المولى يعلم أن الواشي لا يخلو من أحد أمرين؛ إمّا أن يكون محبا ودودًا، أو عدوًّا حسودا.
فإن كان الأول فيستحيل أن يقصد المحبّ لحبيبه ضررا، ويحمّله من الإثم وزرا.
وإن كان الثاني فمعلوم أنه يجتهد في أذيّته بكل طريق، ويحرص أن يغري عليه كلّ عدو وصديق.
فصل في معاتبة
الصديق لفظ على الألسنة موجود، ومعناه في الحقيقة مفقود.
فهو كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر.
أو كالعنقاء والغول، لفظ يوجد بلا مدلول.
وما أحسن قول القائل:
صادُ الصديق وكافُ الكِيمِياءِ معًا لا يُوجَدان فدَعْ عن نفسِك الطَّمَعَا
وقول الآخر:
لما رأيتُ بني الزمانِ وما بهم خِلٌّ وَفِيٌّ للصداقةِ أصْطفى
أيْقنتُ أن المستحيلَ ثلاثةٌ الغُول والعنْقاء والخِلّ الوَفِي
وسئل بعض الحكماء عن الصديق فقال: اسم لامعنى له.
وهذه شيم غالب أبناء هذا الزمان، من الأخلاّء والإخوان.
فمثلهم كمثل العرض لا يبقى زمانين، ويستحيل في أسرع من طرفة عين.
أو كلمع السّراب، المستحيل فيه الشراب.
أو كالخيال الذي يبدو في المنام، وهو في الحقيقة أضغاث أحلام.
[ ٢١٤ ]
ومن كان بهذه الصّفة، فلا ينبغي الوثوق به، ولا التأسّف على فقده، ولا التألم على فرقته، ولا الحزن على غيبته.
فصل في تهنئه بفتح:
بعد تهنئة بتأييد عزائمه، وسفك دماء العدي على ألسنة صوارمه.
ظهرت في سماء السّعد مطالعه، وشرفت أقلامٌ سطّرت بها وقائعه.
فهو الفتح، الذي قضى على دم العدى بالسّفك ودموعهم بالسّفح، وتلت لديه آيات التهاني: " إذا جاء نصر الله والفتح ".
وسيوفه وإن كانت باكية دمًا فقواضبها بهذا الفتح ضاحكة، وجنوده منصورة كيف لا! ومن أنصاره الملائكة.