قديمًا وحديثًا
فمن ذلك ما ذكره الباخرزي في دميته للكافي العماني:
وصحراءَ ردَّتْها الظِّباءُ حفائرًا بأظْلافِها أحْسِن بها من حفائرِ
[ ٣٨٩ ]
فهبَّتْ رياحٌ للصَّبا فطَمَمْنَها بمسكٍ فعادتْ نُزْهةً للنواظرِ
أبو علي العثماني:
غدرتَ يا من وجهُه قد غَدَّر المَعمُودَا
يحسُدك الصَّباحُ مذْ أرَيْتَه الخدودَا
تخطُر في خدودِه البي ضِ خدودًا سُوُدَا
وله:
مُذ قرصْت الصُّدغَ فَوْ قَ عارضٍ كالبدرِ
نقضْتُ ألفَ توبةٍ هتكتُ ألفَ سِتْرِ
حسنُك باقٍ حالةَ الصّ حْوِ وحالَ السُّكْرِ
في الصحوِ أبْهَى أنت أم في السُّكر لستُ أدْرِي
وله:
تحجَّبُ في وقتِ الحجابِ فلا تُرَى وتنُبت في وقتِ اللِّقاءِ من الأرضِ
وتُصْبي المَوالِي ثم تبغِي مُرادَهمْ وذا غايةٌ في الظَّرفِ والخُلُقِ المُرضِي
أبو محمد عبد الله الحمداني:
لولا امْتِساكِي بصُدْغَيْها على عَجَلٍ حُمِلتُ يوم النَّوَى في عَبْرتِي غَرَقَا
تعلُّقًا كاشْتعالِ النارِ في شمعٍ فلا أفُكُّ يدًا أو تضربَ العُنُقَا
قال الباخرزي: قلت، قد أخطأ حيث قال: أو تضرب العنق؛ لأن ضرب العنق ليس بعلة لانفكاك النار عن الشمع، بل يزيد ذلك في العلاقة، والصواب ما قال والدي:
علِقْتُ بها كالنارِ بالشمعِ فهْي لا تكُفُّ يدًا عنه ولو حُزَّ رأْسُها
ولوالدي فيما يقرب من هذا المعنى، وكلهم قصدوا نقل المعنى على سبيل الترجمة من الفارسية:
علِقتُ بها كاللَّظَى بالشموع تُميَّز عنها بإطْفائِها
أبو نصر البكسارغي:
بمَن شَغَفُ الرَّاحِ مُصْفَرَّةً تُراها عَراها الذي قد عَرانِي
هَبِ المِسْكَ سَوَّغها عَرْفُه فأنَّى لها صِبْغةَ الزَّعْفَرانِ
مثل مترجم:
قالوا إذا جمَلٌ حانتْ منيَّتُه أطاف بالبئْرِ حتى يهلِك الجملُ
وللطغرائي:
إنِّي وإيَّاكَ والأعداءَ تَنْصُرهمْ وأنتَ منِّي على ما فيك من دَخَلِ
مثلُ الغُرَاب رأَى نَصْلًا تركَّب في قِدْحٍ لطيفٍ قويمِ الحدِّ مُعْتدِلِ
فقال لابأسَ إن لم يأْتِه مَدَدِي متى يكونُ له عَوْنٌ على العملِ
فألْبَس القِدْحَ وَحْفًا من قوادمِه مَن ذا أَلُوم وحَتْفي كان من قِبَلِي
قال الشهاب، في طرازه: قلت، هذا نظمٌ لما في بعض الكتب الفارسية، ذكر بعضهم أن غصون الأشجار رأت فأسًا ملقاةً في الرياض، فقالت: ما تفعل هذه هنا؟ فأجاب بعضها بأنها لا تضر ما لم يدخل في استها شيء مني.
وقد نظمه الشهاب، فقال:
كلُّ شيءٍ له زوالٌ ونَقْصُ هو من جنة القريبِ يُصِيبُ
لا يضُرُّ الأشجارَ فأسٌ إذا لمْ يكُ فيها من الرياضِ قضيبُ
أحمد بن محمد بن يزيد، شاعر مرو.
