شاعر ملء فيه، ومبرز في الفن لا يباري فيه.
[ ٢٤٠ ]
فللأقلام قصبات سبقٍ أخذها يوم الفخر لدى الرهان، فلم يعلق غباره بعيون الرَّائين ولم تلحق به خطرات الأذهان.
تشيم بارقة السحر من من نفثاته، وتشتم عابقة الشِّحر من تنفُّساته.
يملأ الآذان بجواهر كلامه اللوامع، فلذلك تضِيق عند اسْتماع نقده المسامع.
بألفاظ أحسن من فتور ألحاظ الغواني، ومعانٍ أوقع من ترجيع أصوات الأغاني.
لا تمل شعره الرقيق الخواطر، حتى تمل نسيم السحر الرياض العواطر.
إلى أدب كزهر البستان، متروٍ بالصَّبيب الهتَّان.
وأنا بشعره مفتون فتنة مسحور، ولي منه كلَّ آنٍ ابتهاج ولدانٍ حور.
وقد أثبت له ما يطيل خطي الحظ ويبعث الانشراح، ويمحو الهموم عن القلوب ويثبت الأفراح.
فمن ذلك قوله:
مَددْت إلى الطبيب يدي فولَّى يُروِّح راحتيْهِ من الصَّلاءِ
فقلتُ أصابني عينٌ فأهْوَى إلىَّ وقال لي أثرُ الهواءِ
وقوله:
شرِّقْ على حكم النَّوى أو غرِّبِ ما أنت أولُ ناشبٍ في مِخْلَبِ
في كل يومٍ أنت نَهْبُ محاسنٍ أو ذاهبٌ في إثْر برقٍ خُلَّبِ
متألِّق في الجوِّ بين مُشرِّقٍ غَصَّ الفَضاء به بوين مُغرِّبِ
يبكي ويضحك والرياضُ بواسمٌ ضَحِكَ المَشيب على العِذار الأشْيب
أزَعمتَ أن الذلَّ ضربةُ لازِبٍ فنشِبْتَ في مِخْلاب بازٍ أشْهبِ
لعبتْ بلُبِّك كيف شاء لها الهوى مُقَلٌ متى تجدِ الواظرَ تلعبِ
زعمتْ عُثَيْمةُ أن قلبَك قد صَبا من لي بقلبٍ مثل قلبك قُلَّبِ
قد كنت آمُل أن تموت صَبابتي حتى نظرتُ إليكِ يا ابْنَة يَعْرُبِ
فطربتُّ ما لم تطْربي ورغبتُ ما لم ترغبي ورهِبْتُ ما لم ترْهبي
ولقد دَلفْتُ إليهم في فِتْيةٍ ركبوا من الأخْطار أصْعبَ مَرْكَبِ
جعلوا العيونَ على القلوب طلِيعةً ورَمُوا القِفارَ بكل حَرفٍ ذِعْلِبِ
ترمي الفِجاجَ وقلبُها متصوِّبٌ في البِيد إثْرَ البارِقِ المُتصَوِّبِ
هو جاءُ ما نفَضت يدًا من سَبْسَبِ إلا وقد غمَستْ يدًا في سَبْسبِ
تسْرى وقلبُ البرق يخفِق غِيرَةً منها وعينُ الشمسِ لم تنتقَّب
تطفْوُ وترسْب في السَّراب كأنها فُلك يشقُّ عباب بحرٍ زَغْرَبِ
تفْلِى بنا في البِيد ناصيةَ الفَلا حتى دُفِعتُ إلى عقيلة رَبْربِ
وافتْك تخلِط نفسَها بلداتها والحسنُ يُظهِرها ظهورَ الكوكِب
كفريدِةٍ في غَيْهبٍ أو شادنٍ في رَبْربٍ أو فارس في موكِب
تمْشِى فتعثُر في فُضول ردائِها بحياءِ بكرٍ لا بنَشْطِة ثيِّبِ
وقوله:
أين من أَودعُوا هواهم بقلبي وصلَوْا نارَهم على كلِّ هَضْبِ
كلما فوَّقُوا إلى الرَّكْبِ سهمًا طاش عن صاحِبي وحلَّ بجنْبي
يشتكي ما اشتكيتُ من لَوْعِة الْبَيْ نِ كلانا دَامِى فؤادٍ وقلبِ
وقوله:
للهِ ما فعلَ المشِي بُ على فراقِك في شبابِي
أقْذَى عيونَ الغانيا تِ وفَتَّ في عَضُد الصِّحابِ
ظُلَم كَسَفْنَ مطالبي وتَفلْنَ في وجهِ التَّصابي
غَبَّرْنَ في وجهِ النَّدِي مِ ورنَّقتْ صَفْوَ الشرابِ
اللهُ لي من أبْقَعٍ صبَغتْ حُلوكتُه ثيابي
أقْوَى وأبلغُ في القطِي عِة من دعاءٍ مستجابِ
وافاك في بُرْدِ الغُرا بِ نَعَى الصِّبا نَعْىَ الغُرابِ
ألْبستُه ثوبَ الشبا بِ فكان أكْذَبَ من سَرَابِ
وإذا خضَبْتُ بَياضَه ضَحِك المشِيبُ على خِضابِي
[ ٢٤١ ]
وقوله:
كل شَمْلٍ وإن تجمَّع يومًا سوف يُمْنَى بفُرقةٍِ وشَتاتِ
لا ألومُ النَّوى فرُبَّ اجتماعٍ كان أدْنَى إلى نَوًى وثباتِ
مْثلما زِيدتِ السهامُ عُلوًًّا في صُدورِ العِدى بقُرِْبِ الرُّماةِ
وقوله:
باجْتلاءِ المُدامِ في الأقداحِ وبمرآةِ وجهِك الوَضَّاحِ
لا تذرْني على مَرارِة عيشِي أكْلَ وَاشٍِ ولا فريسةَ لاحِي
صاحِ كِلْني إلى المُدامِ ودَعْنِي والليالي تجوُل جَوْلَ القِداحِ
لا تخَفْ جَوْرَ حادثاتِ الليالي نحن في ذِمَّةِ الظُّبا والرِّماحِ
طَوْع أيْدِي الخُطوب رَهْن المَنايا تتخطَّى بها إلىَّ صِفاحِي
قلَّدتنْي من المَشِيب لجِامًا كفَّ رأْسِي شكيمُهُ عن جِماحِي
صاحِ إن الزَّمانَ أقصرُ عُمْرًا من بكاءٍ بدِمْنةٍ ونُواحِ
رَقَّ عنا مَلاحِفُ الجوِّ فاسمحْ برقيقٍ من طَبْعك المُرتاحِ
يا مَلِيك المِلاحِ إنْ زمانًا أنت فيه زمانُ رَوْحٍ ورَاحِ
طاب وقتُ الزمانِ فاشربْ عَساهُ يا صَباحِي يطيبُ وقْتَ الصَّباحِ
