هي من البلاد التي هي معدن السخا، ومطلع المكارم، في الشدة والرخا.
أطرافها منازل الأشراف، وأكثر الحلي في الأطراف.
فمنهم: السيد عبد الرضي بن عبد الصمد الولي الرضي الشيمة، المرتضى الجرثومة.
المتكافىء الشرف، المتعادل الطرف والطرف.
مجمع البحرين، بحر العمل وبحر العلم، ومقلد النحرين، نحر الكمال ونحر الحلم.
إلى أدبٍ أوقع من حلاوة الرضا، وشعرٍ ما ناله الرضي ولا المرتضى.
فمنه قوله:
بات يسْقيني من الثَّغْرِ مُدامَا ذُو جمالٍ يُخْجِل البدرَ التِّمامَا
حَلَّل الوصلَ وقد كان يرى وَصْلَ مَن يشْتاقُه شيئًا حَرامَا
[ ٣٧٧ ]
ويَرى سَفْك دمِ العشاقِ فَرْضًا في هَواه أو يمُوتون غَرامَا
زارَني وَهْنًا ولا أعرف لِي منه مِيعادًا فأدركتُ المَرامَا
جاء في حُلَّةٍ من سُنْدُسٍ ثمِل الأعْطافِ سُكْرًا يتَرامَى
فاعْترتْني دَهشةٌ من حسنِه حين أرْخَى لي عن الوجهِ اللِّثامَا
منها:
ليلةٌ كانت كإبْهامِ القَطَا أو كرَجْع الطَّرْف قِصْرًا وانصِرامَا
حيثُ كان العيشُ غضًّا والصِّبا مَجْمَعَ اللذَّاتِ والدهرُ غُلامَا
يا حَمامًا ناح في أيْكَتهِ صادِحًا ما كنتَ لي إلاَّ حِمامَا
تندُبُ الإلْفَ ولا تَذْرِي دَمًا ودُموعِي تُشْبِه الغيثَ انْسِجامَا
السيد علوي بن إسماعيل من خلص الأسرة العلوية، الضاربين خيامهم في المنازل العلوية.
له في هجر ذكرٌ لم يعرف الهجر، وفضائل توضحت مثلما توضح الفجر.
أطلعته السيادة من شرقها، فوضعته تاجًا فوق فرقها.
وهو في الكمال مخلوق على أحسن فطرة، والبحران عنده لا يتجاوزان قطرة.
وقد رأيت له في النسيب ثلاثة عشر بيتًا، تحيي الطرب إذا كان ميتًا.
فأثبتها وأنا مستطار فرحًا، وأهز عطفي بحسن انسجامها مرحًا.
وهي قوله:
بنفسِي أُفَدِّي وقلَّ الفِدا غزالًا بوادِي النَّقا أغْيَدَا
مَلِيحًا إذا فُضَّ عن وجهِه نِقابُ الحيَا خِلْتَ بدرًا بَدَا
غزالًا ولكنْ إذا ما نَصْب شِراكًا لأصطادَه اسْتأْسَدَا
سقيمُ اللَّواحظِ مكحولُها ولم يعرف المِيلَ والإثْمِدَا
رشيقُ القوامِ إذا هَزَّه رأيتَ الغصونَ له سُجَّدَا
له رِيقَةٌ طعمُها سُكَّرٌ يُجَلِّي الصَّدَا ويُرَوِّي الصَّدى
ولَحْظٌ كعَضْبٍ ولكنَّه يشُقُّ القلوبَ وما جُرِّدَا
تفرَّد بالحُسْن دون المَلاَ فسبحان مَوْلىً له أفْرَدَا
نأَى بعدُ فهْو لغيرِي ولِي قريبُ المَزارِ بعيدُ المَدَى
رعَى اللهُ أيامَنا الماضيات وعيشُ الفُتَاءِ به أرْغَدَا
وصَبَّ على تُرْبِ تلك الرُّبوعِ مُثْعَنْجِرًا مُبْرِقًا مُرْعِدَا
إلى حيثُ أخْفَتْ صُروفُ الزمانِ وشَمْلُ الوِصالِ بها بُدِّدَا
وأضْحَتْ قِفارًا وليس بِهِنَّ من ذلك الجَمْعِ إلا الصَّدَى
إذا قلتُ أين حبيبي غَدَا يُجيب بأيْنَ حبِيبي غَدَا
السيد محمد بن عبد الحسين بن إبراهيم بن أبي شبابة جمال هذا البيت وجملة مفاخره، وفذلكة حسابه المنوطة به أحساب أوائله وأواخره.
تكونت بالبحرين جوهرة ذاته، وبها كانت أوطانه وأوطار لذاته.
ولما حلت بيد الشباب تمائمه، وصدحت في أفنان الفتوة حمائمه.
تنقل في البلاد فأحرز الطارف من الكمال والتلاد.
كما تنقل الدر من البحر، فعلا على التاج والنحر.
ثم أقام آخرًا بأصبهان، وبها انتقل من دار العياء والامتهان.
فمن شعره قوله، من قصيدة يمدح بها النظام ابن معصوم، وهو بالهند.
ومطلعهام:
أرى عَلمًا ما زال يخفُق بالنَّصْرِ به فوق أَوْج المجد تعلُو يدُ الفَخْرِ
مضَى العمرُ لا دنيا بلغتُ بها المُنَى ولا عملًا أرْجُو به الفوزَ في الحشرِ
ولا كَسْبُ علمٍ في القيامةِ شافعٍ ولا ظفِرت كفِّي بمُغْنٍ من الوَفْرِ
وأصبحتُ بعد الدَّرْسِ في الهند تاجرًا وإن لم أفُز منها بفائدة التَّجْرِ
طوَيتُ دَواوينَ الفضائل والتقى وصرتُ إلى طَيِّ الأمانِيِّ والنَّشْرِ
وسوّدت بالأوْزارِ بِيضَ صحائفي وبيَّضْت سودَ الشِّعر في طلَب الصُّفْرِ
وبعتُ نَفِيسَ الدِّين والعمرِ صَفْقةً فيا ليت شِعرِي ما الذي بهما أشْرِي
[ ٣٧٨ ]
إذا جَنَّني الليلُ البَهِيمُ تفجَّرتْ عليَّ عيونُ الهَمِّ فيها إلى الفَجْرِ
تفرَّقتِ الأهْواءُ منِّي فبعضُها بِشِيرازَ دارِ العلم والبعضُ في الفكْرِ
وبالبَصْرة الرَّعْناءِ بعضٌ وبعضُها الْ قَوِيُّ ببَيْتِ اللهِ والرُّكْنِ والحِجْرِ
فما لي وللهند التي مُذ دخلْتُها مَحَتْ رَسْمَ طاعاتِي سيولٌ من الوِزْرِ
ولو أن جِبْرائيلَ رام سُكونَها لأعْجزه فيها البقاءُ على الطُّهْرِ
لئن صِيدَ أصحابُ الحِمَى في شباكِها فقد تأخذُ العقلَ المقاديرُ بالقَهْرِ
وقد تُذهب العقلَ المطامعُ ثم لا يَعُود وقد عادت لَمِيسُ إلى العِتْرِ
هذا تلميح إلى المثل المشهور، وهو قولهم: عادت إلى عترها لميس. أي رجعت إلى أصلها.
والعتر، بكسر المهملة وسكون المثناة من فوق: الأصل.
ولميس: اسم امرأة.
يضرب لمن رجع إلى خلق كان قد تركه.
وليس هذا المثل بعينه حتى يعترض بأن الأمثال لا تغير.
