هو في الإشراق مستمدّ الشمس، وله مزيّة اليوم على الأمس.
نبيه المقدار والمكانة، متحلٍّ بالتصلّف والاستكانة.
ركض في ميدان الطلب مطايا الأشواق، وضرب آباطها بعصا المشارب والأذواق.
حاديه أمله، ودليله عمله، والراحلة عمله.
وهو في الإسآد والإعناق، مهدي تحف القبول لجواهر الأعناق.
حطّ رحله ببلاد فارس، فطابت بها منه مجانٍ ومغارس.
ووجد مشربا عذبا من الشّاه فورد، وقصّرت النّظراء عن مداه فانفرد.
بطبعٍ ألطف من نسيم السّحر، يمسح عن عيون الأكمام ويعانق قدود الشّجر وأدبٍ يجري في ميدانه طلق العنان، ويمضي في معركته ماضي الظّبة والسّنان.
ولم يزل يتردّد من بلدةٍ إلى أخرى، وتتعاقب عليه مراتب لم تجد أحقّ منه ولا أحرى.
حتى اخترمه الأجل، ومضى لما عند الله ﷿.
وقد أثبتّ من نظمه ما يزري ائتلافه بلؤلؤ العقود، ومن نثره مايزين نقده النقود.
فمن ذلك قوله:
فاح نَشْرُ الصَّبا وصاح الديكْ وانْثنى البانُ يشتكي التحريكْ
قُم بنا نجْتلى مُشَعْشَعةً تاه من وجْدِه بها النَّسِّيكْ
لو رآها المجوسُ عاكفةً وَحَّدُوها وجانبوا التَّشْريكْ
إن تَسِرْ نحونا تُسَرَّ وإن مِتَّ في السيْر دوننا نُحْييكَ
وهو أول من اخترع هذا الوزن والقافية، واقتفى أثره ابنه البهاء، في قوله:
يا نَدِيمِي بمُهجتي أفْديكْ قُمْ وهاتِ الكؤُوسَ من هاتِيكْ
ثم تداول الأدباء هذا الوزن والقافية، ولولا خوف الملل لذكرت من ذلك الجملة الكافية.
ومن شعره قوله:
ما شمَمْتُ الوردَ إلا زادني شوقًا إليكَ
وإذا ما مال غصنٌ خِلتُه يحنُو عليكَ
لستَ تدري مالذي قد حلَّ بي من مُقْلَتيْكَ
إن يكنْ جسمي تناءَى فالحشَا باقٍ لديْكَ
كلُّ حسنٍ في البرايا هو منسوبٌ إليكَ
رُشِق القلبُ بسهمٍ قوسُه من حاجبيْكَ
إن ذاتي وذَواتي يامُنائي في يديكَ
آهِ لو أُسْقَى لأُشفَى خمرةً من شفتيْكَ
ورأى قول الوزير أبي الفضل الدّارِمِيّ:
أنْبت وردًا ناضِرًا ناظرِي في وجْنتِه كالقمرِ الطالعِ
فلِمْ منعتُمْ شَفتي لَثْمهُ والحقُّ أن الزرعَ للزَّراعِ
فكتب:
لأنَّ أهلَ الحبِّ في حَيِّنا عبيدُنا في شرعنا الواسعِ
والعبدُ لا مِلْكَ له عندنا فزرعُه للسيد المانعِ
وقد أجاب عنه بعض المغاربة بقوله:
سلَّمتُ أن الحكمَ ما قلتمُ وهو الذي نُصَّ عن الشارعِ
فكيف تبْغي شَفَةٌ قَطْفَه وغيرُها المدعوُّ بالزارعِ
ورده الحافظ أبو عبد الله التنيسي التلمساني:
في ذا الذي قد قلتُمُ مَبْحَثٌ إذْ فيه إبهامٌ على السَّامعِ
سلمتُمُ الحكمَ له مطلقًا وغيرُ ذا نُصَّ عن الشارعِ
يعني أنه يلزم على قول المحب أن يباح له النظر مطلقًا، والشرع خلافه.
وأجاب بعض أئمتنا الحنفية بقوله:
لأن أهل الحب في حكمنا
البيتين اللذين أجاب بهما المترجم.
