هو مع قلة أنداده، واحدٌ في تهيئة مواد القبول وإعداده.
فاختلف إليه السعى رائحًا وغاديا، وأطرب بذكره الثناء شاديا وحاديا.
إلا أنه ترامى في بحبوحة التصلّف، وتكلّف والعلى لاتنال بالتكلّف.
ففوّقت إليه سهامها لواحظ الظنون، وقدمًا قيل أرض صيدا تنبت العيون.
وهو صاحب فكر حديد، وأدبٍ وافر مديد.
فاضلٌ ملء إهابه، عارفٌ بإيجاز الأدب وإسهابه.
وله كتاب ألحان الحادي، في المراجع والمبادي.
استحسنت من شعره فيه قطعة، رأيتها في مفازة وحدها منقطعة.
وهي قولي من قصيدة:
إذا أنكرتْ دعوَى المحبِّ شهودُهُ فحسبِيَ أنِّي في الغرامِ شهيدُهُ
فلله شَوْقٌ لا يقَرُّ قَرارهُ من البُعدِ حتى مالَه من يعودُه
وقد مَلَّه عُوّادُه وهُو مُدنَفٌ حليفُ جَوًى صَبُّ الفؤادِ عَمِيدُهُ
رعى اللهُ أيامًا تقضَّت بقُربهمْ ومَن لي بذاك القُرب مَن ذا يُعِيدُهُ
أيا عاذِلي عمَّن نَعيمِيَ وَعْدُهُ ونارُ جحيمي بُعدُه ووعيدُهُ
ولم يتعطَّف بالوِصال لمُغْرمٍ وقد طال منه هَجرُه وصُدودُهُ
فهذا مَلامِي مَسْمَعِي لايريدُه وهذا غرامي لاأزال أرُودُهُ
وإن كادَني دهرِي بجَوْر زَمانِه تخلَّصْتُ منه بالذي عَمّ جُودُهُ
قولي: وقدمًا قيل: أرض صيدا تنبت العيون، إشارة إلى قول ابن الساعاتي، وقد هرب غلام، فأمر أن يمرّ في نرجس صيدا:
للهِ صَيْداءُ مِن بلادٍ لم تُبْقِ عندي هَمًّا دَفِينَا
نَرْجِسُها حِليةُ الفَيافِي قد طبَّق السهلَ والحُزونَا
وكيف ينْجُو بها هَزِيمٌ وأرضُها تُنبتُ العيونَا
ومما يهزني إلى الطرب فصلٌ لابن شاهين، في وصف صيدا، قال فيه: وأما صيدا، فإنها بين البلاد أسد البيدا.
وما أدري كيف يذمها بعض الناس، وأهلها يعوّذونها من شرّ الوسواس الخنّاس.
ولعمري إنها بلدة لولا حرارة مائها وهوائها، وبرودة أوضاعها وأبنائها.
لكانت جنّة المأوى، في الدنيا والآخرى.
اللهم إنا نسألك الإنصاف، ونعوذ بك من التعصّب والاعتساف.
[ ٢٢٢ ]
وكيف يشتم الإنسان بلدةً إذا جلب إليها الماء يكتسب حرارة، وإذا استجلب إليها العذب السائغ ينقلب إلى عفوصة ومرارة.
وهي كما قال أبو الحسن الباخرزيّ، في مدح محاسن الرّيّ، ولطف هوائها ومائها:
صادفتُ فيها كلَّ شَيْءٍ جائزًا أقْصى حدودِ البردِ غيرَ الماءِ
وكيف لا يمدح الماء الحار، وهو الذي يجلب المسارّ، ويدفع المضارّ.
وينفع في الحمّام، للاغتسال والاستحمام، ويحلّل الأورام، وإن شئت فقل يجلب البرسام، والسلام.
شعراء جبل عاملة