مضَتْ في حروبِ الدهر غايةُ قُوَّتي فأصبحتُ ذا ضَعْفٍ عن الكَرِّ والفَرِّ
إلى مَ بأرضِ الهنْدِ أُذْهِب لَذَّتبي ونَضْرة عَيْشٍِ في محاولة النَّضْرِ
وقد قنِعتْ نفسِي بأوْبَةِ غائبٍ إلى أهلِه يومًا ولو بَيَدٍ صَفْرِ
إذا لم تكنْ في الهندِ أصنافُ نعْمةٍ ففي هَجَرٍ أحْظَى بصِنْفٍ من التَّمْرِ
على أنَّ لي فيها حُماةً عهِدتُهمْ بُناةَ المَعالي بالمُثقَّفة السُّمْرِ
إذا ما أصاب الدهرُ أكْنافَ عِزِّهمْ رأيتَ لهم غاراتِ تَغْلِبَ في بَكْرِ
ولي والدٌ فيها إذا ما رأيتَه رأيتَ به الخَنْساءَ تبْكي على صَخْرِ
ولكنَّني أُنْسِيتُ في الهند ذكْرَهم بإحْسانِ مَن يُسْلِي عن الوالد البَرِّ
إذا أذْعَرَتْني في الزَّمانِ صُرُوفُه وجدتُ لديه الأمْنَ من ذلك الذُّعْرِ
وفي بيته في كلِّ يومٍ وليلةٍ أرى العِيدَ مقْرونًا إلى ليلةِ القَدْرِ
ولا يُدْرِك المُطْرِي نِهايةَ مَدْحِه ولو أنَّه قد مُدَّ من عُمُرِ النَّسْرِ
وفي كُلِّ مِضْمارٍ لدَى كلِّ غايةٍ من الشرفِ الأوْلَى له سابِقٌ يجرِي
إذا ما بدتْ في أول الصبحِ نِقْمةٌ ترى فَرَجًا قد جاء في آخر العَصْرِ
فقُل لي أبَيْتَ اللَّعْنَ إن عَزَّ مَقْطَعٌ أأصبِرُ أم أحْتاجُ للأوْجُهِ الغُرِّ
إذًا لا علَتْ في المجد أقدامُ هِمَّتي وإن كان شعرِي فيك من أنْفَسِ الشعرِ
وإنِّي لأرْجو من جَميلِك عَزْمةً تُبلِّغني الأوطانَ في آخرِ العُمرِ
تُقِرُّ عيونًا بالعراقِ سَخِينَةً وتُبرِد أكْبادًا أحَرَّ من الجمرِ
وتُؤْنس أطفالًا صِغارًا تركْتُهم لفُرْقتِهم ما زال دمعيَ كالقَطْرِ
وعيشْي بهم قد كان حُلْوًا وبعدهم وجدتُ لذيذَ العيشِ كالعَلْقَمِ المُرِّ
إذا ما رأَوْني مقبِلًا ورأيتُهم تقول أيومُ القَرِّ أم ليلةُ النَّفْرِ
وما زلتُ مُشتاقًا إليهم وعاجزًا كما اشْتاقَ مَقْصوصُ الجناح إلى الوَكْرِ
ولكنَّما حسبِي وُجودُك سالمًا ولو أنني أصبحتُ في بلدٍ قَفْرِ
فمَن كان موصولًا بحَبْلِ وَلائِكم فليس بمُحْتاجٍ إلى صِلةِ البِرِّ
وله من قصيدة، على لسان أهل الحال، وأجاد فيها.
ومستهلها:
لَعَمْري لقد ضلَّ الدليلُ عن القَصْدِ وما لاح لي برقٌ يدلُّ على نَجْدِ
فبِتُّ بلَيْلٍ لا ينام ومُهْجةٍ تقلَّب في نارٍ من الهمِّ والوجْدِ
[ ٣٧٩ ]
وقلتُ عسى أن أهْتدِي لسَبِيلِها بنَفْحة طيبٍ من عَرارٍ ومن رَنْدِ
فلما أتيْتُ الدَّيْرَ أبصرتُ راهبًا به ثَمَلٌ من خَمْرةِ الحبِّ والوُدِّ
فقلتُ له أين الطريقُ إلى الحِمَى وهل خَبرٌ من جِيرةِ العَلَم الفَرْدِ
فقال وقد أعْلَى من القلْبِ زَفْرةً وفاضتْ سيولُ الدمعِ منه على الخَدِّ
لَعلَّك يا مسكينُ ترجُو وِصالَهم وهيْهات لو أتلفْتَ نفسَك بالكَدِّ
إذا زُمْرةُ العُشَّاقِ في مجلسِ الهوى نَشاوَى غَرامٍ من كُهولٍ ومن مُرْدِ
ألم تَرَ أنَّا من مُدامةِ شَوْقِهمْ سُكارَى ولم نبلُغْ إلى ذلك الحَدِّ
فكم ذهبتْ من مُهْجةٍ في طريقِهمْ وما وصلتْ إلاَّ إلى غايةِ البُعْدِ
فقلتُ أأدْنُو قال مِن مِحْنةٍ فقلتُ أأرجُو قال شيئًا من الصَّدِّ
هذا البيت فيه المراجعة، وهي كثيرة في كلامهم.
ألم تَرَنَا صَرْعَى بدهشةِ حُبِّهمْ نُقلِّب فوق التُّرْبِ خَدًّا إلى خَدِّ
فكم طامعٍ في حبِّهم مات غُصَّةً وقد كان يرضَى بالمُحالِ من الوَعْدِ
ولده السيد عبد الله عرف ذلك الطيب، واريجه الذي يذكو ويطيب.
تحلى بالأدب من منذ ترعرع، وارتوى منه بكأس مترع.
فاستباح جني قطافه، واستماح روي نطافه.
وقد وقفت له على أشعارٍ باهت الطراز المعلم ببذرقة التطريز، وجرت جداولها لطالب الأدب بمذاب اللجين والإبريز.
فدونك منها ما تستجيده، وتعلم منه أنه محسن القول ومجيده.
