حاكم حماة صانها الله وحماها، ولا زالت حوامل المزن تحط أثقالها بحماها.
أميرٌ وابن أمير، وروض نضير، أنشأه ماءٌ نمير.
تلقى راية المجد بيمين عرابة، وما أتى أمرًا قط وفيه غرابة.
وجَلا الإمارةَ في رَفيفِ نضارِة جلَتِ الدجى في حُلَّةِ الأنْوارِ
في حيثُ وَشَّح لبَّه بقِلادةٍ منها وحلَّى مِعْصَما بسِوارِ
فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح.
فالسيف من جملة خدمه، والقلم يقوم في خدمته على رأسه عوض قدمه.
يكتب فيجعل للأقلام حجة قاطعة على السيوف، وينتضي سيفه فيقول القلم مالي بارقة في ميدان هذا الحتوف.
وإن جرى أدهم قلمه في حومة البراعة فهو سباق الغايات، وإن غردت حمائم نفثاته على غصون أقلامه قيل جاء من الزمر ما غطى على النايات.
وهو جواد مبسوط الكف، ما أعرض يومًا عن مكرمة ولا كف.
فجوده يغني عن القطر إذا شم الغمام، ونعمه هي الأطواق والناس الحمام.
[ ٢٦٤ ]
وكان عصره كابتسام البرق إذا خفق، والصبح إذا تكشف عن الشفق.
لم يتعلق أرج الكرم بغير أثوابه، ولم يتعشق صب الثناء إلا تراب أبوابه.
وأهل الأدب يروحون إليه على وجد ويغدون على وجد، ويتنافسون على مدائح أخلاق خلقن من محض المجد.
وهو مع شغله بالمنصب، وتشتت فكره بغرض المتعصب.
لا يخلو من مطارحات تدل على ندماء مجلسه بإيرادها، ومناظيم يجلو بها عليهم الحور العين في أبرادها.
وشعره مثقف المباني، له اتحاد بالمثالث والمثاني.
أبرزت منه إلى العيان، ما هو ألذ من عزف القيان.
فمنه قوله من قصيدة يشتكي فيها من الزمان:
حاديَ العِيسِ سِرْ بغير ارْتيابِ ففؤادي قد حَنَّ للاغْترابِ
لا أُرِيد الأوطانَ والذلَّ فيها واضِعًا طوقَه بأعلى الرِّقابِ
ولو أنِّي قضَّيتُ فيها سرورًا في شبابي لم أكتئِبْ لمُصابِي
بل تولَّتْ نَضَارةُ العمرِ منّي بين عَيْشٍ ضَنْكٍ وفَرْطِ اكْتئابِ
فالفرارَ الفرارَ من دار هُونٍ تركَتْني أشكو زمانَ الشبابِ
وإذا الضَّيْم ما أقام فأحْبِبْ بجيادٍ تمُرُّ مَرَّ السحابِ
لم يكن في مُقامِ ذَ اللُّبِّ فضلٌ قطَع السيفُ وهْو ضِمْنُ القِرابِ
أدرَك المسكُ بالتنقُّل شأْوًا وهْو في أرضِه دُوَينُ الترابِ
فالفتى الشهمُ من إذا شام ضَيْمًا لا يُبالِي بفُرْقة الأحبابِ
منها:
كيف مُكْثي ما بين أظْهُر قومٍ عهدُهم في ثَباتِه كسَرابِ
جارُهم إن غدا عزيزًا عليهمْ كان كالشَّاةِ في مَقِيلِ الذئابِ
هم إذا صادَرُوا أسودَ شَراءٍ وإذا حارَبوا فدون الكلابِ
كم أناسٍ من دارِهم أخرجوهمْ ليسُومُونهم بسوءِ العذابِ
إن فِرْعَوْن ثم نَمْرودَ كانا دونهم في اخْتراع سوءِ العذابِ
ومَساوِيهمُ التي مِثْلُ هذا عَدَدُ الرملِ والحصا والترابِ
ربِّ يا من أباد عَادًا وأوْدَى بثَمُودٍ ذوِي النفوسِ الصَّعابِ
لا تذَرْ منهمُ على الأرضِ شخْصًا إنهم جاحدون نَصَّ الكتابِ
وانتقِمْ مُسرِعًا وعجِّلْ عليهمْ ليس فينا صبرٌ ليوم الحسابِ
قوله: " قطع السيف " إلخ. من قول بعضهم: السيف لا يقطع في قرابه، والليث لا يفترس في غابه.
وقوله: " أدرك المسك "، من قولهم: المندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دمٌ في سرر غزلانه.
وله من قصيدة أخرى، أولها:
تبَّدتْ فأضْحى البدرُ في الأُفْق غائبًا وشامَتْ فوَلَّى الظَبْيُ في البِيدِ هاربَا
رَبِيبةُ خِدْرٍ يحرس الحسنُ وجهَها بسهمِ لِحاظٍ يجعل يجعل القوسَ حاجِبَا
إذا ابْتسمتْ عن صُبْح ثَغْرٍ مُنوَّرٍ تُشاهد منها في النهار كواكبَا
وإن برزَتْ في أسْود الشَّعْرِ ضحْوةً رأيتَ الدجى للصبحِ أضحى مُصاحبَا
فما دَوْحةٌ سَقى النَّدَى نَسْجَ بُرْدِها وحاكتْ حِبالُ الشمس منه جَلائبَا
مُلوَّنةٌ من خَيْط ليلٍ وفجرِه مُنوَّعةُ الألْوانِ تُبْدِي العجائبَا
إذا سائلُ الغُدران حَنَّ صَداؤُه وطائرُها المَيْمون غنَّى مُجاوِبَا
بأبْهجَ منها حُلَّةً وطَراوةً وأخْصبَ مَرْعىً من حِماها وجانبَا
لها لا لِعَزّ حُقَّ وَصْفُ كُثَيِّرٍ وتَوْبة في ليْلَى أعادتْه كاذِبَا
صدق توبة ليلى مشهور، وأصله ما روي أنه لما شغف بها، واشتهر أمره وأمرها به، قال:
ولو أنَّ ليلى الأخْيَلِيَّةَ سلَّمتْ عليَّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلّمتُ تسلِيمَ البَشاشةِ أوزَقا إليها صَدىً من جانب القبر صَائحُ
[ ٢٦٥ ]
فيقال: إنها مرت على قبره، وهي راكبة على جمل، ومعها زوجها، فقال لها زوجها: هذا قبر الكذاب، سلمي عليه، حتى ننظر وعده.
