أديب لبيب، مليح التشبيه والتشبيب.
لحق من الأدب ما لم يلحق، وانفرد بأشياء كأنها لم تخلق.
وله المجد الطامح، إلى ما فوق الأعزل والرامح.
على انتهاضٍ بين أكفائه، وشهرة في تنبهة وإغفائه.
إلا أن عمر سروره قصير، والدهر بتفريق المجتمع بصير.
وقد أثبت له ما يقطر من ماء الظرف، وتتمتع به الروح قبل الطرف.
فمن ذلك قوله في الغزل:
طرقْتُ ديارَ الحيِّ والليلُ حالكٌ طُروقَ فتىً لا يخْتشِي الدهرَ من ضُرِّ
وخُضتُ بحارَ الموت والموتُ حائمٌ كحَوْمة نَسْرِ الأُفْق فيها على وَكْرِ
ودُستُ بِساطَ الأُجمِ عمدًا وأسْدُها توقَّد منها الأعْيُن الحُمْر كالجمرِ
إلى أن أتيتُ الحيَّ نحو خِباءِ مَن أراشتْ فؤادِي من لواحظِها الفُتْرِ
فلم ألْقَ إلا صَعْدةً سَمْهريَّةٍ عليها مُحيَّا منه يبدو سَنا البدرِ
عَرضتُ لها عُذْرِي وأظهرتُ ما حوَى جوَى مُهجتِي من مُحكماتِ هوى العُذْرِي
فرقَّتْ وراقتْ وانْثَنَتْ وتعطَّفتْ وحَيَّتْ فأحْيتْ مَيِّت الشوقِ والصبرِ
وجادتْ بجيدٍ للتَّداني وأرْشفتْ رُضابًا رَحِيقيًا ينُوب عن الخمْرِ
وبِتْنا وقلبُ البرقِ يخْفِق غَيْرَةً علينا وعينُ النجمِ تنظُر عن شَذْرِ
البيت الأخير مضمن من رائية ابن خفاجة، وقبله:
ودون طُروقِ الحيِّ خَوْضةُ فَتْكةٍ مُوَرَّسَةِ السِّرْبالِ داميةِ الظُّفْرِ
تطلَّع من فَرْعٍ من النَّقْعِ أسودٍ وتُسْفِر عن خَدٍّ من السيفِ مُحْمَرِّ
فسِرْتُ وقلبُ البرقِ يخفِق غَيْرةً هناك وعينُ النجم تنْظر عن شَذْرِ
وله في معذر اصطبح الورد واغتبق بوجنتيه، وقلم الريحان مشقٌ فوق عارضيه:
بدَا بدْرًا بآياتِ الكمالِ مليحٌ قد تفرَّد بالجمالِ
تخيَّل ناظِري في وجْنتيهِ مِثالًا كالعِذَارِ بلا مِثالِ
فقلتُ له وعِقْدُ الصبرِ منِّي لدَهْشة ناظِرِيَّ في انْحلالِ
عقيدةُ مطلبِي هل ذاك نَبْتٌ أَبِنْ لي قال حاشيةُ الخيالِ
قلت: هذه الحاشية، عليها خيال الخيالي على " الحاشية ".
وأول من عبر بهذه العبارة فيما أعلم ابن النبيه، في قوله:
كأن ذاك العِذَارَ حاشيةٌ خرَّجها كاتبٌ لنِسْيانِهْ
ثم تصرفت فيها الشعراء على حسب خيالاتهم، حتى جاء العسيلي المصري، فقال:
صحيفةُ الخدِّ التي للحُسْنِ فيها صُوَرُ
مُذ حُشِيتْ بعارضٍ لم يَبْقَ فيها نَظَرُ
ومن هنا انظر قولي، مع قول الكوراني، والعسيلي:
في حاشيةِ الكَمالِ من عارِضٍ دَوْرٌ وتسَلْسُل ولي فيه نَظَرْ
وقول الشهاب الخفاجي:
[ ٣١٩ ]
أيا قمرًا زانتْ طوالِعُ حُسْنِه حواشِي عِذارٍ يبْهَر اللُّبَّ والفِكَرْ
فما شَانَه دَوْرٌ به وتسَلْسُلٌ فكَم في حواشِيها لذِي فكْرةٍ نَظَرْ
وقد دار الدور، لقضية التسلسل والدور.
فاسمع فيه قول الظريف:
لِحاظُك أسيافٌ ذكُورٌ فما لَها كما زعمُوا مثلَ الأراملِ تغزِلُ
وما بالُ بُرهانِ العِذَارِمُسَلَّما ويلْزمُه دَوْرٌ وفيه تسَلْسُلُ
وأعجب منه قولي:
نظَرِي لصُدْغك بُغْيَتِي فعلى مَ تمنعنِي النَّظَرْ
والمنْعُ غيرُ مُوَجَّهٍ فيه المَقالُ قد اشْتَهَرْ
والدَّوْرُ إن صحِب التَّسَلْ سُلَ ليس يخْلُو من نَظَرْ
فكن في هذا ممن لا يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من اللآلئ بمعرفة ما في الأصداف.
وللكوراني:
بدرٌ أدار على النجومِ برَاحةٍ شمسًا فنَارتْ في كؤوسِ رحيقِهِ
شمسٌ إذا طلعَتْ كأن وَمِيضَها بَرْقٌ تلالا عند لَمْعِ بريقِهِ
يسْقِي وإن عزَّتْ عليه ورامَ أن يشْفِي لداءِ مُحِّبه وحريقِهِ
فيُديرُها من مُقْلتيْه وتارةً من وَجْنتيْه وتارةً من رِيقِهِ
ومن مقطعاته قوله:
مَليكُ جمالٍ أنْبت العزُّ خدَّه نباتًا له كلُّ المحاسنِ تُنسَبُ
فكرَّرتُ لَثْمَ الخدِّ منه لطِيبِه وكل مكانٍ يُنبتُ العِزَّ طيِّبُ
وقوله، مضمنًا:
ومُعذَّرٍ لَدْنِ القَوامِ ووجهُه قمرٌ تقمَّصَ بالعِذارِ الأخْضَرِ
فُتِق العِذارُ بخدَّه فكأنما فُتِقتْ لكم رِيحُ الجِلادِ بعَنْبَرِ
وقوله:
عجبتُ لِمَا أبْداه وجهُ مُعذِّبي من الحسنِ كالسحرِ الحلال وأسْحَرُ
بوجْنتهِ ياقوتُ نارٍ توقَّدتْ عليها عِذارٌ كالزُّمُرُّدِ أخضرُ
وقوله:
ومُعذَّر فَتَك الأنامَ بحُسْنِه وسطَا بمُرْهَفِ لَحْظِه المُتنعسِ
جعل العِذارَ لشامِه مُتنكِّرًا كيْلا يُحاط به لقتْلِ الأنْفُسِ
وقوله:
لمَّا تأمَّل بدرُ التِّمِّ عارضَه وقد بدا في مُحيَّا نورِه سَطَعَا
بدَا به غَيْرةً خَسْفٌ وشبَّهه كأنه في مُحيَّاه قد انْطبعَا
وقوله:
ومُهَفْهَفٍ كمُلتْ محاسنُ وجهِه من فوق غصنِ قَوامِه المُتمايلِ
وبدا طِرازُ عِذارِه فكأنَّه بَدْءُ الخسُوفِ ببَدْرِ تِمٍّ كاملِ