع حنين وجدي
فقل لهم بعبرة ذي ولوعٍ تمتَّع من شميم عرار نجدِ
تتمته:
فما بعد العشيَّة من عرار
قال أبو هلال في كتاب المعاني: الألوان، يعني من النساء، تعتريها بالعشية صفرةٌ مستحسنة، كما قال:
. . . وصف راء العشيَّة كالعراره
قال الشهاب: أقول: العرار زهر بري أصفر، ومن هنا يفهم معنى قوله:
فما بعد العشيَّة من عرار
وقوله مضمنًا:
إن هبَّ ريح التنائي بين الرفاق عصوفا
فقل حشاشة نفسٍ وقل خلقت ألوفا
يريد بيت المتنبي:
حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوا فلم أدر أيَّ الظاعنين أشيِّعُ
وبيته الآخر:
خلقت ألوفًا لو رجعت إلى الصِّبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وقوله:
إن رحَّل القوم عنا ركابهم ظاعنينا
فقل لهم بانكسارٍ يا من يعزُّ علينا
تتمته:
أن نفارقهم وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ
وقوله:
أحببتها هيفاء يزري قدُّها بالغصن رنَّحه النسيم وحرَّكا
مرت فضاع المسك من أردانها فوددْتُ بالأردان أن أتمسَّكا
وقوله:
يا ويح قلبي من هوى شادنٍ يجرحه اللَّحظ بتكراره
أدنو فتغدو وردتا خدِّه بنفسجًا يزهو بنواره
وقوله:
أفٍّ لدُنيا لم تزل عن وجه ذلٍّ سافره
تعميرها مستلزمٌ تخريب دار الآخره