فمنه قوله، من قصيدة أولها:
أغَار في تِيهِه وأنْجَدْ فصوَّب الفكرَ بي وصَعَّدْ
وجَدَّ في مَطْلَب التَّجنِّي فجذَّ حبلَ الوِدادِ بالصَّدّ
أتيتُ أشكُو إليه وَجْدِي فصدَّ كِبرًا وصعَّر الْخَدّ
سَما به عُجْبُه فأضْحَى يضِنُّ عند السلامِ بالرَّدّ
ظَبْيٌ بديعُ الجمالِ أحْوَى أغَرُّ حُلْوُ الدَّلالِ أغْيَدْ
مُهَفْهَفٌ تخضَع العَوالِي إذا تثنَّى ورَنَّحَ الْقَدّ
مُجاذِبٌ رِدْفُه لخَصْرٍ دَقّ فخِفْنا عليه ينْقَدّ
ذُو مَبْسَمٍ بالرُّضابِ حَالٍ مِن حولِه اللُّؤْلُؤُ المُنضَّدْ
كم بات يرْوِي لنا قديمَ ال حديثِ نَقْلًا عن المُبَرِّدْ
فنَال منَّا المُدامُ منه ما لم تنَلْه مُدامُ صَرْخَدْ
بدرُ تَغارُ النجومُ منه إذا سَنَا وجهِه تَوقّدْ
أحلَّ قتْلَ الأنام عَمْدًا ولا قِصاصًا يَرى ولا حَدّ
منها:
ما لاح يومًا لعاشِقيهِ إلاَّ وخَرُّوا لديْه سُجَّدْ
كلُّ عَمِيدٍ به عَمِيدٌ وكل مَوْلىً له مُعَبَّدْ
أُطلِق حُبِّي له فأمسَى قلبِي به واجِبًا تقيَّدْ
هوَيْتُه عامِدًا لمعنىً منه أتى بالجمالِ مُفْرَدْ
ولستُ أبْغِي به بدِيلًا وإن تجافَى قِلىً وإن صَدّ
ما زلتُ شوقًا إليه أصْبُو وعهد وُدِّي له يُجدَّدْ
كما صَبَا للنَّدى ارْتياحًا سيدُنا ابنُ النبيِّ أحمدْ
أرْفَعُ من ترفعُ المَعالِي طَورًا إلى مجدِه وتُسْنَدْ
كم جمعتْ للكرامِ شَمْلًا يَدٌ له مَالُها مُبدَّدْ
وكم أقالتْ عِثارَ قَيْلٍ أطاحَه دهرُه وأقْعَدْ
منها:
أبا عليٍ فِداك نفسي وما حَوَتْه يَدايَ من يَدْ
منها:
وابْق بقاءَ الدهورِ ما إنْ أضاءَ برقٌ ولاح فَرْقَدْ
وله من قصيدة أخرى، مستهلها:
ما نضتْ ليلةَ المَزارِ الإزارَ هندُ إلا لتهتِكَ الأسْتارَا
[ ٣٨٠ ]
طرَقتْنا ولاتَ حين طُروقٍ حبَّذا زائرٌ إذا النجمُ غارَا
رَقَّ بعد الصُّدودِ عَطْفًا لِرقٍ ورعَى حُرمةَ العهودِ فزارَا
قابلتنا بطَلْعةٍ قد أرتْنا الشَّ مسَ ليلًا فأوْهمتْنا النهارَا
طَفلةٌ تخلِبُ العقولَ بطَرْفٍ وبدَلٍ تستعْبِدُ الأحْرارَا
دُميةٌ لو تصوَّرت لِمَجُوسٍ تَخِذُوها إلهًا وعافوا النَّارَا
ناهدٌ تسلُب النفوسَ بطَرْفٍ غَنِجٍ زادَه الفُتورُ احْوِرارَا
زاتُ خدٍ جلَى لنا الوردَ غَضًّا وشَتِيتٍ جلَى علينا العُقارَا
وفمٍ مثل خاتمٍ من عَقِيقٍ عمَّر الدُّرَّ في نَواحِيه دَارَا
ولِحاظٍ تسْبي العقولَ وخَصْرٍ زادَه باسطُ الجمال اخْتصارَا
وإذا ما ترَنَّح القَدُّ منها قلتُ قد هَزَّ ذابِلًا خَطَّارَا
غادةٌ لَذَّ لي بها هَتْكُ سِتْرِي في طريق الهوى وخَلْعِي العِذارَا
وعجيبٌ ممَّن توغَّل أمْرًا في الهوى أن يرومَ منه اسْتتارَا
أيْسَرُ الهوى وشأنُ دموعِ الصَّ بِّ بالصَّبِّ تظهِر الأسْرارَا
والذي عقلُه غدا بيَدِ الغِي دِ أسيرًا لا يستبدُّ اخْتيارَا
كيف أرجو من الخُطُوب خَلاصًا بعد ما أنْشَبتْ بيَ الأظْفارَا
أرْهَفتْ إذ عدَتْ عليَّ نِصالًا ليس ينْبو فِرِنْدُها وشِفَارَا
قصَدتْ أن تسُومنِي الخَسْفَ ظُلْمًا والبَرِيُّ الأبيُّ يأْبَى الصَّغارَا
ما درَتْ أنني رُفِعتُ مقامًا بحِمَى أحمدٍ وزِدْتُ اعْتبارَا
وهو أسْمَى في رُتْبةِ المجد من أن يُدرِك الضَّيْمُ لَمْحةً منه جَارَا
سيِّدٌ ساد في البريَّةِ نُبْلًا وزكا عُنْصُرًا وطاب نِجَارَا
ماجدٌ نال رُتبةً في المعالي لم ينَلْها من قبلُ كِسرَى ودَارَا
أرْيَحيٌّ إذا أراحَ لنَيْلٍ أرْسلتْ سُحْبُ راحِه الأمْطارَا
السيد عبد الله بن الحسين أربى على الخلص من عتاة فن الأدب، فكان أجل من جد في تحصيله ودأب.
رأيت له شعرًا ينسي محاسن التقدم، ويترك المجتري على معارضته بغبن التندم.
فلو منحه ابن الحسين لما تنبأ عجبًا بالقريض بل كان تأله، أو سمعه أبو تمام لاتخذه تميمةً لعود عقله الذي تدله به وتوله.
وها أنا ذا أتلو عليك منه قطعةً تستنزل الثريا، وتغنيك عن اجتلاء زهرات الروضة الريا.
وهي قوله في الغزل:
أتتْ تحمل الإبْرِيقَ شمسُ الضحىَ وَهْنَا ولو سَمحْت بالرِّيق كان لها أهْنَا
حَكاها قَضِيبُ الخَيْزُرانِ لأنه يُشارِكها في اللِّين واللفظِ والمعنَى
تُرِيني الضُّحَى والليلُ ساجٍ وما الضحى وطلْعَتُها من نُورِ طلعتِه أسْنَى
مُهَفْهَفةُ الأعْطافِ حَوْراء خِلْتُها من الحُورِ إلا أنَّ مُقْلتَها وَسْنَا
لها كَفَلٌ كالدِّعْصِ مِلْءُ إزارِها وقَدٌّ إذا ماسَتْ به تُخْجِل الغُصْنَا
عليها بُرودُ الأُرْجُوانِ كأنها شَقائقُ أو من وَجْنتيْها غَدَا يُجْنَى
ولا عَيْبَ فيها غيرَ أنَّ مَلِيكَها بَراها بخُلْقٍ يُعْقِب الحُسْنَ بالحُسْنَى
تقوم تُعاطِينا سُلافَة ثَغرِها على وَجَلٍ نِلْنا به المَنَّ والأمْنَا
هي الرُّوحُ والرَّيحان والرَّاحُ والمُنى علينا بها مُعْطِي المَواهب قد مَنَّا
قصَرتُ عليها مَحْضَ وُدِّي فلم يكنْ سواهَا له في القلبِ رَبْعٌ ولا مَغْنَى
السيد داود بن شافيز سيد شهم، للآمال منه نصيبٌ وسهم.
استوطن في السيادة نجدًا، وتوسد الجوزاء مجدًا.
[ ٣٨١ ]
وله في الشعر بدائع كثيرة العيون، لم يتحمل لأجلها فكره الصقيل منة القيون.
فقد ألان الله لطبعه الحديد الكلام، كما ألان الحديد لداود ﵇.
وقد أوردت له ما لا يرى العيان مثله، ومن طمع في لحاقه فيوشك أن يصير في العالم مثلة.
فمنه قوله في الغزل:
أنا واللهِ المُعَنَّى بالهوَى شوقِيَ أعْرَبْ
كلَّما غَنَّى الهوَى لي أرْقصَ القلبَ وأطْرَبْ
وغَدا يسْقيه كاسا تِ صَباباتٍ فيشْرَبْ
فالذي يطمَع في سَلْ بِ هوى قلبيَ أشْعَبْ
قلتُ للمحبوبِ حتَّى مَ الهوى للقلْبِ ينْهَبْ
وبمَيْدان الصِّبا واللَّ هوِ ساهٍ أنتَ تلعبْ
قال ما ذنبْي إذا شا هدت خدًّا قد تلهَّبْ
فهوَى قلبُك فيها ذاهبًا في كلِّ مَذْهَبْ
قلتُ هَبْ أن الهوى هَبَّ فألْقاه بهَبْهَبْ
أفلا تُنقذ مَن يهْ واكَ من نارٍ تلَهَّبْ
وقوله:
طال في الحبِّ غرامِي إذْ رمى المُهْجةَ رامِ
فأصابَ القلبَ مَجرُو حًا بمَسْموم السِّهامِ
والهوى فوقي وتحتي وورائِي وأمامِي
ويمِيني ويَسارِي وهْو لاشكَّ إمامِي
قائدًا قلبي إلى نا رِ هَوانٍ وهُيامِ
قلتُ للمحبوبِ حتى مَ بِنيرانِ الغَرامِ
من ضَرِيعِ الشوقِ والأحْ زانِ أُكْلِي وطَعامِي
وشَرابِي من حَمِيم الْ هجرِ أغْرَى بي حِمامِي
لا تُغنِّي في أرَاكِ الْ وصلِ في زَفِّ حَمامِ
قال قِفْ واصبرْ على بَلْوَى الهوى صَبْرَ الكرامِ
فعسَى تحْظَى بجَنَّا تِ وصالِي وسَلامِي
السيد ناصر بن سليمان القاروني الخطيب النضيح، والشاعر الفصيح.
