عمامة ولعت بها أيدي الزمان، ورفعت عنها من التمزيق الأمان.
كفؤاد عروة في الرقة، لو أحصيت نفقة رفوها زادت على مال الرقة.
ولطول تردادها إلى الرفا لو أفلتت لعرفت مكانه، وما جهلت دكانه، ولأمكنت من قطع المسافة إمكانه.
فكأن الأيامَ إذْ أُلْبِستْها نُسِجتْ فوق شَخْصِها العنكبوتُ
وللحريري معمىً في اسم أحمد:
أفْدِي المليحَ الذي أوصافُه كمُلتْ كالظَّبْيِ لمَّا رنا والبدرِ حين بدَا
في القلب أنزلْتُه لي راق مَبْسمُه والغُصن لما تَثَنَّى قدُّه سجَدَا
وله في اسم يوسف:
ومَليحِ عزيزِ حُسْنٍ بمصرٍ قَدَّ قلبي وزاد حزني وأكْمَدْ
خَدُّه الشمسُ لاح والصدغُ بالخا لِ حَماهُ حُسامُ جَفْنٍ مُجرَّدْ
وله في اسم رمضان:
وبدرِ كمالٍ لاح في حُلَلِ البَهَا تبسَّم عن دُرٍّ نَظِيمٍ وعن شُهْدِ
كخاتِم دُرٍّ ثَغْرُه وبلحْظِه حمَى حُسنَه والخالُ في صفحة الخدِّ
وله في اسم عثمان:
قد قلتُ يومًا للرَّشا سِرْ بي إلى روضِ الأزاهِرْ
فأجاب إن كان الرقي بُ هناك طِيبُ العيش نادِرْ
وله في اسم مصطفى:
يا عاذِلي في أغَرِّ الوجه دعْ عَذَلِي لأجْلِه قد ألفتُ الوَجْدَ والحُرَقَا
كم دُرتُ مِحْرابَه ظامي الفؤادِ كذا دُرْ أنت يا عاذِلي واعْذُر فَتىً عشِقَا
وله في حيدر:
سقَى ليلةً زار الحبيبُ وعندما أقام وعن قلبي المَشُوقِ نَفى هَمَّهْ
لثمتُ مكانَ العِقْدِ من غير حاجبٍ وقلتُ لقلبي قد كفَاك بها نِعْمَهْ
عبد النافع بن عمر الحموي ألمعيٌ مشهود له بقوة إدراكه، وفيه قابلية لاختصاصه ببعض العلوم واشتراكه.
بلسان أحد من السيف إذا تجرد من القراب، وفكرٍ إذا أراد البحر أن يحكيه في غوره وقع في الاضطراب.
وله أدب كالروض تفتقت نسماته، وشعرٍ كالصبح تألقت قسماته.
لكنه نكب عن المطبع الجزل، وذهب مذهب الهجو والهزل.
إلا في النادر فربما جد، ثم أخلق منه ما استجد.
وكان دخل طرابلس، وبنو سيفا في الوجود، والأمير محمد بينهم كالفضل بين البرامكة في الفضل والجود.
[ ٢٦٣ ]
منيل الأماني بلا منة الحقب، متهلل يضع الهناء موضع النقب.
وهو مقصد يتزود ذكره المسافر، ويعمل إلى لقائه الخف والحافر.
فحل عنده حلول النوم من الأحداق والمدام من الأقداح، وبقي عنده يتحفه بدر الأثنية ويجلب إليه غرر الأمداح.
حتى دهمتهم داهمة ابن جانبولاذ، وتضعضع منهم ركنٌ يحتمى به في الدهر ويلاذ.
عندها أقلع إلى أدلب فكأنما دعاه إليه الأجل، ومضى إلى الله تعالى على وجه السرعة والعجل.
وقد جئت من شعره بما هو أحلى في الأفواه من الشهد، وأشهى إلى العيون من النوم بعد السهد.
فمن ذلك قوله، من قصيدة:
أمُعذِّبي رِفْقًا بصَبٍّ مُغْرَمِ أضحى كمثل ابن السبيلِ الغارمِ
فلقد جعلت الدمعَ وَقْفًا جاريًا يحْتار منه ذو البكاء الدائمِ
فاعجَب لدمعِي سائلًا متصدِّقًا واعجَبْ لواقِفة المُقيمِ الهائمِ
هل أنت راحمُ ما ترى يا مُتلفِي من حالتي أم أنت لستَ براحمِ
فلقد جرى ما قد كفى ولقد كفى ما قد جرى من مَدْمعِي المتلاطمِ
يا رُبَّ ليلٍ طائلٍ ما تحته من طائلٍ غير العَناءِ اللازمِ
مَدَّتْ به طُنْبُ الظلامِ فلا ترى إلاَّ نجومًا في سوادٍ فاحمِ
فكأنها عطْشَى فتشرب ما بدَا من فجْره شُرْبَ النَّزِيف الحائمِ
لو لم يكنْ فَرْعُ الحبيب مُشبَّها بسَوادِه لغدَوْتُ أبْلَغ شاتمِ
قاسيتُ فيه كلَّ هَوْلٍ هائلٍ وركبتُ منه كل مَتْنٍ قاتِمِ
حتى بدَا ضوءُ الصباح كأنه إشْراقُ وجهِ محمَّدِ بن القاسمِ
وقوله، وهو من بدائعه:
كأنَّ الدجَى ظَرْفٌ على الصبح مُوكَأٌ ولكن لطُول الامْتلا والبِلَى انْفَلقْ
فسال فغطَّى أنْجُمًا ما تعلَّمتْ لقصْر المدى سَبْحًا فأدركها الغَرَقْ
قلت: لقد أجاد، وإن كان تناوله من قول ابن تميم:
انظُر إلى الصبح البديع وقد بدا يغْشَى الظلامَ بمائِه المتدفِّقِ
غرقت به زُهْرُ النجوم وإنما سلِم الهلالُ لأنه كالزورقِ
والضد أقرب خطورًا بالبال عند ذكر ضده.
تذكرت هنا قول أبي علي البصير، وفي الثاني نظر:
وجُفونُ عينِك قد نَثَرْنَ من البكا فوق المَدامعِ لُؤْلُؤًا وعَقِيقا
لو لم يكُن إنسانُ عينِك سابِحًا في بحرِ مُقْلتِه لمَات غريقَا
ولابن العطار في غرق الليل:
صبحٌ يلُوح وشخصُ الليل مُنْغمِسٌ فيه كما غَرِق الزِّنْجِيُّ في نَهَرِ
ومن أهاجي المترجم قوله في قاض بحماة:
من شَرِّ بيتٍ شرُّ قاضٍ أتى حماته يا قُبْحَ ما استحسنَتْ
أبُوه مُحْتالٌ دَنِيٌّ وكم في رأْسِه من دَوْحةٍ أغْصَنتْ
وأُمُّه مريم لكنها وعيشِكم ليس التي أحْصَنتْ
الأمير حسن بن محمد