وهو جواب حسن.
ولبعض المعاربة، مخاطبا أبا الفضل المذكور:
قل لأبي الفضل الوزير الذي باهَى به مَغربنا الشرقُ
غرسْتَ ظلمًا وأردت الجَنَى وما لعِرْقٍ ظالمٍ حَقُّ
[ ٢٢٣ ]
قلت قوله: " وما لعرق ظالم حق "، هذا بعض حديث رواه الترمذي، وحسَّنه، في باب إحياء الموات: " من أحيى أرضًا ميتةً فهي له، وليس لعرق ظالمٍ حقٌ ".
روى بالإضافة والتنوين.
والعرق: البناء، والأشجار، والبئر، والنهر. انتهى.
وكتب إلى ولده البهاء، هذا اللغز، وهو أغرب الألغاز وأصعبها: أيها الولد المؤيد بالإعزاز، الموفق في حل المعميات والألغاز.
أخبرني عن اسم آخر أوله آخر الحروف، وآخر ثانيه بهذا الاسم معروف.
قلبًا آخريه يتوافقان، وقلبًا أوليه متعانقان.
لولا ثالثه لصار الاسم حرفا، ولولا ثانيه لصار الفعل ظرفًا.
ولولا رأسه لصارت الرجل من النَّجاسات، ولولا رابعه لما يتحقق رابع القياسات.
بعضه قاتل، وبعضه الآخر نصف قاتل.
طرفا أوله فعل أمر بحرفين، وطرفا ثانيه ما نهيت عن قوله للأبوين.
وإن نقص ربعه من ربعه بقي ربعه، وإن زيد ربعه على ربعه حصل ربعه.
صدره علامة قلب العاشق، وثانيه علامة الرقيب المنافق.
ولولا ربعه لم تتميز القبلية عن القابلية، ولم تفترق المعاني عن علة الفاعلية.
بعضه يمين، والبعض في اليسار كمين.
وبطرف آخره يبدئ المقام، وبطرفه الآخر ينتهي الكلام.
فأجابه: يا سيدي وأبي وأستاذي، ومن إليه في العلوم استنادي.
هذا اسم رباعي الأعضا، ثلاثي الأجزا.
اثنا عشري الأصول، عديم الحرف المفصول.
من الأسماء معدود، وإلى الأفعال مردود.
لولا ثلث أوله لصار السخيف بالكرم موصوفا، ولكان كل فقير بسواد الوجه معروفا.
ولولا رابعه لاتحدت الماهية بالوجود، ولم يتميز الحاسد عن المحسود.
ولو عدم ثانيه لم يكن جمع الثمر ثمارا، ولصارت قرية بالري حمارا.
ولو عدم ربعه لم يكن القلب في الجسد، وتبدَّلت السكينة بالغل والحسد.
ولصارت الهرة بعض الأزهار، ولم تتميز الحنطة عن بعض الثمار.
أوله بالعراق وآخره بالشام، وبثلثا ربعه يتم الإيمان والإسلام.
وبثلث ثالثه يبتدئ السؤال، وبثاني ثانيه ينتهي القيل والقال.
وقد شرح السيد محمد المعروف بكبريت ألفاظ السؤال والجواب، وتكفل بهما فأصاب شاكلة الصواب.
قال في شرح ألفاظ السؤال: هي في اسم قاسم.
قوله: آخر أوله، أول الاسم قاف، وآخره بالنظر إلى بسطه مسمى الفاء، وهو آخر حروف الحلق، كما ترى، وآخر ثانيه وهو الألف كذلك الفاء، وهو موصوف بهذا الوصف، أنه هو هو.
قوله: قلبا آخريه، وهما السين والميم، يتوافقان لأن حقيقتهما الياء، وقلبا أوليه وهما الألف واللام من قاف، ولا حرفان متعانقان، لولا ثالثه " وهي مسمى السين لصار الاسم حرف عطف وهي أم، أي بعد حذف السين من الاسم.
ولولا ثانيه، وهو الألف لصارت الرجل القدم من النجاسات.
ولولا ربعه وهو الميم، لم يتحقق القياس التمثيلي، وهو رابع القياسات.
بعضه قاتل، وهو سمّ، وبعضه، وهو: قا نصف قاتل.
