بقية السلف، وخير الخلف.
ذاته كاسمه، والفضل كله برسمه.
وعلمه كلمة إجماع، ومدحه عطر أفواه وحلى أسماع.
فهو في الفقه عالم الشرع، ومحرر الأصل والفرع.
وعلم الشهرة المنشور، إلى يوم البعث والنشور.
وأما في الفرائض فله السهم والنصيب، وإذا اقتسمت فريضة الشكر فله الحظ والتعصيب.
إلى علوم غيرها أخذ جلَّ خيرها، وسار فيها سيرةً اقتدى الجهابذة بسيرها فهو من منذ حلَّ في الكون، مدده التوفيق والعون.
رمقته عين العناية، فدلت عليه كلمة الفضل بالصريح والكناية.
فسمت هممه، وكرمت ذممه، وانتعشت به من الفضل رممه.
وشغله علمٌ يفيده، وفخرٌ يشيده.
ورياسةٌ يتفيَّأ وارفها، وطهارةٌ يلتحف مطارفها.
إلى وقار ترزن به الأرض، ومقدارٍ له النافلة من الحظوة والفرض.
فطار صيته في الأقطار، وتغنَّى به راكب الفلك وحادي القطار.
وصرفت الأعنَّة إلى التماس خيره، وطارت القلوب بجناح العزيمة تيمُّنًا بطيره.
وكلن على اعتنائه بعلوم الشريعة، واختصاصه منها بالمرتبة الرفيعة.
يعني بالآداب فيصيرها رونقا متسقا، وينظم لآلى نكاتها في أسلاك الإجادة نسقا ويقول الشعر في المرتبة العالية، ولا يختار من الثناء إلا القيم الغالية.
وقد أوقفني صاحبنا إبراهيم بن عبد العزيز الجينيني على ديوان نظمه، فجردت منه أشياء حظها الإصابة ونصيبها، وسهم الانتقاد لا يصيبها.
فمن مطوَّلاتها قوله في الغزل:
أمِن ذِكْر جارٍ بذات السَّلَمْ أرقت دموعا جرَت كالعَنَمْ
وأم هاجتِ الرِّيحُ من جانبٍ به شادنٌ أهْيَفٌ قد ألَمّ
أتحسَب أن الهوى مُخْتفٍ ودمُعك منه جرى وانْسَجَمْ
عجبتُ لخَصْرٍ له ناحِلٍ على حَمْل رِدْفَيْه أنَّى الْتأمْ
إذا ما رَنا باهْتزازٍ فقد ربَا عنده هَيَجانُ الألمْ
فلا عجبٌ إن نأَى مُعرِضا لأن الظّبا لم تزلْ فيه لمْ
وأُدْعَى فصيحًا لدَى عتْرتي وأُدْعَى لديْه بِداءِ البَكَمْ
ترفَّق بقلبٍ غدا في يديْكَ رقيقًا وفَوِّق بتلك الشِّيَمْ
وضاهيْتُ خَصْرا له ناحلًا ولازَمَني في هواه السَّقَمْ
[ ٢١٦ ]
فذُبْ يا فؤادي بنارِ الجوَى فكم ذا نهيْتُك عن ذا فلَمْ
أما آن أن يْنقضي ذا القِلَى وما آن منك أوَانُ الكرَمْ
وكتب إليه بشير الخليلي، يسأله عن بيتين للمتنبي، بقوله:
أيا مَن غدا في البَرايا فريدا وفي العلم رُكْنا مَنِيعًا مَشِيدا