قضى فأرضى، ونضى فأمضى.
وفرع وأصل، وأجمل وفصل.
وذهب في البراعة كل مذهب، وارتدى من النباهة بكل رداءٍ مذهب.
فنظمه حظ الزمان، بل هو حظ الأمان.
وسجع الحمام، بل سفح الغمام.
وريق النحل، بل الخصب بعد المحل.
وقد ذكرت له ما تحله قلبا، وتضم عليه شغافًا وخلبا.
فمنه قوله:
أيا مَن يُغالِي في القريبِ ويشْترِي قرابةَ إنْسانٍ بألْفٍ أبَاعِدِ
تعالَ فإنِّي ليْتني لا قَريبَ لي أبِيعُك منهم كلَّ ألْفٍ بواحِدِ
وقوله من مرثية:
أيها النائمونَ والدهرُ يقَظْا نُ أصاحونَ أنتمُ أم سُكارَى
طاَما نِمْتُم فهُبُّوا من النو مِ فداعِي المَنونِ يدعُو جِهارَا
هو دَاعٍ إذا أهابَ بمَن في رأسهِ نَشْوةٌ أطار الخُمارَا
هو داعٍ يُجيِبه مَن دعاه كارهًا للِّقاءِ أو مُختارَا
هو ذا منزلُ الملوكِ برَغْمٍ لِرَغامٍ من الصَّياصِي اقْتسارَا
هو هذا مُكَسِّرٌ عَظْم كِسرَى ومُدِيرٌ رحَى المَنُونِ بِدَارَا
فبِدارًا ليومِ عَيْشٍ عزيزٍ قبل أن يُذيع الرحيلُ بِدارَا
وانْتهازًا لفُرصةٍ ليس تبْقَى قبل أن تُسلَبُوا عليها الخِيارَا
السيد أحمد بن عبد الصمد أحد من اجتنى طري القول واهتصر، إلا أن طريقه إلى الأدب مختصر.
له من الشعر بيتان، على جودة طبعه بينان.
لم يسمع له غيرهما قط، من برى قلمًا وقط.
وهما قوله:
لا بلَّغتْنِي إلى العلْياء مَعْرفتي ولا دَعتْنِي العُلاَ يومًا لها وَلدَا
إن لم أُمِرَّ على الأعْداء مَشْربَهم مَرارةً ليس يصْفُو بعدها أبَدَا
ماجد بن هاشم بن المرتضى بن علي بن ماجد خطيب شيراز وإمامها، ورئيسها المشار إليه وهمامها.
ماجد جد فوجد، وارتقى مثلما ارتقى له أبٌ وجد.
[ ٣٨٢ ]
نسبٌ من النبي مبتدى، وحسبٌ ببرد النباهة مرتدي.
وقد شفع شرف النسب بمزية الكمال، وقرن إلى صدق الأقوال فضل الأعمال.
وراء ذلك أدبٌ بلغ به الأرب، وملأ دلوه منه إلى عقد الكرب.
فمن شعره الذي تقف دونه الأطماع، وتشنف به على السماع الأسماع.
قوله في مليح قارىء:
وتالٍ لآيِ الذِّكْرِ قد وقفتْ بنا تلاوتُه بين الضَّلالة والرُّشْدِ
بلفظٍ يسُوق الزاهدين إلى الخَنَا ومعنىً يشُوق العاشقين إلى الزهدِ
وقوله:
وذي هَيَفٍ ما الوردُ يومًا ببالغٍ حُلَى وَجْنتيْه في احمرارٍ ولا نَشْرِ
برِئْنا من العَلْياء إن سِيمَ وصلُه عليْنا بما فوق النفوسِ ولا نَشْرِي
وقوله متغزلًا:
حسناءُ ساءتْ صَنِيعًا في مُتيَّمِها يا ليتَها شفَعت حُسْنًا بإحْسانِ
دَنَتْ إليه وما أدْنتْ مَودَّتَها فما انتفاعُ امرىءٍ بالباخِل الدَّانِي
جعفر أبو البحر بن محمد الخطي العبدي أحد بني عبد قيس الخط والحظ للخطى، وهذا من الجناس الخطي.
فآثار قلمه زينة الصحائف، وأخبار أدبه حلية التحائف.
وهو أحد الجلة المشاهير، وأوحد أولئك الجماهير.
وله في البحرين حديثٌ فاح أريجه، وتدفق بالثناء نهره وخليجه، فأنشد لسان مجده:
وهل يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاَّ وشِيجُه
فكم زمت إليه المطية، وركزت على رماحه الخطية.
وقد أثبت له ما يسو على النيرين، ويحسد اتساقه ما يخرج من بين البحرين.
فمنه قوله:
عاطِنيها قبل ابْتسام الصباحِ فهْي تُغنيك عن سَنا المِصباحِ
أنت تدْرِي أن المُدامة نارٌ فاقْتدِحْها بالصَبِّ في الأقداحِ
فهْي تمحُو بضَوئها صِبْغةَ اللَّيْ لِ فيغدُو وجهُ الدجَى وهْو ضاحِ
وإذا ما أحاط بِي وفْدُ هَمٍ مُهدِيًا لي طرائفَ الأتْراحِ
فارْسِلَنْها وَرْدِيَّة كدَمِ الظَّبْ يِ أسالتْه مُدْيةُ الذَّبَُّاحِ
فهي تُقْصِي إمَّا دَنتْ وارِدَ الهَمِّ وتُدْنِي شواردَ الأفْراحِ
ألْحَفتْ في السؤالِ هل من فَكاكٍ لأسيرٍ ما إنْ له من بَراحِ
مَزَجُوها فقيَّدوها فلو تُتْ ركُ صِرْفًا طارتْ بغير جَناحِ
يا خليلِي ولا أرَى لي من النا سِ خليلًا إلاَّ فتىً غير صاحِ
يتلقَّى عَذْلَ العَذُولِ بهَيْها تَ ويحْثُو في أوْجُه النُّصَّاحِ
ألِفَ الرَّاحَ فهْو بين اغْتباقٍ لا يُنادَى وليدُه واصْطباحِ
رُحْ على الرَّاس بي فليس على الأجْ سامِ عَيْبٌ في السَّعْيِ للأرواحِ
واسْقِنيها صِرفًا فللنَّارِ نأتْ جانبًا عن وِصال ماءٍ قَراحِ
خيرُ ما يُشرَب المُدامُ عليه وجهُ خَوْد من الكَعابِ رَداحِ
ذات قَدٍ تثْني الغصونُ عليها حين يهْفو بها نسيمُ الصباحِ
فوقه طُرَّةٌ تُظِلُّ مُحَيًّا جائلًا ماؤُه مُضِيء النَّواحِي
فهْي من نُورِ وجهِها وظلامِ الشَّ عرِ في حالتيْ مَسًا وصَباحِ
وثُغورٌ يُخَلْنَ في بارد الظَّلْ مِ حَبابًا يطْفُو على وجهِ راحِ
ما تَرى الدهرَ كيف رقَّتْ ليالي هـ فشقَّتْ عن أوْجُه الأفراحِ
