فارس مجال، ورب روية وارتجال.
تؤخذ الفصاحة عن لفظه، وتستملى فنون البلاغة من حفظه.
وله حظٌ من الأدب عظيم، واختصاص بنثير ونظيم.
إلا أن شعره أمل الكثرة، وهي كما عرفت متواخيةٌ مع العثرة.
وكان نبا به من حداثته وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه.
فطار كل مطار، ولم يعرج على أوطانٍ واوطار.
ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ.
كان كلفًا بالغلمان، معنىً بهم في كل زمان.
وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة، واهم به هيمان ذي الرمة.
وتحمل فيه أنواع المشاق، وشهد حتى مصارع العشاق.
وشرب بالفتى، ولم يقل السلو متى.
وكان قد فضح النهار ليله، وأفعم الهرم في لهاته سيله.
فمضغته أفواه التشنيع، وعضته أضراس الندامة على هذا الصنيع.
ثم خرج عنه الفتى مجانبًا، وخلاه هو وكمده جانبًا.
واتفق له أنه كان في جمعٍ من الأعيان، ممن يضيق عن وصف تيقظهم نطاق البيان.
إذ سقط الفتى سقوط الندى، وحل حلول الأمل في ذلك المنتدى.
فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشيًا عليه، وفمه على ظاهر قدميه.
فاغتنم تلك الفرصة، وأطفا بتقبيلها تلك الغصة.
والفتى يظهر امتناعه، والحيا حط عليه قناعه.
حتى زايل مكان زلة القدم، هناك قرع الشيخ سن الندم.
وشرع يطلب العفو، وينسب ما وقع منه إلى الغفو.
ثم لم يقر به القرار، دون أن عزم على الفرار.
وخرج إلى الروم حامل أثقال، وهو بريد ترحل وانتقال.
وانتهى أمره إلى أن صار قاضيًا بصوفيه، وبها انتقل من ظل العافية، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية.
وقد أثبت من شعره ماله في إصابة شاكلة الصواب اشتهار، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار.
فمن ذلك قوله:
رأى ما حلَّ من فَرْط الْتهابِي ومن مَيْل الجفون إلى انْتهابِي
فمال إلى انْعطاف العِطْف نحوِي وأحْيَى القلب من رَشْف الرُّضابِ
وقام لنشْر بُرْدِ الوصل يطوِي بأيدي اللُّطف أردِيَة العِتابِ
غزالٌ كالغزالة قد غَزانِي بأجْفانٍ أصابتْ كلَّ صَابِي
صَبا قلبي إليه فكلُّ صَبٍّ سليمُ الطبع مأسورُ التَّصابِي
جرحتُ بنظْرتي خَدَّيْه وَهْما فقابلَني بأنْواع العقابِ
أرى تعْذيبَه للقلبِ عَذْبًا لأُسْقَى من مَراشفِه العِذابِ
متى حسَر النِّقابَ عن المُحيَّا سَبَى العقلا ويسْبِي في النِّقابِ
بكأسِ الثغرِ منه عِقْدُ دُرٍّ تكلّل مثلَ حَبَّات الحَبابِ
إذا أتْبعتُه في المشْيِ طَرْفِي فلا أدْري الضلالَ من الصوابِ
أدار على صباحِ الجِيد شعرًا كلَيْلٍ جَلَّ حسنا عن خِضابِ
وسَيَّبه على الأرْدافِ يسْعَى كأفْعى في الْتِفاتٍ وانْسيابِ
قسا قلْبًا ولكن لاَن عِطْفًا أما هذا مِن العَجَب العُجابِ
قضى بالقتْل للعشَّاق قطعًا بحُكْمٍ منه قَطْعِيِّ الجوابِ
وذلك حين أدْمَوْا منه خَدًَّا بنَظْرتهم له خلفَ الحجابِ
ولم يُقِمِ الشهادةَ حالَ قتْلٍ لكيْ يحتاج فيها للنِّصابِ
يُصيب إذا رمى في القلبِ سهمًا وكم بالْجَفْن منه مِن مُصابِ
قد اسْتلَب النُّهَى باللطفِ منِّي وبالَغ في فُنون الإسْتلابِ
فنارُ القلب منِّي في الْتهابٍ وطَرْفي الصَّبُّ منه في انْصبابِ
وقوله في الغزل:
أيامَن يُحيِّي الحسنَ منه بدورُ وقد جذبتْه للخُدورِ بدورُ
أراك تجُوز الحيَّ بالقلب خائفًا رقيبًا ومِن شأن المحبِّ يزورُ
أمالَك أن تَثْنِي العِنانَ لحَيِّ من يُزار فمحبوبُ القلوبِ مَزُورُ
فكن مُصْيغًا سمعًا فإن لسانَه يقول لأرْباب المحبَّةِ زُورُوا
[ ٢١٢ ]
إذا زرتَ أحْياء الأحبَّة زُرْهُم وإلاَّ فدَعْواك المحبَّةَ زُورُ
وقوله:
وأهْيَفٍ زارني والليلُ مُعتكِرٌ فأشْرقتْ من سَنا لأْلائِهِ دورُ
قالت عقاربُ صُدْغَيْه ندُور على لَسْعِ الحشا قلتُ ها كُنَّ الحشَا دُورُوا
وهذا في باب التورية مستظرف.