ومَن صار قُسُّ الذَّكا باقِلًا لديْه وأضْحى لَبيدٌ بَليِدَا
يقول أبو الطيِّب المُجتَبى وأعنى الإمامَ المجيدَ المُجِيدَا
طلبْنا رِضاه بتَرْك الذي رَضِينا له فتركْنا السجودَا
ومنها له آخر بعده وجدْناه صعبا لدينا عَنِيدَا
كأن نَوالَك بعضُ القضاءِ فما نُعْطَ منه نَجِدْه جُدودَا
فأوضِح لنا وجه معناهما بقيتَ على الدهر صَدْرا مُفيدَا
ولا زلتَ تُوضِح للمشكلا تِ ما نظَم الناظمون القَصِيدَا
فأجابه بقوله:
رِضاهُ السجودَ لممدوحِه وممدوحُه ليس يرضى السجودَا
ومعنى السجودِ الخضوعُ كما أتى لغةً مستفيضا وُرودَا
فمن حُسْن أخلاق ممدوحِه خضوعَ الأنام له لن يُريدَا
وعِزُّ مَقام له مقتضٍ يكون الخضوعُ وجوبا أكيدَا
ولكن أرى تركَه للرِّضا به لابذاك صوابا سديدَا
وبيتُ النوالِ جديرٌ بأن تميل إليه فؤادا وفودَا
فمعْنى الجُدود الحُظوظ التي تسيءُ بُخوتا ويَعني السُّعودَا
فما يُعْطَ ليس بحقٍّ له ولكن يراه اعتقادًا جُدودَا
وإن القضاءَ لكل الورى على مقتَضى تلك فضلًا وجُودَا
وقبل العطاءِ بلا مُوجبٍ هو الفضلُ إن تَبْغِ منه الورُودَا
فشابَهَ نفسَ القضا فعلُه وهذا بليغٌ فخُذْه مُفِيدَا
وله من قصيدة مدح بها مفتى الروم يحيى بن زكريا:
أقَرِيحتي لَمن الخطابُ تنهبَّنِي وتثبَّتي في القول لا تتبلَّهِي
هو للذي الأكابدُ تُضرَب نحوه من كل فَجٍّ تْنتهي إذ تْنتِهي
وبه استوى صُلْبُ الشريعة قائما في كلِّ إقْليم وصُقْع فْهىَ هِي
مهلًا رُويدًا رائدَ الروم اتَّئِدْ وبِه بِه لك إذْ تراهُ بِه بِه
واحملْ ثَنائي إنَّ وَهْني عاقنِي عن أن أكون أبا المَضا بتوجُّهِي
مع أنني مع ذاك لا أدعُ الذي يُرْضِى الإلهَ وفيه عينُ تفكُّهِي
فحديثُه المَرْوِىُّ فيه وإن نأَى ما أكْتفِي ما أشْتفِي ما أشتهِي
قوله: فهي هي، أي عين الشريعة.
وهذا الأسلوب، إما يختلف فيه الضمير فيرجع الثاني إلى المذكور سابقا كما هنا، وإما أن يعاد بعينه.
قال الشريشي: الأسباط إخوة يوسف ﵇، وهم وهم.
أي، وهم أنبياء لم يتغيروا عن مراتبهم.
ويقال: هو هو أي كما عهدته لم يتغير، انتهى.
وقوله: فحديثه إلخ، في هذا البيت أسلوب لطيف، وهو أن تذكر لفظًا بعده ألفاظ يتعلق كل منها به، مع اختلاف المعنى، فالتقدير فيه: ما أكتفى فيه، ما أشتفى فيه، ما أشتهى فيه، وهو من البدائع.
