فاضلٌ ملء أبراده، جم الفوائد في تحريره وإيراده.
أدبه غض، ومذهبه مبيض.
ولطف طبعه معتدل بين الإفراط والتفريط، وله نثر ونظم حَلَّيا الأجياد والآذان بالتنظيم والتقريط.
هو وإن كان بعليَّ الطينة، فهو دمشقيُّ المدينة.
وردها وعنفوانه زاه وشرخه، وفاقها وقد استمجد في البراعة عفاره ومرخه.
وبها كان تليين خشونته، وتسهيل صعوبته وحزونته.
إلا أنه نازل همًا ممضًا، وتسهيل أسفا للمضاجع مقضًا.
وكان مشارا إليه بالنباهة، مرموقًا أن يتنبَّه حظه بعض انتباهة.
ثم دخل الروم فأسرع البخت إلى إمداده، وتمنَّت سود الحدق لو كانت عوض مداده.
فبقى في ذلك الأفق وهو ملتاح، وكل قلب إلى تودده مرتاح.
ثم ترامى في وسع الفضا، فأصبح فيه كرةً لصولجان القضا.
وما زال حتى نال من حظه أتمه، واستوفى أجله المحتوم ثمة.
فطواه الدهر طي السجل، ومحا آثاره التي تسمو وتجل.
ولقد أوردت له من شعره ما يقضي بجودته المتخير، ويبهر حسنه الفكر فيغدو عليه كالواقف المتحير.
فمن ذلك قوله من فتحية للسلطان محمد، لما أرسل وزيره الفاضل ففتح إيوار، وزند الدولة إذا ذاك وار، وشخص تلاشيها متوار. ونافذ أمرها لمعصم الامتثال سوار.
فحلَّ في ناحيتها بجيشٍ ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رحبتهم أعضاؤها.
ودارت بينه وبين الكفار للحرب كؤوس، ترامت منهم بسببها نحو الهلك أنفسٌ ورءوس.
فحامت المنايا عليهم، وغدت ألسنة البيض تتلمَّظ عليهم.
فكأنهم هشيمٌ حصدته ظبا السيوف، وقضت ديون أنفسهم غرماء الحتوف.
ثم افتتح القلعة، وسهل تلك الصعوبة والمنعة.
وتواردت البشائر بأن الله وهب الظفر، وأحاق سوء العذاب بمن كفر.
فعمل البهائي قصيدته هذه وسيرها، وهي قصيدة معمورة ومطلعها:
بالفتح زاد الدِّينُ عزًّا واعْتِلاَ واللهُ أعْظَمَ مِنَّةً وتفضُّلاَ
بالنَّصر أنْجز وعدَه سبحانه أعزَّ جندَ المسلمين أُولى الوَلاَ
هبَّوا كما هبَّ النسيمُ إذا سرى يغْتصُّ عُرْضُ الأرض منهم والفَلاَ
في جَحْفلٍ ستروا البسيطةَ كثرةً لم تُلْفِ مثلَهم النواظرُ جَحْفلاَ
أرْبَوْا على التَّعداد حصرًا واعتلَوْا من حيث لا أدرِي أواخرَهم ولاَ
فكأنَّ وجهَ الأرض حَلْقةُ خاتمٍ بهمُ وماءَ البحر قَطْرٌ أُسِبلاَ
ثبتُوا ثَباتَ الرَّاسياتِ تصبُّرًا من يَلْتقيهمْ يَلْقَ منهم أجْبُلاَ
شاكي السِّلاحِ بكلِّ أبيضَ مِخْذَمٍ ما شِيَم إلا قد أصاب المقْتلاَ
[ ٢٥٦ ]
حتى إذا حَمِىَ الوَطِيس لدى الوغى لم تْلقَ إلا باسلًا مُستبْسِلاَ
أنِفتْ سيوفُهمُ الغُمودَ فلا ترى إلا صَقِيلًا في نَجِيعٍ أنْهلاَ
سالتْ به البَطْحاءُ حتى لا ترى طِرْفًا بغير دمِ الرَِّقاب مُحجَّلاَ
