فرع طاب منه جنىً ومهتصر، فلو طلبت الحياة لوجدته من صباحته يعتصر.
خلقه الله نورا مصورًا، وأطلع غصن كماله غضًا منورًا.
بوجه يتبعه التهليل والتكبير عند شروقه، وحسن أداء يشر به السمع فتدب نشوة الحميا في عروقه.
في كل نادٍ منه روضُ نمَاءِ وبكل خدٍّ منه جدولُ ماءِ
ووجه المشرق الجمال، يصف ما فيه من أنواع الكمال.
وقد عشق الأدب وزهرة حسنه في أول ما انفتقت عنها الكمامة، فما ناهز العشرين إلا وتسامت لوائح فكره من أن تساجلها الغمامة.
فهنالك ما تشاء من نوادر مرتصفة، وآثار بأحسن القول متصفة إن خط فنقش العيد، على معاصم الحسان الغيد.
وإن لفظ فجوهر العقود، وعصير الخمر من العنقود.
إلا أنه لم تلمحه النقل، حتى اختار الملأ الأعلى فانتقل.
فقامت النواعي يند بن بدرا في أول كماله خسف، ويبكين غصنًا في ابتداء نضرته قصف.
فحيَّتْ تُرابا ضَمَّه سُحْبُ رحمةٍ ليخْضلَّ روضٌ جسُمه فيه موضعُ
فمما اخترته من شعره قوله:
أفْديه ظبيًا بالشراب مُولَّعًا يترشَّف الأقْداحَ وهْو الأكْيسُ
فكأنه البدرُ المنير إذا بدَا من نُور طْلعته أضاء المجلسُ
وقوله مضمنا:
بالله سَلْ طَرْفَيِ السهرانَ هل هجَعا وما به الوجدُ والتْبريح قد صنَعَا
قد حدَّث الناسُ عن مُضنَى الهوى دَنِفًا وما أصابُوا ولكن شنَّعوا شَنَعَا
يا ابنَ الكراِم ألا تدنْو فتبْصرَ ما قد حدَّثوك فما راءٍ كمن سمِعاَ
[ ١٩٧ ]
هذا البيت مما أكثر تضمينه قديما وحديثا، ولا أدري لمن هو، وفيه عكس التشبيه: إذ ليس السامع أرقى حالا من الرائي، وبه يتم غرض الشاعر الذي استدل لأجله.
ومن شعره قوله:
زار وَهْنا مُرنَّحَ الأعْطافِ بعد أن كان مائلًا للْخلافِ
كم على صُدْغِه ورَاٍح لَماهُ رُحْتُ سكرانَ سالِفٍ وسُلافِ
صَدَّ ظُلما ولم يكن ليَ ذنْبٌ غيرُ دمعٍ أذاع ما هو خافِ
أيها العاذِل الجَهولُ تأمَّلْ في مُحيَّاه ثم قُلْ بخِلافِ
ومما رأيته منسوبا إليه، ولا أتحققه:
أُنادي إذا نام الهَجِيع تأسُّفًا وقلبيَ من بين الضلوعِ كَلِيمُ
هنيئًا لطَرْفٍ فيك لا يعرِف الكرَى وتَبًّا لقلبٍ ليس فيك يَهِيمُ
ومن رباعياته قوله:
إن جُزْتَ بحيِّ مُنْيتي حيِّيهِ واُخْبِرْهُ من المحبِّ ما يُرْضيهِ
إن زار فقد حَيِيتُ في زَوْرِته أو صَدَّ فإن مُهْجتِي تَفْدِيهِ
بيت المحبي بيت أبي وجدي، ومنبت عرق محتدى ومجدي.
ارتضعت دره واغتذيت، وإلى فضله انتسبت واعتزيت.
والمجد ما افتخرت به العرب من القدم.
وإنِّي من العرب الأقْدمين وقد مات من قبْل خَلْقِي الكَرَمْ
وفي كرَم العِرْق بالمَنْبِت الطيِّب، عَوْن على أثْمار تروّتْ بالعارض الصيب.
فأنا إذا افتخرت هزتني أريحية الطرب، ونافست بآباء تملكني عند ذكرهم حمية العرب.
أولئك آبائي فجْئني بمثلِهمْ إذا جمعتْنا يا جريرُ المَجامِعُ
فأول من سكن منهم الشام، وشام من بارق إقبالها ما شام: