عنوان كتاب العلى، يكتب آخرًا ويقرأ اولًا.
له يفرض الشكر ويحتم، وبه يبدأ الذكر ويختم.
فلهذه ختمت به باب أولى الفتوة والبسالة، كما ختمت بمحمد ﷺ باب النبوة والرسالة.
فإنه من خلص نحلته، القائم بتأييد ملته.
ومن تقدمه بالنسبة إليه، كلهم في الفقه عيالٌ عليه.
فهم مقدمات لشكل الفضل الأول، وهي النتيجة التي عليها في القياس المعول.
فقد يتأخر الهاطل عن الرعد، والنائل عن الوعد.
ومراتب الأعداد، تترقى بتأخير رقمها وتزداد.
وتجيءُ فَذْلَكةُ الحسابِ أخيرةً لتكون جامعةَ العديد الأوْفرِ
ولا غرو فالكبير تتقدمه المواكب، والشمس بطلوعها تغيب الكواكب.
فهو النير الأعظم، وعصماء عقد النفاسة المنظم.
مزاياه تستغرق الألفاظ من النثير والنظيم، والذي قسم الحظوظ بين الناس حباه بالخلق العظيم.
وقد متعه الله بحوالسه وأعضائه، وأمته بني الدنيا بإيناسه وإغضائه.
فاقتعد الرتبة التي أرته إلى الفلك صاعدا، وصحب الهمة التي صيرته يتناول الكواكب قاعدًا.
وأنا إذا أردت وصفه الذي بهر، وبدا كالصبح إذا اشتهر.
قلت في شأنه الباهر، ومحله الزاهي الزاهر:
ليت الكواكبَ تدْنُو لي فأنْظمِهَا عقودَ مدحٍ فلا أرضَى له كَلَمِي
وله من النظم الذي أبدعه فكره، واكسب صحائف الأيام فخر الأبد ذكره ما يسمو إلى الأسماع سمو حباب الماء، ويعمل في القلوب عمل الأفعال في الأسماء.
فمنه قوله مضمناَ بيتي المرسي:
حتَّى م في ليلِ الهمو مِ زِنادَ فكرِك تقْتدِحْ
قلبٌ تحرَّق بالأسَى ودموعُ عيْنٍ تنْسفِحْ
ارْفُق بنفسِك واعْتصِمْ بحِمَى المهيْمِنِ تنْشرحْ
اضْرَعْ له إن ضاق عن ك خِناقُ حالِك تنْفسِحْ
ما أَمَّ ساحةَ جُودِه ذُو مِحْنةٍ إلا منحْ
أو جاءَه ذو المُعْضِلا تِ بمُغْلَق إلا فتَحْ
فدعِ السِّوَى وانْهَجْ على النَّ هجِ القويمِ المُتَّضِحْ
واسمعْ مقالةَ ناصحٍ إن كنتَ ممَّن ينْتصِحْ
ما تمَّ إلا ما يُري د فدَعْ مُرادَك واطَّرِحْ
واتْرُكَ وَساوسَك التي شغلتْ فؤادَك تسْترَح
وله في الغزل:
[ ٣٣١ ]
وَرْقاءُ من عهد الحبيب تُتَرْجمُ لِيَهْنِك إلفٌ بالغُوَيرِ مَخيِّمُ
لئِن تندُ بي إلْفًا وما شَطَّ حيُّه فإني على شَطِّ المَزارِ مُتيَّمُ
وهَبْ سَجْعك اللموزون باللحن معرِبٌ فدمعِيَ أوْفَى صامتٍ يتكلمُ
لكِ مثلٌ في العَنْدَلِيب وسَجْعِه ولي بالفَراشِ الشِّبْه والفَرْقُ يُعْلَمُ
وله:
يا أيها البدرُ المُنيرُ إذا بدَا وإذا رَنَا يا أيُّهذا الرِّيمُ
ومعلِّم الغصنِ الرَّطِيب تمايُلًا رق النسيمُ لها فصار يَهيمُ
كم ذا تُمَوِّه عن صَبابةِ عاشقٍ صَبٍّ على طولِ الصدودِ مقيمُ
فارْحَمْ ضَنا جسدِي وحسَن تَصَبُّرِي وارْعَ الجميلَ فما الجمالُ يدومُ
وله في ألكن:
فلا تعجبوا من لُكْنةٍ في لسانِه فمن حُلْوِ فِيه لا يفارقُه الشُّهدُ
وهذا المعنى أصله بالتركية، وكنت عربته قبل أن رأيت تعريبه.
وبيتي هو:
ما لُكنةٌ فيه تِشينُ وإنما تأبَى الحروفُ فِراق شُهْدِ لسانِهِ
ثم رأيت في ديوان الشهاب ما زاد عليه، وهو قوله:
بالله حدِّث عن تلَجْلُجِ نُطْقِه سُكْرًا وأتْحِفْني بعذْبِ بَيانِهِ
الضِيقِ فِيه ليس يخرُج لفظُه أم لا يُريد فِراق عَذْبِ لسانِهِ
ومما يستعذب هنا قول ابن تميم:
عابُوا التَّلَجْلُجَ في لسانِ مُعذِّبي فأجبْتُهم للصَّبِّ فيه بَيانُ
إن الذي يُنْشِي الحديثَ لسانُه ولسانُه من ريقِه سَكْرانُ
ولهذا الأصل الطيب المغرس، فرعٌ لم يزل ولا يزال تتعرف فيه المعالي وتتفرس.
وهو أحمد القائم مقام أبيه في رتبته، والمفرع لأفانين البلاغة من سامي هضبته.
زاده الله تعالى فضلًا ونبلًا، وضاعف له الثناء بعدًا كما ضاعفه قبلًا.
وذلك إن كان بقي مزيدٌ بعد التمام، على أنه لم يبق إلا الاستدامة كما قال أبو تمام:
نعمةُ اللهِ فيه لا أسألُ اللّ هَ إليه نُعْمَى سوى أن تدوما
ولو أنِّي سألتُ كنتُ كمن يسألُه وهْو قائمٌ أن يقُومَا
الجزء الثالث