واسْقِنيها سُقِيتَ في فلَقِ الفَجْ رِ على نَغْمِة الطيورِ الفِصاحِ
وقوله:
خلعتْ ثوبَها على التُّفَّاحِ وترامتْ على خُدودِ الملاحِ
كلُّ رَيحْانةِ أرقَّ من الرَّا ح جَلاَ لِي شقِيقةَ الأرْواحِ
وَرْدةً فوق خَدِّه وقُروحًا بين جْنَبيَّ دامِياتِ الجراح
حَبَّذا مَيْعةُ الشبابِ وعيشٌ قد قطْعناه في ظِلال الرِّماحِ
زارني زَوْرةَ الخيالِ ووَلَّى في كَرَى النومِ مُزعَجًا بالصَّباحِ
لستُ أقْوَى على الجفونِ المَواضِي وَيْحَ نفسي من المِراضِ الصِّحاحِ
سامَح اللهُ من دَمِى وَجْنتيْهِ وعفَا عن بَنانِه الوَضَّاحِ
لا تُؤاخذْ جفونَه بفؤادي يا إلهي كلاهما غيرُ صاحِ
وقوله:
قُمْ هاتِها وضميرُ الليل منشرحُ والبدر في لُجَّة الظَّلْماء مسْتَبِحُ
عجِّل بها وحِجابُ الليل مُنسدِلٌ من قبْل يبدو لنا في وَكرِه الصُّبُحُ
واسْتضحكِ الدهر قد طال العُبوسُ به لا يضحك الدهر حتى يضحكَ القَدَحُ
فقام والسكرُ يعْطو في مفاصلِه يكاد يقطُر في أعطافِه المَرَحُ
يطوف والليلُ بالجَوْزاء مُنتطِقٌ بها علينا رَشًا بالحسن مُتّشِحُ
في أُسرةٍ كنجوم الليل زاهرةً لا يستخفُّهمُ في مَحْفَلٍ فرَحُ
ورُقْيَةٍ من عَذُول طار طائرُه لا الجِدُّ يَثْنيه عن لَوْمِى ولا المَزحُ
قاسمْتُه قِسْمةً ضِيزَى مواهبُها لِيَ الهَنا وله من دُونِيَ التَّرَحُ
وذي دَلالٍ كأنَّ اللهَ صوَّره من جوهرِ الحسن إلّا أنه شبَحُ
أسُوسُه وهو غضبانٌ وأبْسُطه والسكرُ يخْفِض من صَوْتي فينْشرحُ
بِتْنا على غِرَّةِ الواشي وغُرَّتِه أغْتاظ منه بلا غَيْظٍ ونصطلحُ
جعلتُ عَتْبِي إلى تقْبيله سببًا والسكرُ يفتح بابًا ليس يْنفتحُ
حتى إذا صيَّرَتْه الراحُ طَوْعَ يدي صدَفتُ عن بعض ما يأْتي به النَّشَحُ
فما تبسَّم في وجه الصَّبا قدَحٌ حتى تنفَّس من جَيْب الدجى وَضَحُ
ودَّعْتُه وجَبِين الصبح مُنزِلقٌ وللظلام لسانٌ ليس يجْترحُ
ولا يطيبُ الهوى يومًا لُمْغتبِقٍ حتى يكون له في اليوم مُصْطَبحُ
وقوله:
[ ٢٤٢ ]
غادرْتموني للخُطوب درِيئةً تغْدو علىَّ صرُوفها وتروحُ
ما حركتْ قلبي الرياحُ إليكمُ إلا كما يتحرَّك المذبوحُ
وقوله:
وكنتُ إذا نزعْتُ إلى هَناتٍ جريْتُ مع الصِّبا طَلْقَ الرياحِ
فقلدني المَشيبُ على عِذارِى لجِامًا كَفَّ رأسِي عنِ جِماحِي
وقلتْ لعاذلي إِيه فإنِّي وهبتُ اليومَ سمعِي للَّواحِي
هو القدرُ المُتاحُ على الغواني فقلْ ما شئْتَ في القدر المُتاحِ
وما حُسْنُ العيون بلا بياضٍ وما ليلُ التَّمام بلا صباحِ
وما ضيفٌ أتاك بلا احْتشامٍ وأنتَ من الرحيلِ على جَناحِ
وقوله:
أيارِيحَ الصَّبا إن جئت نَجْدًا فجدِّد بالظِّباء العِين عهداَ
فقد أرضَعْتني ثَدْيَ الأماني وشِبْتُ وما بلغتُ به أشُدَّا
وكم رَفَّتْ علىَّ طُوالَ ليلٍ ذوائبُ ذلك الرَّشَأ المُفدَّى
وما نَجْدٌ وأين ظباءُ نجدٍ سقى الرحمنُ ماءَ الحسن نجْدَا
وقوله من قصيدة، يمدح بها النظام ابن معصوم، يقول فيها:
وإن في الشَّعَرات البِيض لو علموا نُورًا لعيني ونُوَّرًا على عُودِي
بِيضٌ وسُودٌ إذا ما استجْمَعا حَسُنَا حُسْنَ البياض على أحْداقِها السودِ
كم للزمانِ ولا أخْشَى بَوائِقَه من ضِنَّةٍ ولعْين المُلك من جُودِ
عَفُّ الشَّيِبة مَيْمون النَّقِيبة مَنْ صورُ الكتيبة مأمونُ المواعيدِ
أخلاقُ أحمدَ في تقْوى أبي حسَنٍ وحسنُ يوسف في مُلْك ابن داودِ
لا يحسُن الشعرُ إلا في مدائحِه كالدُّرِّ أحسن ما يبدو على الجِيدِ
وقوله:
أنتَ يا شُغْلَ المحبِّ الواجدِ قِبلُة الداعِي ووجهُ القاصدِ
فُتَّ آرامَ الفَلا حسنًا فما قابلَتْ إلا بطَرْفٍ جامدِ
شأنُ قْلبينا إذا صحَّ الهوى يا حياتي شأنُ قلبٍ واحدِ
كثَّر الواشون فينا قولَهمْ ما عليْنا من مَقالِ الحاسدِ
لستُ أُصغِي لأراجِيف العِدى مَن يُغالي في الَمتاع الكاسدِ
وقوله:
زارني والبرقُ يرْمِى بالشَّرَرْ وعيوني شاخِصاتٌ في القمرْ
ذو دَلالٍ كلما مَرَّ حَلَا آهِ ما أحْلَى هواه وأمَرّ
بينما نحن على وَفْقِ الهوى نتَشاكَى سَلَّ قلبي ونَفَرْ
وانْثنَي يعدُو وأعْدُو خلفَه وهو يرْميني بأطْرافِ النظرْ
وَيْكَ يا شامِيُّ لا تطمعْ على ضَعْف عيْنَيْه بأحْداقِ الخَزَرْ
وقوله من قصيدة:
وقد جعلتْ نفسي تحِنُّ إلى الهوى حَلَا فيه عيشِي من بُثينة أو مَرَّا
وأرسلتُ قلبي نحو تَيْماءَ رائدًا إلى الخَفِرات البِيض والشُّدن العَفْرِا
تعرَّف منها كلَّ لَمْياءَ خاذِلٍ هي الرَّيمُ لولا أن في طَرْفِها فَتَرا
من الظَّبياتِ الرُّودِ لو أنَّ حسنَها يكلِّمها أبدتْ على حسنِها كبِرَا
وآخَر إن عرَّفْتُه الشوقَ راعني بصَدٍّ كأني قد أبَنْتُ له وَتْرًَا
أُناشدُ فيه البدرَ والبدرُ غائرٌ وأسألُ عنه الرِّيمَ وهْو به مُغْرَى
فما ركِب البَيْداءَ لو لم يكن رَشًا ولا صدَع الدَّيْجورَ لو لم يكن بدرَا
لِحاظٌ كأن السحرَ فيها علامةٌ تُعِّلم هاروتَ الكهانةَ والسحرَا
وقَدٌّ هو الغصنُ الرَّطِيب كأنما كسَتْه تَلابيبُ الصِّبا ورَقًا خَضْرَا
رتَقْتُ على الواشِين فيها مَسامِعًا طريقُ الرَّدَى منها إلى كبدي وَعْرَا
أعاذِلتي واللومُ لؤمٌ أما تَرَىْ كأنَّ بها من كبل لائمةٍ وَقْرَا
[ ٢٤٣ ]
بِفِيك الثَّرَى ما أنت والنُّصحُ إنما رأيتُ بعيْنيك الخيانةَ والغَدْرَا
وما للصَّبا ياوَيْحَ نفِسي من الصَّبا تبِيتُ تُناجِي طولَ ليلتها البدرَا
تطارحُه والقولُ حقٌّ وباطلٌ أحاديثَ لا تُبْقِى لُمستوْدَعٍ سِرَّا
وتُلقِى على النَّمَّامِ فَضْلَ ردائها فيَعرفُ للأشْواقِ في طَيِّها نَشْرَا
يعانقها خوفَ النَّوَى ثم تنْثِني تمزِّق من غيْظٍ على قَدِّك الأُزْرَا
ألمَّا تَرَىْ باَنَ النَّقا كيف هذه تميلُ بِعطْفَيْها حُنُوًّا على الأخرَى
وكيف وَشَى غُصنٌ إلى غصُنٍ هوًى ومن رَشَأ يُوحِى إلى رَشأ ذِكْرَا
هما عذَلاني في الهوى غيرَ أنني عذَرْتُ الصَّبا لو تقْبلينَ لها عُذْرَا
هبِيها فدتْكِ النفسُ راحت تُسِرُّه إليه فقد أبْدَتْه وهْي به سَكْرَى
على أنها لو شايَعتْ كُثُبَ النَّقا وشِيحَ الخُزامَى إنما حملتْ عِطْرَا
وقوله من قصيدة:
اُعْفِياني من وَقْفةٍ في الديارِ تمْترِى دَرَّةَ الجفونِ الغِزارِ
ما انْتفاعِي بنَظْرة تطرِف العَيْ نَ بِتلك الطُّلولِ والآثارِ
ما ترى البارِقَ الذي صدَع الجوَّ سَناه على رسوِم الديارِ
خَطِفاتٌ كأنَّهن خيولٌ تجرحُ العينَ بالسيوف الهَوارِي
أذْكرتْني مَباسِمًا وثغورًا حالياتٍ تغَصُّ بالأنْوارِ
وكؤوسًا كأنما حنَّكُوها في صَباها برِيقِة الخَمَّارِ
خَلعتْ بيننا العِذارَ ووافتْ في قميصٍ مُفكَّك الأزْرارٍِ
لو رآها العَذُول صُمَّ صَداهُ قال لي ولْلَعجوزِ النَّوارِ
لا تَغرُوعا بِكْرَ الزمان بقَتْلٍ ذَوْبَ الُّلجَيْن غِشُّ النُّضارِ
في سَنا الشمسِ ما علمتَ غَناءٌ عن ضياءِ النجوم والأقمارِ
طال عمرُ الدجى علىَّ وعهدِي بالليالي قصيرةَ الأعْمارِ
ما احْتسيْتُ المُدامَ إلا وغَصَّتْ لَهَواتُ الدجى بضوءِ النهارِ
حَّبذا طَلْعةُ الربيع وأهْلًا بمَجالِي عرائس الأزهارِ
وزمانُ البَهارِ لو عاد فيه غشَيانُ الشبابِ عَوْد البَهارِ
ومَبِيتي إذا نَبَا بي مَبِيتي في ظلال العريشِ والنُّوُّارِ
كم تفيَّأْتُها فحَّنتْ علينا حَنَّةَ الأمَّهاتِ والأطْيارِ
مرحبًا بالمَشِيب لولا زمانٌ غَضَّ منى وحطًّ من مقدارِي
لو وفَى لي الصِّبا ولو عُمْرَ حِينٍ يا زماني أخذتُ منك بثَارِي
وقوله:
حَيَّتْ فأحْيَتْ بالمُدام معاشرًا حَضرُوا وما ألبابُهمَ بحُضورِ
في حّيِّهم صَرْعَى وما شهدوا الوغَى نَشْوَى وما مزَجُوا الهوى بخُمورِ
وقوله:
إيهٍ بذكْر معاهدٍ وأُناسِ طابتْ بذكْر حديثهم أنْفاسِي
أذْكرتني حيثُ الأحبَّةُ جِيرةٌ حالي بهم حالٍ وكأسِيَ كاسِ
هلَّا وقفتَ على منازلهم معي وبكيْت ناسًا يالهم من ناسِ
قالت عُثَيْمة والخُطوبُ تنُوشُنى والشَّيْب يضحك من بكاءِ الآسي
شابتْ شَواتُكَ والزمانُ مُراهِقٌ والشيْبُ يا شامِيُّ تاجُ الراسِ
وقوله:
أما الطُّلولُ فإنها خُرسُ تبدُو لعينْيك ثم تْلتبسُ
يا مَرْبعًا عبَث البلاءُ به عهدي برَبْعِك وهْو مُكْتنَسُ
رقَمتْ عليه يدُ الصَّبا صحُفا تبدو لقارئها وتنْطمسُ
وقف الهوى والدمعُ منطِلقٌ في جَوِّه والقلبُ مُنحبِسُ
[ ٢٤٤ ]
للطيرِ جَرْسٌ في مَعالِمها فكأنما بحُلوقها جَرسُ
والوُرْقُ تخطُب في منابرِها فوق الغصونِ كأنها حُبُسُ
فارْشِفْ حصَاه فإنه شَنَبٌ والْثَمِ ثَراه فإنه لَعَسُ
كم ليلةٍ قضَّيْتها خُلَسًا خوفَ العواذِل والهوى خُلَسُ
قصُرت عن الشكوى غَياهِبُها فكأنَّها من قَصْرها نَفَسُ
بْتنا وشَمْلُ الليل مجتمِعٌ ويدُ النوَى في شمْلنا تَطِسُ
في فتيةٍ رقَّت شمائُلهم فكأنها في أُفْقه شَمْسُ
بِيضُ الوجوه وجوهُهم سُرُجٌ تحت الدجى ومُدامُهم قَبَسُ
مالوا إلى الَّلذات من أَمَمٍ حتى إذا ضحك الطِّلَا عَبَسُوا
والبدرُ يرْفُل في غلائلِه بين النجوم وللدُّجَى عُرسُ
والماء بين مُصفِّقٍ طربًا فيه وآخر مُنْتَشٍ بَجْسُ
حتى إذا نطقتْ مَزاهِرُنا خرَس العذولُ وما به خَرَسُ
غاب الرَّقيبُ ونام حاسدُنا فوشَى علينا الطِّيبُ والنَّفَسُ
وقوله:
ما في التَّصابِي على مَن شاب من باَسِ أما ترى جَلْوَة الصَّهْباءِ في الكاسِ
الناسُ بالناِس والدنيا بأجمعِها في دَرَّةٍ تْعطف الساقِي على الحاسِي
يئسْتُ واليأسُ إحْدى الراحتيْن وكم جَلَوْتُ منِّى صدَى الأطماع بالْياِس
منها:
في كل غانيةٍ من أخْتِها بَدَلٌ إن لم تكن بنْتَ رأسٍ فابنه الراسِ
أودعتُ عقلي إلى الساقيِ فَبدَّدَه في كَسْر جَفْنَيْهِ أو في مَيْلِة الكاِس
لا أوْحَش اللهُ من غضبانَ أوْحشَني ما كان أبْطاهُ عن بِرِّي وإيناسِي
سلمتُ يوم النوى منه وأسلمني إلى عدُوَّيْن نَمَّامٍ ووَسْواِس
ذكَّرْتُه وهْولاَهٍ في محاسنِه عهودَ لا ذاكرٍ عهدي ولا ناسِ
ودَدْتُ أن بعتُه روحي بلا ثمنٍ لو كنت أضربُ أخماسًا لأسْداسِ
يا وَيْح من أنتِ يالَمْياء بُغْيتُه ما كان أغْناه، عن فكرٍ ووَسْواسِ
قامتْ تغنِّى بشعرٍ وهْي حاليةٌ به ألا حبَّذا المكسُوُّ والكاسِي
تقول والسُّكرُ يطْويها وينشرُها أيُّ الشَّرابْين أحْلَى في فم الكاسِ
يا حبَّذا أنت يالَمْياءُ من سكنٍ وحبَّذا ساكنُ البَطْحاء من ناسِ
ما إن ذكرتُك إلا زاد بي طَرَبِي وطاب ريحُ الصَّبا من طِيب أنْفاسِي
ولا ذكرتُ الصَّبا إلا وذكَّرنِي لَياليًا أرْضعتْني دَرَّةَ الكاسِ
وجيرةً لعبتْ أيدي الزمانِ بهم أنكرتُ من بعدهم نفِسي وجُلاَّسِي
أيامَ أخْتالُ في ثَوْبَيْ بُلَهْنيةٍ ومَيْعةٍ من شبابٍ ناعمٍ عاسِ
عارٍ من العار حالٍ بالصِّبا كاِس كأنني والصِّبا في بُرْد أخماسِ
أنضيْتُ فيه مَطايا الجهل والباسِ عريتُ منه وما عَرَّيْتُ أفراسي
في صِبْيَةٍ كنجومٍ الليلِ أكياسِ كان أيامَهم أيامُ أعْراسِ
أسمُو إليهم سمُوَّ النومِ للرَّاسِ أدُبُّ فيهم دبيبَ السكرِ في الحاسِي
باتوا بمَيْثاءَ صَرْعَى لاحَراك بهم وإنما صرعتهم صَدمةُ الكاسِ
يا عاذلي أنت أوْلَى بي فخُذ ييدي فأنت أوقْعتني فيهم على راسِي
ويا حمامَ الِّلوَى هلا بكيْتَ معِي على زمانٍ تقضَّى أو على ناسِ
وقوله:
يا نسيمَ الصَّبا ويا عذْبَ الرَّي حانِ هُبِّي على وانتفضِي
خبِّرينِي عن الِّلوَى خَبرًا إنَّ ذكرَ الرياضَ من غَرضِي
لأُقَصِّى من اللوى وَطَرًا ليس يدري الوُشاة كيف قُضِى
[ ٢٤٥ ]
مالبرقٍ تِجاه كاظمةٍ لم تُضِي في العَقِيقِ أين تُضِي
لست أرْضَى بصاحبٍ بدلًا فاسْألا من صحبتُ كيف رضِى
صدَّقوا ليس عنهم عوضٌ وجميعُ الورى لهم عِوَضِي
وقوله من قصيدة:
أتراك تهفُو للبروق الُّلَّمعِ وتظن رَامَة كلَّ دارٍ بَلْقَع
لولا تذكُّر من ذكرْتَ برَامةٍ ما حَنَّ قلبي لِلِّوَى والأجْرَعِ
ريمٌ بأجْويِة العراق تركتْه قَلِقَ الوسادِ قريرَ عينِ المَضْجَعِ
في السِّرِّ من سعدٍ وسعدٌ هامةٌ رَعْناءُ لم تُصدَعْ ولم تتضَعْضعِ
منها:
قالتْ وقد طار المَشِيبُ بلُبِّها أنِشبْتَ في حَلْقِ الغراب الأبْقَعِ
وتلفَّتتْ والسحرُ رائدُ طَرْفِها نحوَ الديارِ بمُقلةٍ لم تخشَعِ
ولكَم بعثْتُ إلى الديارِ بالمتَربَّعِ فبكتْ ولولا الدارُ لم تتقشَّعِ
أمَّلتُ لو يتلَّوم الحادي وما أمَّلْتُ إلا أنْ أقول وتسمعي
وقوله:
لم أنْسَ لا أنسى خيالًا سرى يسترشدُ الشوقَ إلى مَضْجعِي
حسِبتُ بدرَ التِّمِّ قد زارني فبِتُّ لآ أقْفُو سِوى المطلَعِ
أسأل عنه الشوقَ لا يرْعوِى وأنشُد البَيْنَ به لو يَعِى
آليْتُ والدارُ لها حرمةٌ لا أسأل الدارَ وصبري مَعِي
كان دمي حَجْرًا على حاجِرٍ فلِمْ أباحْته مَها الأجْرُعِ
عُلالَةً كان وُقوفي بها أبْغِي شِفَا القلب من المُوجِعِ
وقوله:
يالَهْفَ نفسي على شبابٍ أفنيتُ في عصرِه جَمِيعِي
كان شَفِيعي إلى الغواني فمنَ شفيعي إلى شَفِيعِي
إن الدَّرارِي على نَواها أدْنَى من الغادة الشَّمُوعِ
وقوله:
لا تجْزعِي يا بَانَة الأجْرَعِ حُوشيتِ من همِّي ومن ضَيْلَعِيِ
كأن قلبي بين شِقَّىْ عَصَا في حبِّ من شَقّوا عصا المَجْمَعِ
حلُّوا من القلب بوادي الغَضا ونارُهم في مُنْحنَي الأضْلُعِ
وقوله:
يا عَذُولي وما أظن عذولي يطمعُ اليوم في مَلامِي وقَذْعِي
هَبْك ثقَّلتَ بالمَلامةِ سَمْعي أخْتشِى اليوم أن تُثِّقل طبْعِي
وقوله:
أجِدَّكَ شايعْتَ الحَنِين المُرجَّعَا وغازلْتَ غِزْلانا على الخَيْف رُتَّعَا
وطالعْتَ أقمارًا على وَجْرَةِ النَّقا وقد كنتُ أنْهَى العينَ أن تتطلَّعَا
ولم أرَ مثلَ الغِيدِ أعْصَى على الهوى ولا مثلَ قلبي للصبابةِ أطْوعَا
ومن شِيمَي والصبرُ مِنِّيَ شِيمةٌ متى رام أطْلالًا بعيْنٍ تدمَّعَا
وقورٌ على يأسِ الهوى ورجائِه فما أتحسَّى الهمَّ إلا تجرُّعَا
خِليَليّ حالِي كلما هبَّ بارِقٌ تكاد حَصاةُ القلب أن تتصدَّعَا
طوى الهجرُ أسبابَ الموَّدة بيننا فلم يَبْقَ في قَوْسِ التصبُّرِ مِنْزَعَا
إلى الله كم أُغْضِى الجفونَ على القَذَى وأطْوِى على القلب الضلوعَ توُّجعَا
ألا حبَّذا الطَّيْفُ الذي قصر الدجى وإن كان لا يلْقاك إلا مُودِّعَا
ألَمَّ كحَسْوِ الطيرِ صادَف مَنْهَلًا فأزْعجه داعي الصَّباحِ فأسرعَا
وناضْلتُه بالَّلْحظ حتى إذا رمَى بسطْتُ له حبلَ الهوى فتورَّعَا
قَسمتُ صَفَايا الوُدِّ بيني وبْينَه سواءً ولكنِّي حفظتُ وضيَّعَا
وحزَّتْ نِياطَ القلبِ أسبابُ نِيَّةٍ فلله قلبي ما أرَقَّ وأجْزَعَا
وقوله:
سرى والليلُ مَمْدودُ الرُّواقِ وساعى الفجر يحجِل في وَثاقِ
[ ٢٤٦ ]
خيالٌ من عُثَيْمة أو لُبَيْنَىَ أو الشَّماءِ أخْتِ بني البُراقِ
يُطِوِّف في الشَّآم وفي عراقٍ ويا بُعْدَ الشآمِ من العراقِ
أقول لها وقد خطَرتْ رِياحٌ من الزَّوْراءِ في حلل رِقاقِ
وقد برَد السِّوارُ على يديْها فأحْمَيْتُ القلائدَ بالعِناقِ
برد السوار، وبرد الحلى، يكنى به الشاعر عن الصباح.
في البديع:
قامت وقد بَرَد الحُلِىُّ تميِسُ في ثَنْى الوشاِح
ابن الزقاق:
بَرْدُ الحُلِىِّ تنافرت عَضُدِي وقد هبَّ الصباحُ ونامَتِ الجَوْزَاءُ
ابن حمديس:
وبتُّ أُحمِى بأنفاسِي حصَا دُرَرٍ بَبرْدِها في التَّلاقي تعرِف الفَلَقَا
وللشريف الرضي، ﵁، وهو مأخذ المترجم:
حتى إذا هبتْ ريا حُ الفجرِ تُؤذِن بالفِراقِ
برَد السِّوار لها فأحْ ميْتُ القلائدَ بالعِناقِ
وأحسن أبو الجوائز الواسطي في قوله:
كلما نَمَّ للفُضولِ سِوارٌ كذَّبْته قلائدٌ وعُقودُ
وبرد المضجع، وبرد الفراش، كناية عن الراحة والترفه، وعن زيادة القدرة، بحيث لا يقدر أحدٌ على إزعاجه، ويلزمه الشجاعة وعلو المقام.
قال:
أبيض بسَّام بَرُودٌ مَضْجَعُهْ
وأعْجَلنا النوَى حتى لَكِدْنا نُودِّع بعضَنا قبل التلاقِي
ولم يكُ غيرَ موقفِنا ونادَى مُنادِى الحيِّ حَيَّ على الفِراقِ
أثِيِبى فيَّ نَظْرةَ لا ضَنِينٍ بنائِله ولا تَرِفِ الخِناقِ
يرى شبحًا بلا ظِلٍّ ونفسًا يُردِّدها التنفُّس في التَّراقِي
بناتُ الشوقِ تْفحَص في فؤادي وطِفْلُ الدمعِ يْعبَثُ بالمَآقِي
وأنت جعْلتني جَزْرَ الأعادِي ولو أحبَبْت ما أكلُوا عُراقِي
تُلوكنيَ الخُطوب على هُزالِي ويحلُو لي لها طعمُ الزُّعاقِ
ولو عقَل الزمانُ دَرَى بأنِّي على مَن رامَنِي مُرُّ المَذاقِ
ولم تتْركْ صُروف الدهرِ منِّي ومن عَضْبِي الجُرازِ سوى رَماقِ
أما والرَّاقصاتِ على لَآلٍ ومَن حُمِلوا على الكُومِ العِتاقِ
لقد أضْلَلْتُ في ليلِ التَّصابي فؤادًا غيرَ مشْدود الوَثاقِ
ألا ياصاحبَيْ نَجْوَاي سيرا فقد قعد الهوى بي عن رِفاقِي
قِفا عنِّي بأقْرْيَةِ الفِتاقِ فَواقًا أو أقلَّ من الفَواقِ
سقى اللهُ العراقَ وساكنِيهِ وجادَ مراتِعَ الشُّدْنِ الطِّلاقِ
إلى أهلِ العراقِ يحِنُّ قلبي فواشَوْقي إلى أهلِ العراقِ
وقوله:
أرأيتَ ما صنعتْ يدُ التَّفْريقِ أعلمتَ مَن قتلتْ بسَعْيِ النَّوقِ
رحلَ الخَلِيطُ وما قضيْتُ حقوقَهمْ بِمُنَى النفوسِ وما قضَيْنَ حُقوقِي
عِلُقوا بأذْيالِ الرياِح ووكَّلُوا لِلْبَيْن كلَّ مُعرِّجٍ بفريقِ
وغدوْتُ أصرفُ ناجِذَيَّ على النَّوَى وأغَصُّ من غَيْظ الوُشاة برِبقِي
هجروا وما صبَغَ الشبابُ عوارِضِي عَجْلان ما عِلقَ المشِيب بزِيقِي
فكأنني والشيبُ أقْربُ غايةٍ يومَ الفِراق شربْتُ من رَاوُوقِ
لا راق بعدهم الخيالُ لناظرِي إن حَنَّ قلبي بعدهم لرَحِيقِ
لعب الفِراقُ بنا فشرَّدَ من ييد رَيْحانتَّي صديقِتي وصديقِي
للهِ ليلنُنا وقد عِلقتْ يدي منه بعِطْفٍ كالقناةِ رشيقِ
عاطَيْتُه حَلب العصيرِ وصَدَّنا عن وجهِ حاجِبِنا يدُ التَّعويقِ
ما كان أسْرَع ما دحَتْه وإنما دُهِش السقاةُ به عن التَّرْويقِ
[ ٢٤٧ ]
أيقظْتُه والليلُ ينفُض صِبْغَه والسكرُ يخلِط شائقًا بمَشُوقِ
والنومُ يعبثُ بالجفونِ وكلَّما رقَّ النسيمُ قسَتْ قلوبُ النُّوقِ
والبرق يعثُر بالرِّحال وللصَّبا وقَفاتُ مُصْغٍ للحديث رَفيقِ
باتتْ تحرَّش والقَنا متبرِّمٌ بين الغصون وقَدِّه المْمشوقِ
فأجابني والسكرُ يُعجِمُ صَوْتَه والكأسُ تضحك للثَّنايا الرُّوقِ
لولا الرَّقيبُ هَرَقْتُ مَضْمضةَ الكرَى وغصَصتُ صافيةَ الدِّنانِ برِيقِي
ثم انْثنيْتُ وزَلْفُه بيد الصَّبا وشَمِيُمه في جَيْبِيَ المفْتوقِ
وقوله:
أرِقْت لبارِقٍ في جَوِّ رَاسِي جَرِضْتُ لصَوْبِ عارِضه برِيقِي
هدَتْه النَّائباتُ وأيُّ ضيفٍ هدَتْ يومَ الفِراق إلى فروقِي
رفعْتُ لي بجُنْحِ الليل نارِي فخاض الليلَ يعسِف في الطريق
ودَدْتُ ولو بضَرْبِ الْهامِ أنِّي رَعيْتُ له ولو بعضَ الحُقوقِ
وقوله:
رُبَّ ساقٍ غمَزْتُه فتغابَي ثم أوْمى بناظرٍ لا يُطاقُ
قال لي والخُمارُ يُرْعِد كَفَّيْ هِ ورُوحي على يديْه تُراقُ
أنتَ لا شك هالكٌ بجفنوني قلتُ زِدْني فإنها دِرْياقُ
فانْتضَى الكأسَ من يدَيَّ وأهْوَى نحو فِيه بالكأس وهْي دِهاقُ
قال لي هاكَها شَرابًا طَهُورًا خلَّصتْها من حِنْثِها الأرْياقُ
وقوله:
آهِ يا غُصْنَ النَّقا ما أمْيَلَكْ جَلَّ يا غُصنَ النقا من عَدَّلَكْ
قد قضى لي بتَباريحِ الجوَى مَن قضى بالحبِّ لي والحسنِ لَكْ
أكل الحبُّ فؤادي بعدَما لَاك منِّي ما تمنَّى وعَلَكْ
هلك الشامِيُّ وَجْدًا وأسًى ما يُبالي يا حياتي لو هلَكْ
قلَّ لي فِيك غارمًا وجَوًى قلَّل اللهُ عَذُولا قَّلَلكْ
حكم اللهُ لفَوْدَيَّ على نُسْخة الشَّيْب وتسْويد الحَلَكْ
أتُراهم قد رأَوا أيَّ دمٍ هرَق الواشِي على تلك الفلكْ
يا غُرابَ البَيْن لا كنتَ ولا كان وَاشٍ دَبَّ فيهم وسلَكْ
أخذُوا منَّا وأعْطَوْا ما اشْتَهَوْا ما كذا يحكُم فينا من ملَكْ
جُرتَ في الحُكْم على أهلِ الهوزى لا تخَفْ فالأمرُ لِله ولَكْ
ليت شِعْرِي أمَلِيكٌ في الورَى أنتَ يا إنسانَ عَيْني أم مَلَكْ
حكَم الدهرُ علينا بالنَّوَى هكذا تفعلُ أدوارُ الفلَكُ
وقوله:
سيدي لا مِثْلَ مثُلكْ صُوِّر البدرُ بشكلِكْ
ما حَكاك البدرُ لكن رامَ يحكى شِسْعَ نَعِلكْ
إنما الحسْن قميصٌ هو قد حِيكَ لأجْلِكْ
خُلِق العشقُ لمْثلي وحلَا الحسنُ لمثلِكْ
وقوله:
آهِ من داءيْن بادٍ ودخيلِ وخَصِيميْن مَشِيبٍ وعَذُولِ
ما على مَن طال ليْلىِ بعدَهم لو أعانوني على ليلىِ الطويلِ
عاجلَ القلبُ إليهم ناظرِي ما أضرَّ الحسنَ بالقلبِ العَجُولِ
نادَمتْ منهم بَنانِي ناجِذِي واسْتشاط الوجدُ في إثْرِ الخمولِ
وبأكْناف المُصَلَّى غادةٌ سنَحتْ لي مَسْنَحَ الظبيِ الخَذُولِ
عرضتْ شرط المفَدَّى في مَهًا يتعثَّرْنَ بأطْرافِ الذيولِ
قد عرَفْنا وَقْفة الرَّكْبِ دُجًى في سنَا الجَوِّ وأنْفاسِ القَبُولِ
إذْ شفيعِي عند لَمْياءَ الصِّبا ورسولِي خُلْسةَ الَّلحْظِ الكليلِ
[ ٢٤٨ ]
نظَرتْ نحْوى ورَقْراقُ السَّنا يخطِف الأبْصارَ عن طَرْفٍ كحيلِ
حكم اللهُ لقْلبَيْنا على قَلقِ القُرْطِ ووَسْواسِ الحُجولِ
زاد شوقي يا حَماماتِ الِّلوَى علِّلِينا ببكاءٍ وعويلِ
أنا أوْلَى بنُواحٍ وبُكا لا بُليِتُنَّ بوجْدِي وغَليلِي
ليت شِعْري والأمانيِ ضَلَّةٌ هل صَبا نَجْدٍ إلى الغِيد رسولِي
يا صَبا نجد ومَن لي لو وعَتْ رَجْعَ قوْلي أو أصاختْ لِسئُولِي
أنْتِ أدْرَى يا هَناتِي بالجوَى خبِّريهم يالكِ الخيرُ وقُولِي
لو رأَى وجهَ سُلَيْمَى عاذلِي لتفارْقنا على وجهٍ جميلِ
بشَّرتْ سلمى عَذُولي بالنَّوَى آهِ مَّما أوْدعتْ سَمْعَ العَذُولِ
وقوله:
يا أخا البدرِ رَوْنقًا وسناءً وشقيق المَهَا وتِرْبَ الغزالَهْ