طرفا أوله، وهما القاف والفاء أمر بحرفين، وطرفا ثانيه الذي هو ألف أف.
قوله: وإن نقص ربعه، الذي هو السين من ربعه، الذي هو القاف، بقي ربعه، وهو الميم، لأن الباقي بعد طرح ستين من مائة وأربعون.
وإن زيد ربعه عكس القضية.
قوله: " صدره علامة قول العاشق "، أي ثاني حروفه، وهو الألف، والمراد منه جوهر لفظه، وهو فعلٌ من الألفة، ولم يزل قلب العاشق يألف قلب المعشوق، وكذا الرقيب المنافق.
قوله: لولا ربعه، الذي هو الألف، لم تتميز القبلية من القابلية "، لأن به الفرق في هذين اللفظين، ومثله الفعلية والمفعولية.
قوله: بعضه يمين، يعني الميم، لأنه يقال: م الله، في أيمن الله، أو المراد: ما عدا القاف، وهو اسم، وبعضه، وهو السين في لفظ اليسار كامن.
قوله: وبطرف آخره، الأول أو الآخر يبتدئ المقام، بل ويختم، وبطرف آخره كذلك ينتهي الكلام، لأن الميم نهاية لفظ الكلام.
وزهذا شرح ألفاظ الجواب: قوله: رباعي الأعضاء، أي حروف قاسم أربعة.
ثلاثي الأجزاء، أي جملته تنقسم ثلاثة، من غير عكس.
اثنا عشري الأصول، لأن كل حرف يشتمل على ثلاثة أحرف.
قوله: عديم الحرف المفصول؛ لأنه مركب من حرفين فحرفين.
وهو معدود من الأسماء، لأنه اسم وضع لمسمى بعينه، ومردود إلى الأفعال، باعتبار أنه مشتق من القسم.
[ ٢٢٤ ]
قوله: لولا ثلث أوله، الذي هو القاف، والمراد الفاء " لصار لفظ السخيف " بعد حذف الفاء: سخى، والسخى موصوف بالكرم.
قوله: وإذ حذف الفاء من لفظ فقير، بقي قير، وهو أسود الظاهر والباطن.
قوله: ولولا رابعه الذي هو الميم لا تحدث الماهية بالموجود، لأن وجود الشيء هيئته، فكأنه قال: لاتحدث الهيئة بالماهية.
وفيه تسامح، لأن المراد من الميم مسماها، وهو مفرد، فكيف يطلق على المركب من الميم والألف.
ويمكن أن يقال: تعدد المراد في هذا الباب كثير، وهو أدخل في الإلغاز.
قوله: ولم يتميز الحاسد عن المحسود، كالأول؛ لأنه لا فرق بين المحسود والحاسد في أصل المعنى.
قوله: لو عدم ثانيه الذي هو الألف، من لفظ الثمار، بقي ثمر، فلم يبق الجمع.
وقوله: قرية بالري، أي وهي خار، وإذا لم تكن الألف فيه بقي: خر. وهو بالفارسية اسم الحمار.
قوله: ولو عدم ربعه، الذي هو السين لم يكن ذلك الربع قلب الجسد، لسقوطه، وتبدلت السكينة، فكانت كينة، من قوله تعالى: " فما استكانوا ".
وفي الصحاح: " وبات فلانٌ بكينة سوءٍ بالكسر، أي بحالة سوء ".
والاستكانة: الخضوع.
قوله: الهرة، المراد منه سنَّور، بعمل الترادف، وإذّا لم تكن فيه السين كان نورًا.
قوله: الحنطة، المراد منه: سلت، على التسامح.
قوله: أوله بالعراق، يعني القاف، في لفظ العراق، وآخره، وهو الميم في لفظ الشام.
قوله: وثلثا ربعه، وهما السين والنون، ومن بسط الرابع وهو السين، يتم به الإيمان، لأنه تم بالنون، والإسلام؛ لأن تمامه بالسين، ولا يلزم أن يكون آخرًا.
قوله: وثلث ثالثه، الذي هو السين، وهو المراد من بسطه يبتديء السؤال حقيقةً، كما ترى، وبثاني ثانيه، وهو اللام من الألف، ينتهي القيل والقال.