من كلِّ عِلْجٍ ذاهلٍ عن نفسِه إذ لا يرى مَنْأًى ولا مُتحوَّلاَ
مُلِىءَ اللعينُ مخافةً لمَّا رأَى في الحربِ شدَّتَهم وزاد تَزَلْزُلاَ
فغدا يُنادِى حسرةً وتأسُّفًا يا ويْلتاه العمرُ ضاع سَبَهْلَلاَ
من بعد ما قد شَبَّ نِيرانَ الوغَى بغُرورِه تَعْسًا له ما أشْعلاَ
عدَّ الهزيمةَ والفِرارَ غنيمةً أنِفَ الإقامة خوف أن يُستأصَلاَ
أوَ ما يحقُّ له الفرارُ وقد رأى مالا يُطيقِ من الغُزاةِ تحمُّلاَ
جلَب الغُزاةُ بخيْلهم وبرَجْلهمْ جَلْبًا عليهم ما أشدَّ وأقْتلاَ
فعُلوجُهم جَزْرُ الظُّبا ونساؤُهم أسْرَى تِئُّن تذلُّلا وتهوُّلاَ
تبكي عليهنَّ البَطارِقُ حسرةً كالوُرْقِ في جُنْح الدجى وتمَلْمُلاَ
وبقيَّةُ الأسياف منهم شذِّبوا أيْدي سَبَا تخِذُوا الهزيمة مَعْقِلاَ
ما ضَرَّهم لو سالُموا من قبلُ أو أدَّوْا كما شُرِع الخَراجُ تبَذُّلاَ
ما كان قيصرُ أو هِرَقْل وتُبَّعٌ أو سيفُ ذِي يَزَنٍ وكسرى أوَّلاَ
وهلُمَّ جَرًّا مثل أدْنى خادمٍ لخليفِة الله المعظَّم ذي العُلَى
ملكُ الورى أسَدُ الشَّرَى سامي الذُّرَى حامِي حِمَى الدينِ القويم المَوْئِلاَ
شمسُ المعالي ابن بَجْدَتها الذي قد حلَّ في أوْج السعادة واعْتلَى
ملكٌ علا في المجد أعْلَى رُتبةٍ أنِفتْ تكون له الثُّريَّا منزِلاَ
تعْنُوا ملوكُ الأرِض قاطبةً له أبدًا وتسعَى خِيفةً وتذَلُّلاَ
تخْشى سطاهُ الأُسدُ في آجامِها فتذوبُ منه تضاؤُلًا وتغَلْغُلًا
قسَما بطَلْعته ألِيَّةَ صَادقٍ في حَلْفه بَرِّ اليمينِ إذا ائْتلَى
لم تسمحِ الأيامُ قطُّ بمثلِه ملِك تعمَّم بالتقى وتسَرْبَلاَ
لم يُحْصِ مادحُه جميلَ صفاتِه كلاَّ ولو أفْنَى القريضَ تسلسُلَا
لم يأْلُ جهدًا في الجهاد ولم يزلْ يسعَى بإرسالِ الجيوش مُكمَّلَا
في نُصْرة الدين المُبين مجاهدًا بَرًّا وبحرًا للعساكر مُرسِلَا
عن حَوْمِة الإسلام ذَبَّ عِداتِه وأباد عُبّادَ الصليبِ وزَيَّلاَ
ما زال يْضرَع في الدعاءِ لربِّه سِرًّا وجَهْرًا مُجْمِلًا ومفصِّلَا
مُتوجِّها بخُلوص قلبٍ صادقٍ فيما انْتحاه تضرُّعًا وتبُّتلَا
فأتْته بُشْرى التح وهو مُلفَّعٌ ثوبَ السعادة بالجلال مُسَرْبَلَا
مُسْتيقِنًا بحُصوله ومؤمِّلا من ربِّه إتْمامَه متوكِّلَا
لا زال تأْتيه البشائرُ دائما أبدًا وتخدمه المفاخرُ والعُلَى
وأدامه عَوْنا وغَوْثًا للورى وحَباه ربُّ العرشِ عمرًا أطْولَا
بسَمِيِّه خيرِ الأنام محمدٍ والآلِ والصحبِ الكرام ذوِي الولَا
مالاح نجمٌ في السماء لناظرٍ وأضاء بدرٌ في الدجى وتهلَّلَا
وله في المدح:
إليك دون الورَى انْتَهى الكرمُ ومن أيادِيك تهْطِل النِّعَمُ
[ ٢٥٧ ]
لن يبُلغ المدحُ فيك غايَته بل دون مَعْناك تنفَدُ الكلِمُ