ساعَد الخيرُ يومَ بِعْتُك رُوحي لا وعينْيك لستُ أبْغِي إقالَهْ
يا عليلَ الجفون علَّلْتَ قلبي زاد عيْنيك عِلَّةً وذَبالَهْ
ما لِعْينِيَّ كلَّما عنَّ ذِكرا ك تداعتْ جفونُها الهَطَّالَهْ
جُنَّ طَرْفي مذ غاب عنه مُحيَّا كَ جُنونِي فلا تسَلْ ما جرَى لَهْ
كنتُ قبلَ الهوى ضَنِينًا بقلبي خدعَتْني لِحاظُك الخَتَّالَهْ
لك قَدُّ القَنا وثغُر الأقاحِي وجفونُ المَها وجِيدُ الغزالَهْ
مَن تناسَى بالرَّقْمتْين وِدادِي فبعْيني غصونُه المَيَّالَهْ
رُبَّ ليلٍ قصَرْتُه بغَريِرٍ حلَّ من عقد زُلْفه فأطالَهْ
مَن عَذِيري في حبِّ طَفْلٍ لَعُوبٍ عوَّدُوه سفْكَ الدِّما فحَلالَهْ
كلَّما صدَّ عن سوايَ دلالًا صَدَّ عنِّي تبرُّمًا ومَلَالَهْ
لستُ أنْسَى يومَ الفِراق وقد أدْ ركَ من شمْلنا النوَى آمالَهْ
غصَب البَيْنُ من يدِي كلَّ غُصْنٍ سرَق الغصنُ لِينَه واعْتدالَهْ
فَرَّ نَشْوانَ من يدِي يتكَفَّى ثقَّل الوردُ غُصْنَه فأمالَهْ
لم تدعْ لَوْعةُ الجوى من حَشاهُ من حَصاةِ الفُؤادِ غيرَ ذُبالَهْ
يا لُواةَ الدُّيُون نَفْثةُ مَصْدو رٍ أذابتْ أنفاسُه أوْ صالَه
إن ذَوْبَ الجفونِ في أَثَرِ الغا دِينَ أوْلَى لناظرِي أوْلَى لَهْ
فلْيَلُمْني العذولُ ما شاء إنِّي لستُ لي في هوى الحسانِ وَلَالَهْ.
وقوله:
كِلينِي لهّمٍ لا ينامُ ونامِي فما الشامُ إن ضاقتْ علىَّ بشامِ
وما بي سوى أمٍّ رَءُومٍ وجِيرةٍ عِزازٍ علينا يا عُثَيْمُ كِرَامِ
وقد كنتُ قبل البَين جَلْدًا على النَّوَى تطالبني نفسِي بكلِّ مَرامِ
لَصُوقًا بأكْباد الحسانِ مُحَبَّبًا إلى الغِيد يَحْلُو لي لَهُنَّ كلامي
يقودُونني قَوْدَ الجَنِيب إلى الهَوى فما لي مَنْبوذٌ إلىَّ زِمامي
وفي الركْب مَدْلولُ اللِّحاظِ على الحشا يُدافِع عن أتْرَابِه ويُحامى
لقد كمَنتْ أمُّ المنايا بلَحْظه كمُونَ المنايا في شِفارِ حُسامِ
يُشايعُه من آل كسرى ضَراغِمٌ براثنُهم عند اللقاءِ دَوامي
يرُوحون والتِّيجانُ فوق رءُوسِهمْ ألا رُبَّ تِيجانٍ زَهَيْنَ بهِاَمِ
برزْتُ الهم والحتْفُ منِّى على شَفَا أرى الموتَ خلفي تارةً وأمامي
أُوارِبُ عن صَحْبي وأعلمُ أنَّني لَأوَّلُ مقتولٍ بأوَّلِ رامِ
[ ٢٤٩ ]
فناضَلْتُه والرَّكْبُ بين مُفوِّقٍ وآخَر مقْرُوحِ الجوانحِ دَامي
أصابتْ وكانت لا تُصِيبُ سِهامُه وطاشَتْ وكانت لا تَطِيشُ سِهامي
كذا الغيدُ يا عَثْماءُ إمَّا مُهاجِرٌ وإما خَتُولٌ لا يَفي بذِمامِ
وقوله:
لمن العِيسُ جُفَّلا كالنعامِ يترجَّحْن خِلْفةَ الآرامِ
يرْتقصْنَ الخُطى ارْتقاصَ بَناتِ الشَّ وقِ تحت الحشَى على الآكامِ
ووراءَ السُّجوف كلُّ أَناة الْ خَطْوِ حَيُّ الحياءِ مَيْتُ الكلامِ
كدُمَى العاجِ في المحاريب أو كالزَّ هرِ غِبَّ القِطار في الأكمامِ
قد تقنَّعْنَ في الشُّفوف كما قُنِّ عَ بدرُ الدجى بذيل الغمامِ
ما عهِدْنا الظِّباء ترفُل في الوَشْ ىِ ولا الوَحْشَ في البُرَى والخِزامِ
قُسِّم الحسْن بين قاصِرة الطَّ رفِ وأخرى مقصورةٍ في الخيامِ
منها:
كلُّ هَيْفاء حيث يُعتقَد الحبُّ سريع الخُطَى بطئ القيامِ
كلَّما أقْصدتْ فؤادَ كَمِىٍّ بسَمتْ لي عن مْثل حبِّ الغَمامِ
رفعتْ طَرْفها إلىَّ وقالتْ بأبي ما أرقَّ قلبَ الشامي
طالعتْ صاحبي ومالتْ إلى السِّرْ بِ بطَرْفٍ ولا كطرفَي دَامِي
وسَبْتنِي وما أبَحْتُ حِماها بَقوامٍ آهًا له من قَوامٍ
وعيونٍ أعاذَنا اللهُ منها لعبتْ بالعقول لعبَ المُدامِ
ورَسِيلٍ يُطيل ناشئةَ الَّلْي لِ وناهِيكُما بليْلِ التَّمامِ
ورمتْني وللمنَّية أسبا بٌ فلله ما أخفَّ سَقامي
فلْتطُل لَوْعتي عليك ووَجْدِي إن قلبي يصحُّ بالأسقامِ
يا نَدِيميَّ بالجَوَاء كِلانا لَهناتٍ حسَرتُ عنها لِثامي
أعْفياني من هَجْعة تملأُ العيْ نَ غُرروًا بِطارقٍ في المَنامِ
زارني والهوى يُخيِّل للعيْ نِ سعادا والليلُ مُرْخَى الزِّمام
فوفَى لي بكلِّ ما تشْتهي النفْ سُ وولَّى والرَّكْبُ صَرْعَى غرَامِ
زارني في ذُرَا الشآمِ ودارِي بالمُنقَّى ودارُها بالرِّجامِ
طاف والليلُ مطبِق بعُراهُ يسْتقيل الكرَى من الإلْمامِ
قلتُ للطارِق الذي طرَق الجوَّ وشابتْ له فروع الظلام
كبُرتْ يا ظَلُومُ همةُ عيْنٍ طمعتْ أن تراك في الأحلامِ
