هذا رجب، الذي فيه العجب، شاعر ذيق، إلا أن خلقه ضيق.
وعلى قدر ما توسع سعيا، حرم مبرةً ورعيا.
لبذاءة في لسانه، ووحشة ذهبت برونق إنسانه.
يتلذذ بالعيش الضنك، تلذذ الأجرب بالحك.
ولا يرى إلا على جناح طائر، فليس يقر له قرار إلا وله عزيمة سائر.
كأنه الخبر الشرود، أو الوحش المطرود.
وهو باقعة محاجاة، وبائقة مهاجاة.
يتلفت إلى الهجا، تلفت القلوب إلى الرجا.
وله في المجون فنون، عد فيها من أهل الأهواء والفتون.
وأما غيرها من الأشعار والأزجال، فهو فيها كثير التردي قليل المجال.
وقد أثبت له مالًا أراه مخلًا، بل تبوأ للإحسان منزلًا ومحلًا.
فمنه قوله، من قصيدة طويلة مستهلها:
أبَى القلبُ إلا غرامًا ووجدًا وطَرْفيَ إلا بُكاءً وسُهْدَا
فلم يبرحِ الصبَّ تبْريحُه ولا الدمعُ راق ولم يُطْفِ وَقْدَا
فلولا النَّوَى ما ألِفْتُ البكا ولا كان بالسُّقم جسمي تردَّى
ولا أُبْتُ أرعَى نجومَ الدجى ولا كان عني مَنامِي تَعدَّى
فأوَّاه صبري مضَى لم يعدْ وأما اشْتياقي فلم يُحْصَ عَدَّا
ومالي مُعِين سوى أدمعي وقلبٍ لصَدِّ الهوى ما تصدَّى
فلو بالكواكب ما بي هوَتْ وإلا على يَذْبُلٍ كان هَدَّا
تُذكِّرني ساجعاتُ الرياض حبيبًا ورَبِعا رَبِيعًا ووُدَّا
وما كنتُ أنْسى ولكن تزيد وُلوعِيَ قُرْبًا وصبريَ بُعْدَا
رعى الله رَبْعًا نعِمْنا به وعهدًا ألِفْناه حيَّاه عهدَا
فما راقني غيرُه منزِلًا ولا طاب عيشا ولا راق وِرْدَا
فلله أيامُ ظَبْيِ اللِّوَى فما كان أحْلَى جَناها وأجْدَى
فيا مُنشدِي دِرْ مُدامَ الهوى ودَعْ ذكرَ هندٍ ودع ذكر سُعدَى
ومالي وما لِلْغواني فكم تناسيتُ منهنَّ صَدْرًا ونَهْدًا
وكرِّر حديثَك عن أغْيَدٍ هو الظبيُ والغصنُ لَحْظًا وقَدَّا
وكالبدر في سنه والسنا له ناظرٌ مرهف جاز حدَّا
فما رقَّ لي كالصَّفا قلبُه وقد لان عِطْفًا رقيقًا وخَدَّا
إذا قام يُقعده رِدْفُه فلولاه ما قلتُ حُيِّيتُ نَجْدَا
غزالٌ رَبَى في رُبَا جِلَّقٍ إذا مارناَ لَحْظُه صاد أُْسَدا
سقى اللهُ وادي دمشق الحَيَا ولا زال دَهْرًا أَقاحًا ووَرْدَا
ترى نهرًَا ساكنًا صارمًا وإن هبَّ ريحٌ فقد هبَّ سردَا
[ ٢٦١ ]
فلله مُزْجِي المطايا إذا قطعت الفيافي وَجِيفًا ووَخْدَا
إذا جئت جِلِّقَ وادي المُنى بها فاز من حَلَّ ضيْفًا ووَفْدَا
فسلِّم بُعَيد اسْتلام اليمينِ على من تسامَى مَقامًا وجْدَا
وقوله من أخرى، أولها:
هل عند ذاك الحبيبِ ما عندي من الهوى والحنين والوُدِّ
وهل على العهدِ من وثِقتُ به كما عهِدْنا بذلك العهدِ
وهل درَى ما أصاب مُغرَمَه وما لقِي من وقائعِ البُعْدِ
عدِمتُ صبْري والشوقُ لازمني لزومَ خالِ المليحِ في الخَدِّ
وروضةٍ قد حرستُها زمنًا يا هل ترى كيف غصنُها بعدِي
ونَضْرةُ الورد بعدنا بقيتْ أم لا بقاءَ لدولةِ الوردِ
بِتْنا ولا ثالثٌ يراقبنا غيرَ ابنةِ الشُّهْد وابنةَ الرَّنْدِ
كصَعْدةٍ للظلام طاعنةٍ سِنانُها كوكبٌ لنا يَهْدِي
ومِن نعيمي بحُسن طلعتِه ظننتُ أني بجنَّةِ الخُلْدِ
ثمِلتُ من دُرِّ لفْظِه وحَلاَ لمَسْمعي كالسُّلاف والشُّهْدِ
إن قلْتُ مولايَ قال مبتسِمًا لبَّيْك ماذا تُريد يا عَبْدِي