ولما دخل بأصبهان، اجتمع بالبهاء الحارثي، وعرض عليه أدبه، فاقترح عليه معارضة قصيدته التي مطلعها:
سرَى البرقُ من نَجْدٍ فهيَّج تَذْكارِي عهودًابحُزْوَى والعُذَيبِ وذي قارِ
فعارضها بقصيدة طنانة، أولها:
هي الدارُ تسْتسْقِيك مَدْمعَها الجارِي فسَقْيًا فخيرُ الدمعِ ما كان للدَّارِ
ولا تسْتضِع دمْعًا تُرِيق مَصُونَه لِعزَّته ما بين نَوْءٍ وأحْجارِ
[ ٣٨٣ ]
فأنت امرؤٌ بالأمسِ قد كنت جارَها وللجارِ حقٌّ قد علمتَ على الجارِ
عشوتَ على الَّلذَّاتِ فيها على سَنَا سَناءِ شموسٍ ما يغِبْن وأقْمارِ
فأصبحتَ قد أنفقْتَ طَيِّبَ ما مضَى من العمرِ فيها من عُونٍ وأبْكارِ
نواصِعُ بِيضٌ لو أفَضْن على الدجى سَناهُنَّ لاسْتغْنى عن الأنْجُمِ السارِي
خرائدُ يقْصرن الأصولَ بأوْجُهٍ تغَصُّ بأمْواهِ النَّضارةِ أحْرارِ
مَعاطيرُ لم تُغْمَس يدٌ في لَطِيمةٍ لهُنَّ ولا اسْتَعْقَبن جَوْنةَ عطَّارِ
أبحَنْكَ مَمنوعَ الوصالِ نوازلًا على حُكْمِ ناهٍ كيف شاء وأمَّارِ
إذا بِتَّ تستسْقي الثغورَ مُدامةً أتَتْك فحيَّتْك الخدودُ بأزْهارِ
أموسمَ لذَّاتي وسُوقَ مآربي ومَجْنَى لُباناتِي ومَنْهب أوْطارِي
سقْتك برَغْمِ المُزْنِ أخْلافُ مُزْنةٍ تلُفُّ إذا جاشتْ سُهولًا بأوْعارِ
وفَجٍ كما شاء المجالُ حشَوْتَه بعَزْمةِ هَوَّالٍ على الهَولِ كَرّارِ
تمرَّس بالأسْفار حتى تركْنَه لدِقَّته كالقِدْحِ أرْهفَه البَارِي
إلى ماجدٍ يُعْزَى إذا انْتسب الورَى إلى مَعْشرٍ بِيضٍ أماجدَ أخْيارِ
ومُضطلِعٍ بالفضْل زَرَّ قميصَه على كَنْزِ آثارٍ وعَيْبَةِ أسْرارِ
سَمِيِّ النبيِّ المصطفَى وأمينهِ على الدِّين في إيرادِ حُكْمٍ وإصْدارِ
به قام بعد المَيْل وانتصبتْ به دعائمُ قد كانت على جُرُفٍ هارِ
فلما أناخَتْ بي على باب دارِه مَطايايَ لم أذمُم مغَبَّة أسْفارِي
نزلتُ بمَغْشِيِّ الرُّواقيْن دارُه مَثابةُ طُوَّافٍ وكعبةُ زُوَّارِ
فكان نُزولي إذ نزلتُ بمُغْدِقٍ على المجد فضلَ البِرِّ عارٍ من العارِ
أساغ على رَغم الحواسدِ مَشرَبِي وأعْذَبَ وِرْدَ العيش لِي بعد إمْرارِ
وأنقذني من قبْضةِ الدهرِ بعد ما ألَحَّ بأنْيابٍ عليَّ وأظفارِ
جُهِلتُ على معروفِ فَضْلي فلم يكنْ سواهُ من الأقوامِ يعرف مِقْدارِي
ولما انتهى إلى هذا البيت في الإنشاد، قال، وأشار إلى جماعة من سادات البحرين: وهؤلاء يعرفون مقدارك إن شاء الله تعالى.
على أنه لم يَبْقَ فيما أظنُّه من الأرضِ شِبْرٌ لم تُطبِّقْه أخْبارِي
ولا غَرْوَ فالإكْسِير أكبرُ شُهْرةً وما زال من جهلٍ به تحت أسْتارِ
متى بُلَّ لي كفٌّ فلستُ بآسِفٍ على درهمٍ إن لم ينَلْه ودينارِ
فيا ابنَ الأُلى أثْنَي الوَصِيّ عليهمُ بما ليس تَثْنِي وجهَه يدُ إنْكارِ
بِصفِّين إذ لم يُلْفِ من أوْليائه وقد عَضَّ نابٌ للورَى غير فرَّارِ
وأبْصر منهم جِنَّ حَرْبٍ تهافتُوا على النارِ إسْراعَ الفَراشِ إلى النارِ
سِراعًا إلى داعِي الحروب يرَوْنَها على شُرْبِها الأعمارَ موردَ أعْمارِ
أطارُا غُمودَ البيض واتَّكلُوا على مَفارِق قومٍ فارَقُوا الحقِّ كُفَّارِ
وأرْسَوْا وقد لاَثُوا على الرُّكَبِ الحُبَى بُروكًا كهَدْيٍ أبْرَكوه لَجزَّارِ
فقال وقد طابتْ هنالك نفسُه رِضًا وأقَرُّوا عينَه أيَّ إقْرارِ
فلو كنتُ بَوَّابًا على بابِ جَنَّةٍ كما أفحصتْ عنه صَحِيحاتُ آثارِ
[ ٣٨٤ ]
يشير إلى همدان، وهي قبيلة من اليمن، ينتهي إليهم نسب الممدوح، وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاءً حسنًا، فروي أنهم في بعض أيامهم حين استحر القتل، ورأوا فرار الناس عمدوا إلى غمود سيوفهم فكسروها، وعقلوا أنفسهم بعمائمهم، وجثوا للركب، وبركوا للقتل، فقال فيهم أمير المؤمنين، كرم الله وجهه:
لَهمْدان أخلاقٌ ودِينٌ يزِينُها وبأسٌ إذا لاقَوْا وحُسْنُ كلامِ
فلو كنتُ بَوَّابًا على بابِ جَنَّةٍ لقلتُ لهَمْدان ادْخُلوا بسَلامِ
وقال فيهم يوم الجمل: لو تمت عدتهم ألفًا لعبد الله حق عبادته.
وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر:
ناديتُ هَمْدان والأبوابُ مُغْلقةٌ ومثلُ هَمْدان سَنَّى فتْحةَ البابِ
كالهُنْدُوانِيِّ لم تُفْلَل مَضارِبُه وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وَجَّابِ
ذكره ابن عبد ربه في العقد.
وهمدان بسكون الميم، وبعدها دال مهملة، وأما همذان، بفتح الميم والذال المعجمة، فبلد من بلاد العجم، وهي أول عراق العجم، وإليها نسب بديع الزمان الهمذاني، صاحب المقامات التي اقتفى الحريري أثره فيها.