ومثلع قول بعضهم:
هَويْتُ غصنًا لأطْيارِ القلوب على قَوامِه في رياض الوجدِ تغْرِيدُ
قالتْ لَواحظُه إنا نَسُودُ على بِيض الظُّبا قلتُ أنتم أعينٌ سُودُوا
وقوله من قصيدة، مطلعها:
هو الوجدُ في روضِ القلوب مَنازلُهْ يترجمُ عنه أين حَلَّ مُنازِلُهْ
وأين خَلِيُّ السرِّ من عارف الهوى فَذَا عالمٌ فيه وذلك جاهلُهْ
ولولا الهوى ما مال قلبٌ إلى الهوى ولا غرّدت من فوق غصنٍ بَلابلُهْ
فهل حافظ فيه حديثًا مُعَنْعَنًا يُسائلني عنه وعنه أسائلُهْ
فمالي وللأطلالِ لا طال ظِلُّها أُناشدُها عمَّن ترُوح رواحلُهْ
ومالي وذِكْرِى للمَشِيبِ سَفاهة وقد فعل التَّشْبيبُ ماهو فاعلُهْ
ومالِي وللبَيْداءِ أقْطع مَتْنَها على ظهرِ يَعْبوبٍ تناءتْ مَراحلُهْ
ومالي ورَسْمِ الدارِ والرسمُ قد عفَى وماذا عسى يومًا يُجاب مُسائلُهْ
ومالي ووصفِ الشيبِ لا بان صَحْبُه ولا ظهرتْ في العارِضَيْنِ مَخائلُهْ
ولا انْفكَّ طِرْفُ اللهوِ يجرِي على الصَّفا بمِضْمار شوقٍ لا تكِلّ جحافلُهْ
ولا قصُرتُ يومًا خُطاه ولا انْثنتْ قوائمُه في السَّبْق عمَّا تُحاولُهْ
ولا زِلْتُ في ليل الشَّبيبةِ والصِّبا تُضيءُ علينا بالسرورِ مَشاعلُهْ
ولا عُطِّلتْ أوقاتُ صَفْوٍ ولا خلَتْ من الأُنْسِ ساحاتُ الهوى ومنازلُهْ
وما زال غصنُ العمرِ بالعِزِّ مُورِقًا ومَنْشؤُهُ صافِي المَناهلِ آهلُهْ
ولا برحت في الدهر مرآةُ عيْشِنا صَقِيلةَ وجهٍ لا تراه نوازِلُهْ
ولا هجرَتْ ذاتُ السِّوارِ مُتيَّمًا يقابلُها يوم اللقا وتقابلُهْ
ولا صَدَّ خالي العارِضيْن ولا ثَنَى ولا مال عنِّي مائلُ القَدِّ مائلُهْ
غزالٌ متى ما رُمْتُ أُفْهِمُه الجوَى يغازلُني من جَفْنِه وأغازلُهْ
منها:
عواملُه في القلب قَدٌّ وحاجبٌ وجَفْنٌ وكم في الخلْقِ صالَتْ عوامِلُهْ
فذلك رُمْحٌ والحواجبُ قَوْسُه وذلك سيفٌ قد حَمَتْه حواملُهْ
به صِرْتُ أوْهَى من خيالٍ إذا سَرَى لذلك جسمى زائدُ السُّقْمِ ناحِلُهْ
ورأى بدار الخلافة سربا من الظّباء الغيد، قد اعتلوا النّواعير في أيام العيد.
فدارت تلك الأفلاك، بهاتيك النجوم الممثّلة بالأملاك.
فقال يصفهم:
ما شاهدتْ مُقلتي في غُرْبتي حسَنًا إلاَّ بُدورا بدارِ الرُّومِ قد سُلِبُوا
كأن نَاعورةً دارتْ بهم طَرَبًا قلبي فهم كيف ماشاءُوا به انْقلبُوا
وقال أيضًا:
ويومِ عيدٍ كساه الأُنسُ حُلَّتَهُ كم من جميلٍ به في صُورةِ المَلَكِ
بُدورُ تِمٍّ بأُفْق الحسنِ قد طلَعوا فزال ما كان في الأكْوان من حَلَكِ
كأنهم في نَواعيرٍ تدُورُ بهم نجومُ أُفْقِ السَّما في دَارَةِ الفلَكِ
ووقفت على ديوان جمعه لنفسه، وكتب على ظهره من نظمه، قوله:
ستفنى الليالي واللآلِي بحالِها وما هي إلا النظمُ من حافظ الوُدِّ
فإن عشتُ أنْعشْتُ الزمانَ وإن أمُتْ فلى شاهدٌ بالنظمِ والنثرِ من بعدِي