فقالت له: خلِّه، فقد مات إلى رحمة الله تعالى.
فقال لها: لا بد من ذلك.
فسلمت عليه، فطار من جانب قبره طائرٌ، فهاج جملها، فوقعت اندقت عنقها، فدفنوها إلى جانبه.
أخرجه صاحب " الأغاني " عن المدائني.
وله في النسيب:
آهِ مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْ وهْيَ تلْهو ومُهجتِي وَلْهانَهْ
ذاتُ ثَغْرٍ كأنه الُّلؤْلؤُ الرَّ طْبُ حكى كفَّها وحاكى بَنانَهْ
قولهم: " في اللؤلؤ الرطب " كناية عما فيه من ماء الرونق والبها، ونعمة البشرة وتمام النقا؛ لأن الرطوبة فصل مقدم لذات الماء، فهي تنوب عنه في الذكر، وليس يعني بالرطوبة فيه المعنى الذي هو نقيض اليبوسة.
قاله أبو الريحان في كتابه " الجماهر ".
وقوله: " حكى كفها وحاكى بنانه ".
المراد بمحاكاة كفها في تناسب أصابعه واستوائها، وبمحاكاته لبنانه في حمرتها؛ فيكون قصد تشبيهين: تشبيه أسنانها، وتشبيه شفتيها.
هذا ما يظهر من البيت.
هي في القَدِّ غصنُ بَانٍ ولكن مَن رأى النَّهْد قال ذي رُمَّانَهْ
يا عجيبًا منها تظُن سُلُوًّا من فؤادي وتشْتكي سُلْوانَهْ
يا عجيبًا أني أُرِيد رِضاها وهْيَ في حالةِ الرضا غَضْبانَهْ
لستُ أخْشَى بحبِّها من عَذُولٍ فدَعُوه فينا يُطِيل لسانَهْ
حاصلُ الأمْرِ أن يقول فلان طار صِيتًا بحبِّه لفُلانَهْ
أنا صَبٌّ بحبِّها مُستهامٌ ملَك الحبُّ سِرَّه وعَيانَهْ
لستُ أنْسَى لمَّا أتتْ ورَقِيبِي عينُه من يد الكرَى مَلآنَهْ
تتخطَّى العيونَ شرقًا وغربا ضمنَ عينٍ بشَرْقها غَربَانَهْ
ضِمْنَ ثوبٍ من التقى مُستعارٍ بعفافٍ قد طَيَّبتْ أرْدانَهْ
وقضيْنا الوِصَال رَشْفا وضَمًّا بقلوبٍ هَيْمانةٍ حَرَّانَهْ
وأراد الجُموحَ طِرْفُ التَّصابِي فلويْنا عما أراد عِنانَهْ
وملكْنا نفوسَنا برِضاها وزجَرْنا بعِفَّةٍ شيطانَهْ
فدعِ العاذلين ينْقُلْنَ عني آه مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْ
وكان ليلة ألف مجلس راح، في موسم أفراح.
يحسد اتساقه الدر، وتتمنى إشراقه الزهر.
فلما محى عنبر الظلام كافور الصباح، نادى مؤذن القصف: حيَّ على الاصطباح.
وردت عليه رقعة من أحد أحبائه، الواقفين على سر حقيقة أنبائه.
ومكتوب فيها:
على الباب المعظَّم عَبْدُ رِقٍّ بأنواعِ الحِبا منكم يفُوزُ
يجُوز البابَ عن إذنٍ كريمٍ وإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ
فلما قرأها تهلل كأنما منح بعمر معاد، أو حصل من حبيب مماطل على ميعاد.
ثم كتب إليه:
يحيط بعلْمكم أنَّا نَشاوَى وقد جُلِيتْ لنا بِكْرٌ عجوزُ
فإن جوَّزْتمُ ما نحن فيه وإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ
وحكى بعض ندمائه، قال: دخلت عليه في مرض موته، فصادفت بريدًا جاء بتقليد حماة، بعد عزل وقع له، فالتفت، وقال بصوت ضعيف: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "، وحان من الحين المكتتب ما حان.
فدعوت له بامتداد الأجل، وسليته عن ذلك الاضطراب والوجل.
فرأيته قد تجمع، وبكى ملء جفونه وتوجع.
وقال: والله ما أبكى إلا من يسوءه الآن بعدي، وهو يتمنى الأوداء بعدي.
ثم أنشد:
لا يحسَب الإنسانُ بعد ذَهابِه مُكْثَ الأسَى في عِشْرةٍ وقَرِينِ
في الْحالِ يعْتاضُون عنه بغيرِه ويعود ربُّ الحزنِ غيرَ حزينِ
العَنْدلِيبُ الوردُ كان أمامَه لمَّا مضى غنَّى على النِّسْرِينِ
ثم فارقته، ففي تلك الليلة تولاه مولاه، وفارق دنياه.
فبكى عليه السيف والقلم، وانفجع فيه العِلْم والعَلَم.