القول في عقيدته مُتشعِّب، والأمر في تبْرئته وعدمِها متصَعِّب.
وأنا لا أشكُّ في إيمانه، وأعتقد فيه ما يعتقده أهل زمانه.
وأقول إذا وصفت شانه: إن إطلاق الدّرزيّ عليه مما شانه.
كيف وتوبة هذا الحزب ردّها الشرع، والحاكم بقبولها مخالف لأمر الله في الأصل والفرع.
وقد جمعني وإيّاه القضاء والقدر، في أوقات كنت لاأعرف فيها الغمّ والكدر.
فرأيت رجلا ذا لسان فصيح، جاريًا من هواه في ميدان لهوٍ فسيح.
لايصدّ إذا صمّم، ولا يردّ عما يمّم.
وهو يغالي في شعره، ويتشكّى كساد سعره.
[ ٢٢١ ]
ويزعم قوم أنه يتنسّك في ملئه فتكا، ويتهتّك في وحدته هتكا.
ويحبط في الأعمال ويتبر، وهو يهلّل ويكبّر.
ويحسّن ويقبّح، وهو يستغفر ويسبّح.
وكنت عزمت على أن لاأطري له ذكرا، وأخلص من أن آتي شيئًا نكرًا.
ثم عنّ لي الإتيان به، لمكان فضله وأدبه.
ولم أقصد بذكر هذه العيوب، التي يعلم حقيقتها علاّم الغيوب.
بغض شخصٍ فات، واقتفته يد الآفات.
وحاشا الله أن أكون ممّن يصدر ذلك من فيه، ولكن عملًا بما سمعته من الناس فيه.
والله يحبوه منه لطفًا خفيًّا، وينيله عفوًا يكون به حفيًّا.
فمن شعره، وهو معنى لطيف:
حكى دخانًا سَما من فوق وَجْنَةِ من قد مَصَّ غلْيونَه إذ هزَّه الطربُ
غيمٌ على بدرِ تِمٍّ قد تقطَّع من أيْدي النسيمِ فولَّى وهْو ينسحبُ
فقلتُ والنارُ في قلبي لها لهبٌ لقد حكيْتَ ولكن فاتَك الشَّنَبُ
والبيت الثاني، منه قولي:
ما كان إعطاؤُه الغلْيونَ عن مَلَلٍ منَّا وحاشا بهذا قَطُّ ماعُرِفَا
لكن أراد يُرِينا من بدائِعه بدرًا تقطَّع عنه الغيمُ فانْكشفَا
وكتب إلى عليّ بن بجع البعليّ، وكان أعاره مجموعا، فردّه عليه:
أرسلتَ مَجْموعي وقد أمْسكتَ ما هو قلبيَ الموْدُوع بين ضلوعِي
فبكيتُ من شَوْقِي إليه مَدامعًا حمرا وليْست غير صِرْفِ نَجِيعِي
فجرتْ على هذي البطاقةِ أحْرُفًا مجموعُها يُومِي بِسلْب جميعِي
تذكرت بالبيت الأول، ما يروى أن بعض الأدباء استعار من آخر مجموعا، ومطله به، ثم اجتمعا في مجلس بعد تراخ، فقال المستعير: إنّي متشوّق إليك، وقلبي عندك.
فقال الآخر: وأنا متشوّق إليك، ومجموعي عندك.