من معرباته:
إذا وضعتَ على الرأسِ التُّراب فضَعْ من أعْظَم التَّلِّ إن التلَّ فيه نفعْ
إذا الماءُ فوق غريقٍ طَمَا فقابُ قناةٍ وألْفٌ سَوَا
إذا لم تُطِق أن ترْتقِي ذِرْوَةَ الجبَلْ لعَجْزٍ فقِفْ في سَفْحِه هكذا المثَلْ
في كلِّ مستحسَنٍ عيبٌ بلا رَيْبِ ما يسلَم الذهبُ الإبْرِيزُ من عَيْبِ
إذا حاكمٌ بالأمرِ كان له خُبْرُ فقد تَمَّ ثُلْثاه ولم يصعُبِ الأمْرُ
ما كنتُ لو أُكْرِمتُ أسْتعصِي لا يهرُب الكلبُ من القُرْصِ
طلَبُ الأعْظُمِ من بيت الكلابِ كطِلاب الماءِ في لَمْعِ السَّرابِ
ادَّعى الثعلبُ شيئًا وطلَبْ قيل هل من شاهدٍ قال الذَّنَبْ
من مثُل الفُرْسِ سار في النَّاسِ التِّين يُسْقَى بعِلَّة الآسِ
هذا مرويٌّ عن كسرى، وقد نظمه أبو نواس في قوله:
صرتُ كالتِّين يشربُ الماءَ فيما قال كسرَى بعِلَّة الرَّيْحانِ
[ ٣٩٠ ]
وهو كثيرٌ في العربية، يقولون: بعلة الزرع يشرب القرع، وبعلة الورد يشرب العليق.
وفي معناه: بعلة الورشان يأكل الرطب المشان.
المشان، بالفتح: بلد الحريري.
وبعلة الداية يقبل الصبي.
تكلَّف إخْفاءً لِما فيه من عرَجْ وليس له فيما تكلَّفَه فَرَجْ
ولأحمد بن محمد، أبي الفضل السكري المروزي مزدوجة، ترجم فيها أمثال الفرس.
منها:
مَن رام طَمْسَ الشمسِ جَهْلًا أخْطَا الشمسُ بالتَّطْيِين لا تُغطَّى
أحسنُ ما في صفةِ الليل وُجِدْ الليلُ حُبْلَى ليس يُدْرَى ما تلِدْ
من مثُلِ الفُرسِ ذوِي الأبْصارِ الثوبُ رَهْنٌ في يَدِ القصَّارِ
نال الحمارُ بالسُّقوطِ في الوحَلْ ما كان يهْوَى ونَجا من العملْ
نحن على الشرطِ القديمِ المُشْترَطْ لا الزِّقُّ مُنشَقٌّ ولا العينُ سقَطْ
في المثلِ السائرِ للحمارِ قد ينْعَق الحمارُ للبَيْطارِ
العَنْزُ لا يسمَنُ إلا بالعلَفْ لا يسمَن العنزُ بقولٍ ذِي طُرَفْ
البحرُ غَمْرُ الماءِ في العِيانِ والكلبُ يَرْوَى منه باللِّسانِ
لا تَكُ من نُصْحِيَ في ارْتيابِ ما بِعْتُك الهِرَّةَ في الجِرابِ
مَن لم يكنْ في بَيْتِه طعامُ فما له في مَحْفِل مُقامُ
كان يُقال مَن أتى خُوانَا من غير أن يُدْعَى إليه هَانَا
ومما يتعين إلحاقه هنا، ما ذكره أبو هلال، من أن في الفارسية أمثالًا في معنى أمثال العربية، وأمثالًا لا تخالفها.
فمن الثاني قولهم: " نه شاه أشنانه رودهم دوده "، والعرب تقول: جاور ملكًا أو بحرًا. انتهى.
قال الشهاب: أقول، لا مخالفة بينهما، فإن معنى المثل الفارسي: لا تقرب من السلطان وتصاحبه، ولا تجعل دارك ملاصقةً للبحر؛ فإن الملوك لا وفاء لهم، والبحر قد يغرق ملاصقه.