وقوله:
رقَّتْ شمائلُه فقلتُ نسيمُ وزكَتْ خلائُقه فقلت شَمِيمُ
قصَر الكلامَ على المَلامِ وإنما لِلَّحْظِ في وجَناتِه تكْليمُ
شرِقتْ معاطفُه بأمْواه الصِّبا وجرى عليه بَضاضَةٌ ونعيمُ
قد كاد تشربُه العيونُ لَطافةً لكنَّ سيفَ لِحاظِه مسمومُ
وقوله:
رشَفتْ صُروف الدهر ماءَ نَضارتي عَجْلانَ ما أدْمى الفؤادَ وما رَمَى
إن الذي صبَغ الحياءُ بياضَه لم يدْرِ كيف غرِقْتُ من خجلٍ دَمَا
إن الذي فارقْتمُوه ولم يمُتْ يا عَزُّ كلن أعَقَّ منكِ وأظْلما
وقوله:
يا خليَليَّ دعاني والهوى إنني عبدُ الهوى لو تعلمانِ
عَرِّجا نقْضي لُباناتِ الهوى في ربوعٍ أقْفرتْ منذ زمانِ
مَربَعٌ أولع عيني بالبكا أمَر العينَ به ثم نَهاني
وقُصارَي الخِلِّ وجدٌ وبكا فابْكياني قبل أن لا تبكيانِي
يا عُريبًا مُنْحناهم أضلُعي وغَضاهم نارُ شوقي في جَنانِي
سوَّدُوا ما بين عينى والفَضا ومحَوْا عنها سوادَ الدَّيْدَبانِ
[ ٢٥٠ ]
إن قلبًا أنتمُ سُكانُه ضاع مني بين شِعْب والقَنانِ
وقوله من خمرية:
هاتِها هاتها سَبِيَّةَ حَوْلٍ قد توانتْ ولات حين توانِ
كسقِيط الندى على وجَنات ال وردِ أو كالدموع في الأجفانِ
في يدَىْ شادِنٍ رقيقِ الحواشِي فوق خدَّيْه وردةٌ كالدِّهانِ
هي في خدِّه سَبِيكُ نُضارٍ وبِفِيه عصارةُ العِقْيانِ
منها:
نسخَتْ سحرَ بابلٍ مُقْلتاه فتنبَّي في فَتْرَة الأجفانِ
أحسن منه قول التنيسي الأندلسي:
لولا تحدِّيه بآيِة سحرِهِ ما كنتُ ممتِثلًا شريعةَ أمرِهِ
رشأٌ أُصدِّقه وكاذبُ وعدِه يُبدي لعاشقه أدلَّة عُذْرِهِ
ظهرتْ نُبُوَّةُ حسِنه في فَتْرةٍ من جَفْنِه وضلالةٍ من شَعرِهِ
في رُبوع كأنهنَّ جِنانٌ عطفتْ حُورَها على الوِلْدانِ
ورياضٍ كأنهنَّ سماءٌ أطْلعتْ أنْجُمًا من الأُقْحُوانِ
بين وُرْقٍ كأنهن قِيانٌ رُكِّبَتْ في حُلوقهنَّ مَثانِي
وغصونٍ كأنهنَّ نَشاوَى يترقَّصْنَ عن قُدود الغوانِي
وأقاحٍ كأنهنَّ ثُغورٌ يتبسَّمْنَ في وجوهِ الحسانِ
ونسيمُ الصَّبا يصِحُّ ويْعتَلُّ على بَرْدِه وحَرِّ جَنانِ
كلما غَنَّتِ البلابلُ فيها رقَّص الدمعُ بابلكا أجْفانِي
عطفَتْني على الرياضِ قُدودٌ خلعتْ لِينَها على الأغصانِ
يتلقَّانِيَ الأقاحُ بنَشْرٍ وغصونُ النَّقا علىَّ حَوانِ
منها:
أين قلبي لا أين إلَّا طلولًا أذْهبتْها الرياحُ منذ زمانِ
أذْكرتْني معادهادًا ورُبوعًا كاد يَدْمى لذِكْرهنَّ بَنانِي
حيث غُصْنِي من الشبابِ رَطِيبٌ وعيونُ المَها إلىَّ رَوانِي
أطرُد النومَ عن جفونٍ نَشاوَى بحديثٍ أرَقَّ من جُثْمانِي
وقَوافٍ لو سَاعد الجِدُّ نيِطتْ موضعَ الدُّرِّ من رِقاب الغوانِي
سائراتٌ بُيوتُهنَّ على الألْ سُنِ سَيْرَ الأمثالِ في البُلدانِ
قُصُدٌ كالفِرِنْدِ في صفَحات الدَّ هرِ أو كالشُّنوفِ في الآذانِ
عاصِياتٌ على الطباعِ ذَلُولٌ يُتغنَّى بهنَّ في الرُّكْبانِ
ساقَطتْ والندَى يَطُلُّ عليْنا من عُيونِ المَها حصَا المَرجانِ
وقوله:
لا يتَّهِمْنِي العاذلون على البُكا كم عَبْرةٍ مَوَّهْتُها ببنَانِي
يا مَن يفنِّدني على ابْنِة وائلٍ عنِّي إليك فغيرُ شانِك شانِي
آليْتُ لا فتَق العَذول مَسامِعي يومًا ولا خاط الكرَى أجفانِي
قالت عُثَيْمة قد كبِرتَ عن الصِّبا ما لْلِكبير وصَبْوةِ الشُّبَّانِ
ما الشَّيْبُ إلا كالقَذاةِ لناظرِي فقليلهُ وكثيرُه سِيَّانِ
سَلبتْ أساليبُ الصَّبابة من يدِي صَبْرِي واُغْرَتْ ناجِذِي ببنَانِي
وقوله:
إذا أبْصرتُ شخصَك قلتُ بدرٌ يلُوح وأنت إنسانُ العيونِ
جرى ماءُ الحياة بِفِيكَ حتى أمِنتُ عليك من رَيْب المَنونِ
وقوله:
هل في القضيَّةِ أن يُشايِعك العِدَى في ليلةٍ ناجيتُ فيك سُهاهَا
هَبْ أن للشامِيِّ فيها بالسُّهَا نَسَبًا فأين همُ وبدرُ دُجاهَا
ليت التي بعثَتْ إلىَّ خَيالَها أذِنتْ لعيني أن تذُوق كَراهَا
وقوله:
طرقتْ تخطَّي رِقْبةَ الواشِين بي وعيونُهم مَطْروفةٌ بكرَاهَا
وأنا ومَوَّار اليديْن نلُوذ في سُجْفِ الخياِم كأننا طُنْباهَا
[ ٢٥١ ]
قلت: هذا ما وصل من أشعاره إلى، والمنة لمن منحني به علي.
وقد قيل: من أحيي قلب صديق، بكلام رقيق، أمن من كل حريق، وسلم في كل مضيق.
ولو استزدت لزدت، وما قلت عسيت أو كدت.