أشكو سهامَ الجفونِ لي قصَدتْ وكدتُ أقْضي بقولِ ذا قَصْدِي
كأن بالسحرِ خمرةً مُزِجتْ سُقِيتُ منها فغبتُ عن رُشْدِي
ما كان إلا كبارقٍ ومضَى صَفْوِي وجاء النهارُ بالضِّدِّ
فراع قلبي الصباحُ صارمُه ياليْته كان دام في الغِمْدِ
والدهرُ إن راق للأديب فعَن سَهْوٍ وجَلْبُ الهموم عن عَمْدِ
وقوله من أخرى، مطلعها:
لَعمرُك شرحُ أشواقي يطولُ وأشْجاني وأفكارِي تجُولُ
وعن صبرِي الجميلِ سألتُ قلبي فقال وأين يا هذا الجميلُ
وها أنا بعده مالي مُقامٌ وليس إلى تَلاقينا سبيلُ
وبي ظمَأٌ إلى وِرْدِ التَّلاقي ومن جَفْني دَمًا دَمْعي يسيلُ
سُقِي زمنُ التَّداني حيث كُنَّا ولا كان الرَّقيبُ ولا العَذُولُ
وغصنُ الْبان أجْنِي منه وردًا بأحْداقِي وفي عقلي يمِيلُ
ويُسكرني بدُرٍّ من عقِيقٍ فتخجل من شَمائلهِ الشَّمُولُ
رقيقٌ لأن عِطْفا رَقَّ خَصْرًا وجار عليَّ ناظرهُ الكحِيلُ
يذكِّرني البُروق له ابْتسامٌ ويُشْجِيني من الوُرْقِ الهَديلُ
وشِمْت البرقَ في الظلماء سيفًا على ضعف الكرى ماضٍ يصولُ
تُرى الأيام تنظِمنا بمصرٍ ويَحْظَى في بُثَينته جميلُ
تُرَى ما حالُ ذاك البدر بعدي أزاهٍ أم كما عنه يقولوا
وليلٍ زارني منه خيالٌ سُرِرت به وقد رَقَّ المَلولُ
فأرْشفني مُداما من أقاحٍ وجاد بوردِه الخدُّ الأسِيلُ
وقد أنكرتُ فيه بنتَ آسٍ فقلتُ الآسُ يَهْواه العليلُ
وعهدي فيه كالمرآة صافٍ صَقيلٍ كم به فُتِنتْ عقولُ
وكالروضِ النَّضير فقال هذا سِياجٌ قلتُ كيف لنا دخولُ
فقال الوردُ ليس له بقاءٌ وعهد الآسِ باقٍ لا يحُولُ
فقلت الآس بغيةُ أهل مصرٍ وراغِبُه بجِلِّقنا قليلُ
رفُقتُ فلم أجدْ للوصلِ أصْلًا وبان الروضُ والظلُّ الظليلُ
وكان له بمصر رفيق خليع، خطف لصٌ عمامته وشج رأسه، فكتب إليه يسليه:
إمامَ الفضل مَن حاز الكرامَهْ لرُزْئِك قال طَرْفي للكرَى مَهْ
أقام وقوعُك الأحزانَ عندي وقد شاهدتُ أهوالَ القيامَهْ
[ ٢٦٢ ]
فكيف وأنت لي خلٌّ أنيسٌ ومن دون الورى أهْوَى كلامَهْ
ليالينا بكُم سبقتْ تُحاكِي ليالٍ قد تقضَّت في تِهامَهْ
تُدير النظمَ ممزوجًا بنثْرٍ فتُسكرنا ولا صِرْف المُدامَهْ
يمينُ اللِّصِ لا كانتْ وشَلَّتْ وعن قُربٍ يُرَى من غير هامَهْ
على خطْف العمامة قد تعدَّى ولكن سوف تُدركه النَّدامَهْ
ويأكل لحمَه عَضًّا ويبْكي إذا ما الصبحُ قد أبدى ابْتسامَهْ
على شيءٍ إذا مارام بَيْعًا فأعْلَى قيمةً منه القُلامَهْ
ويقرَعُ سِنَّه أسَفًا وغَبْنًا وليس يُفيده قطعُ السُّلامَهْ
ويُدْمِي رأسَه قهرًا قِصاصًا كما أدْماك لَطْمًا في الدِّعامَهْ
كرَامٍ رامَ أن يَرْمِي ظَلِيمًا فطاش السهمُ لم يبلُغْ مَرامَهْ
وكان غلامُه بالقُرْب منه فأرْماه ولم يُصب النَّعامَهْ
فلا تأْسفْ على نسجٍ ضعيفٍ كبيْت العنكبوت بلا إقامَهْ
وحقِّك ليس تنفعُه بشيءٍ كما في الصيفِ لم تُجْدِ الغَمامَهْ
لقد طالت بحال النَّسْرِ عُمْرًا وقد شهدتْ هَوازِنَ واليمامَهْ
مُخَضْرَمةٌ فلو نطقتْ لقالتْ شهدتُ مُهَلْهِلًا وأبا قُدامَهْ
كذا الرَّفَّا السَّرِيُّ صحبتُ دهرًا قدِمتُ عيله بعد أبي دُلاَمَهْ
وكان مع الحريريِّ اتحادِي ولو لم يَقْضِ ألَّف بي مَقامَهْ