ومعنى كلام العرب: لا تسكن غير بلدٍ لها سلطان يغدق على أهلها، أو عند بحرٍ تأتيه السفن بالتجارة والأرزاق.
وبينهما فرق.
ومعنى هم دوده الاتحاد في السكنى.
وقد تقدم في هذا الكتاب معربات نصيت عليها في محالها، وسيأتي منها جانبٌ في تراجم متفرقة أنص عليها إن شاء الله تعالى.
ومن أحاسنها قول الحسن البوريني، معربًا بيتًا لوحشي:
أيا قمر قد بِتُّ في ليلِ هجرِه أراقبُ أسْرابَ الكواكبِ حَيْرانَا
خَبأتُك في عينِي لتخفَى عن الورَى وما كنتُ أدرِي أن للعيْنِ إنْسانَا
وزاد فيه الخفاجي، فحسنه حيث قال:
خَبأتُك في العين خوفَ الوُشاةِ وكم شرَّف الدارَ سُكَّانُها
ومن غَيْرةٍ خِفْتُ أن يفطُنوا إذا قيل في العينِ إنْسانُها
ولمحمد بن المنلا الحبي رباعية:
في الليلِ والنهار حَرَّى كبدِي مقْتولُ ضَنىً بجائرٍ ليس يدِي
تَرشُّ عينِي جواهرَ الدَّمعِ على لُقْياه تظُنُّ أنها طَوْعُ يَدِي
ومثله للقاسمي:
لُقْياكَ سرورُ قلبيَ المَحْزُونِ والوحشةُ من نَواك لا تعْدونِي
يا وَيْحَ عيونِي خشِيَتْ شِقْوتها منِّي فأتتْ بدُرِّا ترتشينِي
ولبعضهم:
وكنتُ لدَى الصِّبا غَضًّا وقَدِّي حكى ألِفَ ابنِ مُقْلَة في ال كتابِ
فصرتُ الآن مُنْحنيًا كأنّي أُفتِّش في التُّرابِ على شبابِي
ومن أبدع البدائع تعريبٌ وقع لجدي القاضي محب الدين، وهو:
حَكتْ قامتِي لاَمًا وقامةُ مُنْيَتِي حكَتْ ألِفًا للوصلِ قلتُ مُسائِلاَ
إذا اجْتمعتْ لامِي مع الألفِ التي حكَتْك قَوامًا ما يصيرُ فقال لاَ
وللشهاب الخفاجي:
للرَّوْضِ أتى حبيبُ قلبي العانِي فاهْتزَّ لفَرْحةٍ قضيبُ البانِ
لو كان لِسَرْوِ رَوضِنا ساقانِ ما فارق غُصْن قدِّه الفَتانِ
واستعمله ثانيًا في نبوية، فأجاد حيث قال:
[ ٣٩١ ]
قد مشَتْ نَحْوه على فَرْدِ ساقٍ شجرٌ حَثَّها له اسْتدعاءُ
لو حَبَاها ساقيْن رَبُّ البَرايَا لم تكنْ للفِراقِ قطُّ تشاءُ
وللسيد علي بن معصوم:
سقَى صَوْبُ الغَمامِ عَرِيشَ كَرمٍ جَنَيْنا من جَناه العَذْبِ أُنْسَا
فأمْسَى عاصرُ العُنْقودِ منه يُكسِّر أنْجُمًا ويصوغُ شَمْسَا
وللسيد محمد بن حيدر:
إذا اصْطنعْتَ أمْرًا فاحْفَظ له أبدًا شَرْطَ الصَّنِيعة واجْهَدْ في مَنافعِهِ
فالماءُ في صَوْنِه الأخشابَ عن غَرقٍ رعَى لها حيث كانتْ من صَنائعِهِ
ولي:
إذا كان الهوى لي تُرْجُمانَا يُعبِّرُ عن خَفِيَّاتِ الغرامِ
فأقْنَعُ بالإشارةِ من حبيبي فما فيه مَحلٌّ للكلامِ
ولي:
قد هَوَّل الواعظُ في درسهِ أمْرَ الورى في مَوْقفِ الحشْرِ
وهْو إذا حقَّقتَ ألْفَيْتَه كنايةً عن مَضَضِ الهَجْرِ