ومن شعر صاحب الترجمة، قوله من قصيدة يمدح بها وزير البحرين محمود بن نور الدين، وهي أول قصيدة أثبتها في المدح، وأنشدها يوم عيد الفطر:
ماذا يُفيدُك من سُؤالِ الأرْبُعِ وهي التي إن خُوطِبَتْ لم تسمَعِ
سَفَهٌ وقوفُك في رُسومٍ رَثَّةٍ عَجْماءَ لا تدرِي الكلامَ ولا تعِي
فذَرِ الوقوفَ على مَخافِي منْزلٍ عافٍ لمُختلِف الرِّياح الأرْبَعِ
وامْسِك عِنانَ الدمعِ عن حَوْبائِه في دِمْنةٍ لم تحمْدَنْك ومَرْبَعِ
اللهُ جارُك هل رأيتَ منازلًا عطِلتْ فحلَّتْها عقودُ الأدْمُعِ
واسْتبْقِ قلبَك لا تَعيشُ بغَيْرِه وشعاعَ نفس إن يَغبْ لم يَطلُعِ
واصرِفْ بصِرْفِ الرَّاح همَّك إنها مهما تفرَّق من سرورِك تجمْعِ
كَرْمِيَّةٌ تذَرُ البَخيلَ كأنما نزَل ابن مَامةَ من يدَيْه بأُصْبُعِ
فهي التي آلتْ ألِيَّةَ صادقٍ أن لا تُجاورها الهمومُ بمَوْضعِ
مع كلِّ ساحرة اللِّحاظِ كأنها ترْنُو بناظِرتَيْ مَهاةٍ مُرْضِعِ
وكأنما تَثْنِي على شمسِ الضحى إمَّا هي انْتقبَتْ حواشِي البُرْقُعِ
إما مركبة من إن الشرطية، وما الزائدة، وأدغمت النون في الميم.
وكأنما وُضِع البُرَى منها على عُشَر تعاوَره الحَيا أو خِرْوَعِ
البرى هنا جمع برة، وهي الخلخال.
والبيت وصفٌ لها بالطول وتمام الخلق.
وتعاوره الحيا تأكيدٌ وتحسين لهذا الوصف.
يا مَن يفِرُّ من الخُطوب وصَرْفِها أنَّى رآه يفِرُّ عنها يتْبعِ
لُذْ بالوزير ابنِ الوزير فإنما تأْوِي إلى الكَنَفِ الأعزِّ الأمْنَعِ
ملِكٌ رَقَى دَرْجَ الفخارِ فلم يدَعْ فيها لِرَاقٍ بعده من مَطْمَعِ
وتناولَتْ كفَّاه أشْرفَ رتبةٍ لو قام يلْمِسُها السُّهَا لم يَسْطَعِ
أنْدَى من الغيْثِ المُلِثِّ إذا اجْتُدِي أحْمَى من الليثِ الهِزَبْرِ إذا دُعِي
التَّارِكُ الأبطالَ صَرْعَى في الوغَى فكأنهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِ
منقع من الاكتفاء، وله معنىً بدون الاكتفا؛ بأن يكون مأخوذًا من أقعى فرسه، إذا رده القهقرى، فيزادياءً، أو من أنقع الميت، أي دفنه، والمراد دفنها بعشية القتال.
يذَرُ الجماجمَ في المَكَرِّ سَوَاقِطًا سَقْط الثِّمار من المَهَبِّ الزَّعْزَعِ
أفْدِيه وهْو على أغَرَّ مُحجَّلٍ ظامِي الفُصوصِ سليم سَيْرِ الأكْرَعِ
الفصوص: جمع فص، وهو ملتقى كل عظمين.
وظامي الفصوص، كناية عن لطافة مفاصله.
نَهْدِ المَراكل واللَّبان بعيدِ ما وُضِع العِنانُ به عَصِيٍ طَيِّعِ
[ ٣٨٥ ]
فكأنه لمَّا اسْتقام تَلِيلُه مُصْغٍ تلقَّفَ نَبْأةً من بُرْقُعِ
في جَحْفلٍ كالْيَمِّ إلاَّ أنه لا ماءَ فيه غيرُ لَمْعِ الأدْرُعِ
حتى ترجَّل للصلاةِ ولم نجِدْ أسدًا يُصلِّي قَبْلَه في مَجْمَعِ
لو قال: أخشع خاشع متورع. لكان أنسب بأفتك فاتك.
حُيِّيتَ يا كسرى الملوكِ تحيَّةً تُرْبى على كسرَى المُلوكِ وتُبِّعِ
يا ابنَ الأُلَى جعلوا مراكز سُمْرِهمْ حَبَّ القُلوبِ بكل يومٍ مُفْظِعِ
واستبْدلُوا لِلْبِيض من أغْمادِها في الحرب هامةَ كلِّ ليثٍ أرْوعِ
النازلين من العُلَى في رتبةٍ هامُ السُّها منها بأدْنَى موضعِ
ما حدَّثتْ نفسُ امرىءٍ ببُلوغِها إلاَّ ومات بغُلَّةٍ لم تُنْقَعِ
وإليك من عُرْبِ الكلامِ خريدةً جاءتْك مُسْفِرةً ولم تتَبرْقَعِ
عذراءَ أوّلُ ما جَناه لناظرٍ نَظْمِي وأولُ ما تلاه لِمَسْمَعِ
مِن شاعرٍ ذَرِبِ اللسانِ مُفَوَّهٍ طَبٍ بترْكيب القوافِي مِصْقَعِ
فاضمُمْ عليه يديك تَحْظَ بآخِرٍ أذْكَى من المتقدِّمين وأبْرعِ
فَليُسْمِعنَّك إن بَقِي لك بعدها ما يسْتبين لديْه ذُلُّ الأشْجَعِ
قلت: لله دره من فارس مجال هو على تناول المعاني أشجع من أشجع، وخطيب حفل كلماته أفيد من قائل أما بعد وأنجع.
وقد انتهى ذكر أهل البحرين الذين ارتفع قدرهم وسما، وروت غررهم في رياض آدابها حديث النعمان عن ماء السماء.
وهنا أذكر من نجم من بلاد العجم ممن وقع عليهم الاتفاق، وانهلت فوائدهم كالسحاب الدفاق.
فمنهم: الحكيم أبو الحسين بن إبراهيم الطبيب الشيرازي فارس حكماء الشرق، المستوفي في السبق شوط البرق.
بلغ وهو شاب مبلغ الشيخ فقضى له بالرياسة، وبرع في صناعة الطب براعة حكمت له بالاستيلاء على النباهة والكياسة.
إلى أدب يتخيله الفكر فيشفى به عليله، وينطبع في الطبع فيشحذ به كليله.
وحسن طلعةٍ تتعشقها الصور، ولطف علاجٍ لم يبق معه ما تشتكيه مرضى العيون إلا الحور.
وقد وقفت له على شعر ألذ من العافية للسقيم، وألطف من بشرى الولد الكريم للشيخ العقيم.
فأثبت منه ما هو غايةٌ في حسن الأسلوب، وكأنما هو دواءٌ لأمراض القلوب.
