ركن محدٍ ركين، مكانه في ذروة الرياسة مكين.
رسا في في بحبوحة البسالة ورسسخ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ.
وهو من قومٍ تنوس ذوائبهم على هام الجبال، وتستمد الشموس من سناهم فلذا ترخى عند المغيب الحبال.
تقطع إليهم الوعور فتلفى بشوقهم صعيدا، وتستبعد لغيرهم السماوة ولا يرى السماء بقصدهم بعيدا.
وأبوه زين الدين ممن كان له صيتٌ يفلق الصخر، وتقدم فيما بينهم ينفلق عنه فجر الفخر.
إلا أن الأيام غالته بطوارقها، ونازلته برواعدها وبوارقها.
على جهد في قتله جهيد، حتى ألقى السمع وهو شهيد.
فخلفه ابنه حسن، ومن حديث فضله صحيحٌ حسن.
فقام مقام الوبل في البلد المحل، وكان أندى من الصبا وأشهى من جنى النحل.
يبتدر ويروى، وينقع بزلال أدبه ويروى.
ويمتع بأحاسن الأخبار، ويقطع منها جانب الاعتبار.
مع فكرةٍ ماؤه يسيح، وطبعٍ بستانه فسيح.
وله مؤلفات حسن فيها كل الإحسان، أجلها منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان.
وأما شعره فلبنان منبت زهرة الفواح، ونسيمه الطلق راوي حديث نفحته للأرواح. وقد أثبت منها ما يردد محاسنه الدهر ويرويها، وينشر فضائله على كواهل الأدب ويطويها.
فمنه قوله:
فؤادِي ظاعنٌ إثْرَ النِّياقِ وجسمي قاطنٌ أرضَ العراقِ
ومن عجَبِ الزمانِ حياةُ شخصٍ ترحَّل بعضُه والبعض باقِ
وحلَّ السُّقْمُ في بدني وأمْسَى له ليلُ النَّوَى ليلَ المَحاقِ
وصَبْرِي راحلٌ عمَّا قليلٍ لشدة لَوْعتي ولَظَى اشْتياقِي
وفَرْطُ الوَجْدِ أصبح بي خليقًا ولمَّا يْنوِ في الدنيا فِراقِي
وتعبثُ نارُه في الرُّوح حسنًا فيوشك أن تُبِّلغَها التراقِي
وأظْمأني النَّوى واراق دمعي ولا أُرْوَى ولا دمعي بِراقِ
وقيَّدني على حالٍ شديدٍ فما حِرْزُ الرُّقَي منه بِوَاقِ
أبَى اللهُ المهيمنُ أن تراني عيونُ الخلق محلولَ الوَثاقِ
أبِيتُ مَدى الزمانِ لنارِ وَجْدِي على جمرٍ يزيد به احْتراقِي
وما عيشُ امْرِئٍ في بحرِ غَمٍّ يُضاهِي كربُه كَرْبَ السِّياقِ
يوَدُّ من الزمان صفاءَ يومٍ يلُوذُ بظله مّما يُلاقِي
سقتْنِي نائباتُ الدهرِ كأسًا مَرِيرًا من أباريقِ الفِراقِ
ولم يخطُرْ ببالِي قبلَ هذا لفَرْطِ الجهل أن الدهرَ ساقِ
[ ٢٢٨ ]
وفاض الكأسُ بعد البَيْنِ حتى لَعَمْرِي قد جرَتْ منه سَواقِ
فليس لِداء ما ألْقَى دواءٌ يُؤمَّل نفُعه إلَّا التَّلاقِي
وقوله: وهو من أبدع ما هزَّ به الشوق، بعصا السوق.
يتشوق إلى محله، ويندب بعد ترحله عنه ومرتحله:
طولُ اغْترابِي بفَرْط الشوقِ أضْنانِي والبَيْنُ في غَمَراتِ الوَجْدِ ألْقانِي
يا بارِقًا من نواحِي الحيِّ عارَضنِي إليك عنِّي فقد هَيَّجْتَ أشْجانِي
فما رأيُتك في الآفاقِ مُعترِضًا إلا وذكَّرْتني أهلى وأوْطانِي
ولا سمعتُ شَجا الورْقاءِ نائحةً في الأيك إلا وشبَّتْ منه نيرانِي
كم ليلةٍ من ليالِ البَيْنِ بِتُّ بها أرْعَى النجومَ بطَرْفِي وهْي تَرْعانِي
كأن أيْدِي خُطوبِ الدهر منذ نأَوْا عن ناظرِي كحَّلَتْ بالسُّهْدِ أجْفانِي
ويا نسيمًا سرَى من حَيِّهم سحرًا في طَيِّه نَشْرُ ذاك الرَّنْدِ والْبانِ
أحْيَيْت مَيْتًا بأرْضِ الشام مُهجَتُه وي العراق له تَخْيِيلُ جُثمانِي
وكم حييتُ وكم قد مِتُّ من شَجَنٍ ما ذاك أوَّلُ إحياءٍ ولا الثاني
يالائمِي كم بهذا الَّلوْمِ تُزعِجني دَعْني فلَوْمُك قد واللهِ أغْرانِي
لا يسكُن الوجدُ مادام الشَّبابُ ولا تصْفُو المشاربُ ليِ إلَّا بلُبْنانِ
في رَبْعِ أُنْسِى الذي حلَّ الشبابُ به تَمائِمِي وبه صَحْبي وخِلانِي
كم قد عهدتُ بهاتيك المعاهدِ مِن إخْوانِ صِدْقٍ لَعَمْري أيُّ إخوانِ
وكم نقضَّتْ لنا بالحيِّ آونةٌ على الَمسرَّة في كَرْمٍ وبُستانِ
لم أدْرِ حالَ النَّوَى حتى علِقْتُ به فغَمْرتي من وقُوعِي قبل عِرْفانِ
حتَّى مَ دهري على ذَا الْهَوْنِ تُمسكني هلا جنَحتَ لتسْريحٍ بإحْسانِ
أقسمتُ لولا رجاءُ القرْبِ يُسعِفني فكلَّما مُتُّ بالأشواق أحْيانِي
لكدتُ أقْضِي بها نحْبِي ولا عجبٌ كم أهَلك الوجدُ من شِيبٍ وشُبّانِ
يا جِيرةَ الحيِّ قلبي بعدَ بُعدِكمُ في حَيْرةٍ بين أوْصاب وأحْزانِ
يمضي الزمانُ عليه وهو ملتزِمٌ بحبِّكمْ لم يُدنِّسْه بسُلوانِ
باقٍ على العهدِ راعٍ للذِّمامِ فما يُسوم عهدَكمُ يومًا بنِسيانِ
فإن بَراني سَقامِي أو نأَى رَشَدِي فلاعِجُ الشوقِ أوْهانِي وألْهانِي
وإن بكتْ مقلتي بعد الفِراقِ دَمًا فمن تذكرِكم يا خيرَ جِيرانِ