أنت الذي تُرتجَى مكارمُه وكم أناسٍ وجودُهم عَدَمُ
أنت الذي الدهرُ دون هِمَّتِه وفوق هامِ السَّما له قدمُ
مَن ذا يُضاهِيك هِمَّةً وعُلا وهل تَساوَى الأنوارُ والظُّلَمُ
طَوْدُ وَقار بالحِلْم مُشتِملٌ بحرُ نَوالٍ بالجود مُلتطِمُ
يُخجِل صَوْبَ الغمام نائلُه بل دون هَتَّان كفِّه الدِّيَمُ
أعْتابُه مَأمَنٌ لداخلِها من كلِّ هَوْلٍ كأنها حَرَمُ
وله أيضًا:
بأيِّ لسانٍ يحصُر العبدُ شكرَ من دَمِى من أيادِيه ولحمِى وأعْظُمِى
ومَن عشتُ دهَرًا تحت أكْنافِ ظِلِّه أروح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمِ
وفُزْت بعلمٍ منه عَزَّ اكْتسابُه وذاك لَعَمْرِي حسرةُ المتعلِّمِ
ينزِّهنِي في ظاهرِي وسَرائرِي بإرْشادِه عن كل رَيْبٍ ومأْثَمِ
ويمنْحني مَحْضَ النصيحِة جاهدًا يُعلِّمني طُرْقَ العُلى والتَّكرُّمِ
ولولاه مَن عبدُ اللطيف ومَن له ومن يخدِم الأمْجادَ يشْرُفْ ويكرُمِ
وحسبِيَ من شكرِي اعْترافي بفضِله وتصديقُ قلبي والجوارِح والفمِ
وله أيضًا:
مَعاذَ الوَفا أن يُصبح العبدُ خاليَا عن الشكرِ للمولى الذي قد وفَا لِيَا
وأنْعمَ حتَّى لم يدعْ ليَ مَطلبَا وأنْكَى بما أسْدَى إلىَّ الأعاديَا
وكلُّ الذي أمَّلْتُه من نَوالِه حَظِيتُ به بل فوق ما كنتُ راجِيَا
وفرَّغ عن قلبي سوى حُبِّه الذي تمكَّن في قلبي وأنْعَم بالِيَا
فغايةُ سُؤْلِي في الزمان رِضاؤُه فأقْصى المُنى أن كان عنِّي رَاضيَا
ولي نفسُ حُرٍّ قد أبتْ غيرَ حُبِّه وحاشا لمْثلى أن يُرَى عنه سالِيَا
وقلبٌ إذا ما البرقُ أوْمَض مَوْهِنا قدحْتُ به زَندًا من الشوق وارِيَا
تحكَّم فيه حبُّه واشْتياقُه له الحكمُ فْليَقْصِ الذي كان قاضيَا
فلله عيشٌ مَرَّ لي بظِلالِه أجُرُّ به ذيلَ المآربِ ضافِيَا
أرُوح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمٍ ويمْنحني وِرْدَ المحبَّة صافيَا
وفُزتُ بعلمٍ منه عزَّ اكْتسابُه وأصبحتُ من حَلْىِ الفضائل حالِيَا
إذا ما دجَى بحثٌ وأظلم مُشكلٌ أضاء بنور الفكر منه الدياجِيَا
يجول على نُجْبِ الذَّكاءِ بفكْرةٍ أَبَتْ في الذي تُبدِيه إلاَّ التَّناهِيَا
يُغادر قدمًا ذا الذكاء دقيقُها ولا عجبٌ فالشمسُ تخفِى الدَّرارِيَا
يفُوق على البحر الَخِضمِّ بعلمِه ويرْجَح في الحِلم الجبالَ الرَّواسِيَا
يُسابق أجْنادَ الرياحِ إلى الندَى ويفضحُ جَدْوَى راحتْيه الغوادِيَا
نظمتُ له عِقْدَ المديح مُنضَّدًا جعلتُ مكان الدُّرِّ فيه القوافيَا
فلا زال مَلْحوظًا بعينِ عِنايةٍ من الله في أَوْج المفاخر راقيَا
مدى الدهر مالاحت بُروق لناظر ودام على كرِّ الجديدين باقيا