فمنه قوله:
كشف الصبحُ اللِّثامَا وجَلى عنَّا الظلامَا
فأجِلْ لي الكأسَ ونَبِّ هْ أيها السَّاقي النُّدامَى
عَلَّنا نقضِي كما رُمْ نا من الأُنْسِ المَرامَا
ما ترى الوُرْقَ على الأيْ كِ يُجاوِبْنَ الحَمامَا
وزُهورَ الروضِ أصْبَحْ نَ يفُتِّقْنَ الكِمامَا
والحَيا يبْكِي عليهِنَّ فيَضْحكْنَ ابْتسامَا
ووميضَ البَرْقِ قد سَلَّ على الأُفْقِ الحُسامَا
وحبِيبَ النفسِ قد لا حَ لنا بَدْرًا تِمَامَا
أيُّ عُذْرٍ لك إن لم تصلِ الراحَ مُدامَا
فاغْنَمِ الأُنْس وبايِنْ مَن لَحَى فيه ولاَمَا
وهي عروض أبيات بلديه الشيخ سعدي، صاحب الكلستان، وهي:
يا نَدِيمي قُمْ بليلٍ واسْقِني واسْقِ النُّدامَى
خَلِّني أسهرُ ليلِي ودَعِ الناس نِيامَا
اسْقِيانِي وهدِيرُ الرَّ عدِ قد أبْكَى الغَمامَا
في أوانٍ كشفَ الوَرْ دُ عن الوجهِ لِثامَا
أيها المُصْغِي إلى الزُّهَا دِ دَع عنك الكلامَا
فُزْ بها من قبلِ أن يجْ علك الدهرُ عِظامَا
قُل لِمَن عيَّر أهْلَ الْ حُبِّ في الحبِّ ولاَمَا
لا عرفتَ الحبَّ هَيْها تَ ولا ذُقْتَ غَرامَا
[ ٣٨٦ ]
لا تلُمْني في غُلامٍ أوْدعَ القلبَ سَقامَا
فبِداء الحبِّ كم من سيِّدٍ أضْحى غُلامَا
ومن رقيق شعره قوله في الغزل:
مَن أوْدَع الشُّهْدَ والسُّلافَ فَمَهْ والجوهرَ الفَرْدَ فيه من قَسَمَهْ
وواوُ صُدْغَيْه فوق عارضِه يا ليت شِعْرِي بالمِسْك من رَقَمَهْ
ووافرُ الحُسْنِ والجمالِ به من دون كلِّ الحسانِ مَن رَسَمَهْ
وخَدُّه الوردُ في تضرُّجِه ما ضَرَّهُ لو مُحِبُّه لَثَمَهْ
دمِي ودَمْعِي بلَحْظِه سُفِكَا فلا شفَا منه رَبُّه سَقَمَهْ
كم من قتيلٍ بسيفِ مُقْلتِه لم يَخْشَ ثارًا لمَّا أباح دَمَهْ
كتمْتُ حُبِّي عن الوُشاةِ فما ظَنَّ به كاشحٌ ولا عَلِمَهْ
وكم مُحِبٍ أعْيَتْ مذاهبُه أذاع سرَّ الهوى وما كَتَمَهْ
وقوله، وأجاد في الجناس:
قضَى وَجْدًا بحُبّ أُهَيْل رَامَهْ وما نال الذي في الحبِّ رَامَهْ
مُحِبٌّ لم يُطِع فيهم عَذُولًا ولا قبلتْ مَسامعُه المَلامَهْ
نَهاهُ عن الهوى لاَحِيه سِرًّا فقال لها جِهارًا في المَلامَهْ
فقولوا يا أُهَيْل الوُدِّ قولُوا على مَ هجرتُمُ المُضْنَى على مَهْ
وقد أمسَى بهجرِكُمُ قتيلًا وحُبُّكُمُ له أضْحَى علامَهْ
المنلا فرج الله الششتري أحد شعرائهم المفلقين، وأوحد لطفائهم الذيقين.
شعره نظم الإحسان في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض.
وشعره في الصنعة بردٌ مروي، وفي العذوبة حديث للشباب مروي.
فمما انتخبته من شهيه، وألمعت به من بهيه.
قوله من قصيدة، مستهلها:
ما بين دِجْلَة والفُراتِ مَراتِعٌ هي للنفوسِ معارجٌ وسَماءُ
ومنازلٌ هي للقلوب منازِلٌ لا جاوزَتْها دِيمةٌ هَطْلاءُ
لا الْجِزْعُ يُسْلِيني ولا وادي الغَضا عنها ولا نَجْدٌ ولا الدَّهْناءُ
لا رامَةٌ رَوْمِي ولا حُزْوَى ولا وادي النَّقا والخَيْفُ والخَلْصاءُ
سَقَتِ الغوادِي رَوْضَها وفَلاتَها ورعَتْ بمَرْعاها مَهًا وظِباءُ
أصْبُو إلى سُكانها طولَ المدَى لم تُلْهِني خَوْدٌ ولا هَيْفاءُ
إنَّ الأماكنَ تُسْتحَبُّ لأهلِها أنا عُرْوةٌ وجميعُهم عَفْراءُ
بهمُ أُشَبِّب لا بعاتكةٍ وكم في مُهْجتِي من بينهم بُرَحاءُ
أسماؤُهم ملأتْ خُروقَ مَسامعِي لا مَيُّ تسْكنها ولا أسْماءُ
للنَّازِلين على الفُراتِ مَواطِنٌ لهمُ بهنَّ عن الخيامِ غَناءُ
وبِسُوحِهنَّ مراتعٌ ومَلاعبٌ الليلُ فيها والنهارُ سَواءُ
قد تلطف في هذا، ومراده أنها لشدة اعتدالها تساوى فيها الليل والنهار، كما يكون ذلك في البلاد التي في خط الاستواء، أو في الربيعين اللذين هما أعدل الأزمنة.
ووقع لي من قصيدة:
قد لاح في خَدِّه العِذارُ فاعتدلَ الليلُ والنَّهارُ
مُستوطنُ الآمال غاياتُ المُنَى للغانياتِ بها الغَداةَ ثُواءُ
يرْتعْنَ بين ضُلوعِنا فكأنَّما أرْباعُها الألْبابُ والأحْشاءُ
آرامُ أُنْسٍ للنفوسِ أوانِسٌ داءٌ ولكنْ للعيون دواءُ
يُصْغِي إليهنَّ الجليسُ فينْثنِي وهناك لا خمرٌ ولا صهْباءُ
حلَّ الربيعُ متى حَلَلْنَ بمنزلٍ فكأنهنَّ عوارضٌ وحياءُ
وإذا ارْتحلْنَ ترى الديارَ كأنها من فَقْدِهنَّ سباسبٌ قَفْراءُ
[ ٣٨٧ ]
كم من مناهلَ للفُراتِ ورَدْنَها وصَدَرْنَ وهْي لِعَوْدِهنَّ ظِماءُ
لا تعجَبنْ إن لم يَفِينَ بمَوْعدٍ إن الغوانِي ما لهُنَّ وَفاءُ
سُكانُ تلك الأرضِ كلُّهم لهم عندي هوىً وصداقةٌ وإخاءُ
إن يسْلِبوا عنِّي السرورَ ببَيْنِهمْ فلِمُهْجَتِي بحديثِهم سَرَّاءُ
فهمُ مَناطُ مَساءَتي ومسرَّتِي وهمُ لقلبِي شِدَّةٌ ورخاءُ
أكبادُنا نارُ الغَضا من بعدهمْ تُذْكِي الأسَى وجفونُنا أنْواءُ
الظَّاعِنون القاطنونَ قلوبَنا هم واصِلين وقاطِعين سواءُ
وإذا المَحبَّةُ في الصدورِ تمكَّنتْ فقد اسْتوَى الإبْعادُ والإدْناءُ
ألقتْنِيَ الأيامُ من أرضٍ إلى أرضٍ لها أرضُ العراقِ سَماءُ
شتَّان ما بيْني وبين مَزَارِهمْ هيهات أين الهندُ والزَّوْراءُ
كيف احْتيالِي في الوُصولِ إليهمُ إن الوصولَ إليهم لَرَجاءُ
لا تركَبنْ ظهرَ الرجاءِ مَطِيَّةً إن الرجاءَ مَطِيَّةٌ عَوْجاءُ
وكواذِبُ الآمالِ لا تُهدَى بها دَعْها فتلك هدايةٌ عَمْياءُ
يا ساكنِي دارِ السلامِ عليكمُ مني السلامُ ورحمةٌ ودعاءُ
أين الغَرِيُّ وأهلُه وضجِيعُه رُوحي له ولِمَا حَواه فِداءُ
ومن مديحها قوله:
الأحمدُ المحمودُ كلُّ فِعالِه ما شاءَه وقضى به فقَضاءُ
فله يَدٌ وله أناملُ فِعْلُها الْ إحسانُ والإنعامُ والإعطاءُ
لا كالبحارِ تظَلُّ تجمع ماءَها بل كالجبالِ يسيلُ عنها الماءُ
مالَ الخلائقُ حيث مالَ كأنه شمسُ السَّما وكأنهم حِرْباءُ
يعني أنهم يتلونون معه، ولا يستقرون من الطيش على حال، كما تتلون الحرباء ألوانًا مع الشمس.