والأصل فيه قول الصاحب ابن مطروح:
لا أرْعَوِى لا أنْثني لا أنتهِي عن حبِّه فْليَهْذِ فيه من هَذَى
ومن مقتطعاته قوله في تشبيه الزنبق الذي يوجد في ساحل البحر الشامي، ونواره أبيض، قطعة واحدة ليس متفرقا:
وزَنْبَقةٍ قد أشبهتْ كأسَ فضةٍ برأسِ قضِيب من زُمُرُّدةٍ عَجَبْ
سُداسِيُّ شكلٍ كلُّ زاويةٍ به على رأسِها الأعلى هلالٌ من الذهبْ
وقوله متغزلًا في الخال:
بالخدِّ منه شَقِيقٌ جلَّ واضِعُهُ أعْيَى الورى فيه شاماتٌ بحُمْرتِهِ
[ ٢١٧ ]
أقولُ هذا ولا عِيٌّ ولا عجَبٌ قلبُ الشَّقِيق الذي في وسْط وَجْنِتِه
هذا معنى استعمله الشعراء كثيرا، ومن أجوده قول الحاجري:
لا تُنكروا الخالَ الذي في خدِّه كلُّ الشَّقِيق بُنقطةٍ سوداءِ
وقوله في العذار:
عندما جَدَّ بالحبيبِ عِذارٌ أظهرتْ لَاُمه لفَتْكِ البَرِيَّهْ
قالتِ الناسُ عند ذلك فيه قمرٌ تلك لاَمُه القمَريَّهْ
وله:
مُهَفْهفُ القَدِّ مذ كَوانِي بحُمْرةِ الخدِّ منه في الحَيّ
فقلتُ بي أنت دَاوِنِي قا ل آخرُ الطبِّ عندنا الْكَىّ
وقوله:
مَن شارَك الإنسانَ في اْسِمهِ فحقُّه قطعًا عليه وَجَبْ
لذاك مَن سُمِّىَ مِن خلقِه محمدًا فاز بهذا السَّبَبْ
ولقد أجاد الأبوصيرىّ، حيث قال:
فإنَّ لي ذمَّةً منه بتسْميتي محمَّدًا وهْو أوْفَى الخلقِ بالذِّمَةِ
وسمع قول القائل:
مُحِبُّك يرعَى هواك فهلْ تعود لَيالٍ بضدِّ الأمَلْ
فمنْقُوطها قد بدا نَحْسُه ومُهمَلُها فهو سعدٌ حصَلْ
فقال منشئًا:
من الشهرِ حاذِرْ ثالثا ثم خامسًا وثالثَ عَشْرٍ ثم سادسَ عَشْرِهِ
كذا واحدٌ من بعد عشرين رابعٌ يليها وتالِيه تنَلْ مَحْضَ يُسْرِهِ
وكتب إلى آل العماد بدمشق، في صدر رسالة:
أيا مَن عَجَّ من لَغَبٍ فلم تظهرْ له نِيَّهْ
نصَحْتُك فاعتمِدْ أبدًا مُراجعةَ العِماديَّهْ
فراجعوه بقولهم:
أمولايَ خيرَ الدين يا شيخَ عصرِنا ومَن فيه لا زلتَ الزمانَ اعتمادُنَا
فأنت عمادُ الدين بالحقِّ قائمًا فشَاد إلهي مِن دُعاكَ عِمادَنَا
فكتب إليهم:
يا ربّ خيرُ الدين يدعو ضارعَا مُتذلَّلًا لك خاضعًا مُتواضعَا
بِصفَا فؤادٍ للعِمادِ وآلِه فهمُ الكرام سوابقًا وتوابِعاَ
فكتبوا إليه:
سألت إلهي خاضعًا متواضعَا ولا شكَّ مَن يجدعوه يلْقاه سامعَا
بقاءَك خيرَ الدين للناسِ عُمدةً ومكثَك يا مولايَ في الأرض نافعًا
وفيهم يقول أيضًا:
يا مَنْ هُم أعمِدةٌ كلُّ عمادٍ وحدَهُ
إن نزلتْ نائبةٌ بنا قصَدْنا قَصْدَهُ
والجينينىّ المذكور، هو ببركاته اعتد، وبأسباب فوائده اشتد.
فتقلَّد به من الأدب ما تقلد، وبقي له ما دام ذكره وتخلد.
وهو الآن غرة الزمن البهيم، تكلف الألباب بخصاله الحميدة وتهيم.
كما قلت فيه:
لابن عبد العزيز إبراهيمَا خُصَلٌ كم بهِنَّ أبْرَاهِيمَا
أدبٌ يُخجِل الرياضَ ولفظٌ هِمْتُ فيه وحُقَّ لي أن أهِيمَا
وكمالٌ يهْفو له كل فهمٍ طبْع منه يطلب التَّفهيمَا
رأيُه الصبحُ والصباحُ إذا لا ح جَلا بالضِّياءِ ليلًا بَهِيمَا