والحرباء دويبة تسمى أم حبين، وتكنى أبا قرة.
ويقال حرباء الهجري لما ذكر، وحرباء تنضب، كما يقال ذئب غضا، وهو شجر يتخذ منه السهام، جمع تنضبة.
وفي شفاء الغليل للشهاب: الحرباء، جنس من العظاء، معرب حوربا، أي حافظ الشمس؛ لأنه يراقبها ويدور معها.
وفي المثل: أحزم من حربا، لأنه مع تقلبه في الشمس لا يرسل يده من غصن حتى يمسك آخر.
وإياه عنى التميمي في قوله:
لنا صديقٌ له في الغانياتِ هَوىً وأيْرُه لا يزال الدهرَ طَرَّاقَا
كأنما هو حِرْباءُ الهَجيرِ ضُحىً لا يُرسِل الساقَ إلا مُمْسِكًا ساقَا
وهو تضمين، من قول بعض شعراء الجاهلية:
أنَّى أُتِيحَ له حِرْباءُ تنْضُبَةٍ لا يُرسِل الساقَ إلاَّ مُمْسِكًا ساقَا
وضربه بعض العرب مثلًا للألد الخصام، الذي كلما انقضت له حجة أقام أخرى.
وضربه ابن الرومي مثلًا للقبيح.
ويضرب به المثل في كثير التقلب.
عادتْ عصافيرًا بُزاةُ زمانِه وتصاغرتْ لجَلالهِ الكُبراءُ
منها:
حسْبي سُمُوًّا إن تكن بي عارفًا ما ضَرَّني أن يُنكِر الضعفاءُ
لا غَرْوَ إن لم تُفْصِح الأيامُ بي الدهرُ ابنُ عَطا وإنِّي الرَّاءُ
وبذا جرَى طبعُ الزمانِ وأهلِه دُفِن الكمالُ وأهله أحياءُ
هب لي قُصورِي واغْفِرَنْ ذنبي فما أنا منه في هذا الهُذاء بُراءُ
ما الجُود مخصوصًا ببَذْلِ المُقتنَى بل منه عندي العَفْوُ والإغْضاءُ
هذا مديح من خُلوصِ عقيدةٍ معلومةٍ وتحيَّةٌ وثَناءُ
قوله: الدهر ابن عطا وإني الراء يريد واصل بن عطاء المعتزلي، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، وكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن لذلك؛ لاقتداره على الكلام، وسهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق الضبي:
عليمٌ بإبْدالِ الحروفِ وقامِعٌ لكلِّ خطيبٍ يغلبُ الحقَّ باطلُهْ
وقال فيه أيضًا:
[ ٣٨٨ ]
ويجعل البُرَّ قَمْحًا في تصرُّفهِ وخالف الرَّاءَ حتى احتال للشّعَرِ
ولم يُطِق مَطَرًا والقولُ يُعجِلُه فعاد بالغيْث إشْفاقًا من المطرِ
ومما يحكى عنه، وقد ذكر بشار بن برد: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله: أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسيًا أو عقيليًا.
فقال: هذا الأعمى، ولم يقل: بشارًا، ولا ابن برد، ولا الضرير.
وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية.
وقال: لبعثت، ولم يقل: لأرسلت.
وقال: على مضجعه، ولم يقل: على مرقده، ولا على فراشه.
وقال: يبعج بطنه، ولم يقل: يبقر.
وذكر بني عقيل؛ لأن بشارًا كان يتوالى إليهم.
وذكر بني سدوس؛ لأنه كان نازلًا فيهم.
وكلف تأدية هذه العبارة، وهي: أمر أمير الأمراء أن يحفر بئرٌ على قارعة الطريق؛ ليشرب منه الوارد والصادر.
فقال: حكم حاكم الحكام أن ينبش جبٌّ على الجادة؛ ليستقي منه الصادي والغادي.
واستعمل الشعراء إسقاط الراء في أشعارهم.
فمنه قول أبي محمد الخازن، من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد:
نعَم تجنَّب لا يوم العطاءِ كما تجنَّب ابنُ عطاءٍ لَثْغةَ الرَّاءِ
وقال آخر، في محبوب له ألثغ:
أجعَلتَ وصلِي الراءَ لم تنطِقْ بها وقطَعْتني حتى كأنَّك واصلُ
وللمترجم في مليح ألثغ في الراء:
أعِدْ لَثْغةً لو أنَّ واصلَ حاضرٌ فيسْمَعها لم يهجُر الراء واصلُ
عرفي الشيرازي هو في أدباء فارس، لدر الكلم في روض الطوس غارس.
وكان دخل الهند فجاس خلاله، وملأ بلاده جلالة.
وحل به محل الماء من الصديان، والروح من جسد الجبان.
فنشل ما في كنانته من المكنونات، ونثر ما في ذخائره من المخزونات.
وبها دعاه الله إليه، فلا زالت سحائب الرحمات منهلةً عليه.
ولم أقف له على شعر عربي تنقله الرواة، فعربت مفردات جعلتها حلى الأسماع والأفواه.
فمنها:
كلُّ عَزْمٍ حوَى الأنامَ هَباءٌ عند عَزْم العلاَّمةِ الأستاذِ
لو يكن كفُّه وحاشَاه شَمْعًا جذَب النارَ من حشَا الفُولاذِ
ومنها:
وَيْلايَ قد وُجِدتُ بعد ما انْمَحتْ مراسِمُ الشَّبِيبةِ المأْهولَهْ
فصرتُ شيخًا هَرِمًا من قبل أن أُعاينَ الشبابَ والكُهولَهْ
من هذا:
وأرجُو أن يُعِيد رُوا شبابي زمانٌ غادَر الوِلْدانَ شِيبَا
طالب الآملي شاعرٌ مراميه مصميةٌ لأغراضها، وجواهر كلماته خلصت من شائنة أعراضها.
قبلة النفوس من جميع الجهات، فكل قضاياه إلى الصواب موجهات.
وقد عربت له:
لَوَ انَّ الجاهَ مخصوصٌ بأهل الجودِ والكرَمِ
لَخُصَّ المسكُ بالغزلاَ نِ حول البيْتِ والحَرَمِ
صائب واحدٌ معدودٌ بألف، جميع من تقدمه من شعرائهم متأخر مع الخلف.
لا يوتر إلا رشق رشق صائب، وأشعاره عندهم أكاليل على الجباه وعصائب.
رفعته ملوك أوانه، وباهت أهل داووينها بديوانه.
وأوسعته رعيا، وأحسنت فيه رأيا.
تييه الأقلام تحية كسرى، وتقف الآراء دون مداه حسرى.
وقد تلاعب بالمعاني تلاعب الصبا بالبانة، والصبا بالعاشق ذي اللبانة.
فكأنما قلمه مزمارٌ ينفخ الأهواء في يراعته، وعزيمةٌ تنطق مجنون الوجد من ساعته.
وقد أوردت من معرباته ما تطيش عند تخيله الأذهان، وتبطل فيه رقى الهند وتزاويق الكهان.
فمنه:
مَن لي بمَن ألْقاه من إعْجابه بتَتابُع الأنفاسِ دَلًا يُحْدِثُ
لولا فَنائِي عند كلِّ دقيقةٍ لحسِبْتني إن قلتُ آهًا ألْهَثُ
ومنها:
ما المُلْكُ بالمالِ ولا بالخيلِ ولا بالدَّرَقِ
إسْكندرُ الدهر فتىً يملِك سَدَّ الرَّمَقِ