هو من حين نجم، تهلَّل عارضة وانسجم ولم يرض بالأرض دارا، فاتَّخذ ما فوق فلك الأفلاك مدارا.
حتى النجومُ عدَت تقول تعجُّبًا جاوزْتنا شرفًا فأين تُريدُ
فأجابهنَّ أُمِرتُ أن أرْقى العُلى ما دام لي في الارتقاء مَزِيدُ
حتى تَرَينْي والسماءُ قواعدِي والشمسُ أرضٌ لي وأنتِ صَعِيدُ
أطلعه الله الطلوع المطهر، وألبسه أثواب النباهة العلم المشهر.
فقام على ميعة شبابه مقام أبيه في حوزته، وراز الأمر بتوفيق الله مثل روزته.
وبنى مثل ما بنى، ومالوى يدًا عن مكرمةٍ ولا ثنى.
تلافى أبوه العُلَى بالعُلى فبثَّ نَداه ووالَى جَداهْ
فلمَّا مضى وقضى نَحْبَه تلافى تَلافِى المَعالي أبَاهْ
وكان بيني وبينه مودة على الغيب، مأمونة بعون الله من الشائبة والريب.
وكنت لا أفكر في مستحسن سواه إلا أعرضت دونه، ولا أرجو لقاء غائبٍ إلا رجوت أن يكونه.
[ ٢١٨ ]
فلما مررت على الرملة عند رحلتي إلى القاهرة، كان أول طالعٍ علىّ من آفاقها الزاهرة.
ففاتحته بهذين البيتين:
لقد كنتَ في قلبي ولم يحصلِ الِّلقا وأنت به أحْلَى من المَبْسمِ العَذْبِ
فقرَّتْ بحمدِ الله عيني بنظْرةٍ فلم أرَ أحْلَى منك في العينِ والقلبِ
وكان في صحبته أمين الدين القدسي وأبو الهدى الرملي، وهما ماهما، جاد صوب فضلهما وهمى.
وبينه وبينهما مصافاة تقتضي حقا يوفى، وفرضًا يؤدى، ووصفًا يصفى.
فقلت أخاطب أمين الدين:
يا أمينًا ذاتُه دُرٌّ ثمينُ أنت للعلْياء عينٌ ويمينُ
إن وُدًّا صادثًا أوْدَعْتنِي أنا عنه عُمْرَ دهري لا أَمِينُ
حاضرًا أحْبُوك أصْناف الثَّنا وعلى غَيْبك أني لا أمِين
وقلت في أبي الهدى:
هَداني النجمُ إلى مِدْحَةِ مَن تلفَّع المجدَ وبالفضلِ ارْتدَى
وكيف لا يُهْدَى إلى الرشادِ مَن دليلُه النجمُ إلى أبي الهُدَى
وهو الآن في تلك الخطة رئيس الحقل، وإمام الفرض فيها والنفل.
زند مجده قادح، وما فيه طاعنٍ ولا قادح.
فالله يجعل نتائج حياته، تابعةً لأحسن مقدماته.
وكان صدر بيني وبينه محاورات، بأرق معان وألطف عبارات.
تلاحظ بها أقمارُ المنى فتشرق، وتنظر إلى أكناف الحمى فتراها بصيبها تورق.
فمما كتبته إليه هذه النونية:
رُدُّوا المسرَّة والكرى لجُفوني وهو القرارُ لقلبيَ المحزونِ
لم أدْرِ قبل هواكمُ أن النوَى يُبْدِي من الأشْجان كلَّ دَفِينِ
أو أن سلطانَ المحبِة يقتضِي أن الأسودَ تبيتُ أسْرَى العينِ
أما النفوسُ فلم يدَعْ منها الجوَى إلَّا بَقايا زَفْرةٍ وأنينِ
لما رآني الطيْفُ رَقَّ ترحُّما وبكى على بلُؤلُؤٍ مَكْنوِنِ
وسرى وأيْقَن أنه لو زارني أُخرى لأخطأني فلا يعْدُونِي
آهٍ وهل يشْفِى العليل تأوُّهٌ شوقًا لعهدٍ بالوفاء قَمِينِ
أيَّامَ يحْدُني الصِّبا ويسُوقني قسرًا إلى الَّلذاتِ غير غَبِينِ
لا أخْتشِى مَسَّ الحوادث آمِنا وأخو النُّهى مَن بات غيرَ أمينِ
والآن أبْكي إن أُصِبتُ بنعمةٍ قبل الزَّوالِ لفطْنتي ويقينِي
ولقد سبَرْتُ بني الزمان فلم أجدْ خِلًّا إذا أرْضيْتُه يُرضيني
فتركْت مَن كنت الضَّنينَ عليه مِن فَرْط الهوى وأراه غيرَ ضَنِينِ
وغدَوْتُ فيهم كالحُسام مُجرَّدًا من غِمْدِه فردًا بغَيْر مُعِينِ
نَاءٍ عن اللذاتِ إن بَخِل الحَيَا أغنيتها عنه بغيْثِ جُفونِي
لا أرْتضي شمس النهارِ قرينةً وأعاف ظِّلى أن يكون قَرينِي
أسْتصغرُ العظماءَ حيث وجدتُهمْ وأرى مقاتل والثُّريَّا دُونِي
ليس احْتقاري للأنام تهاوُنا بهمُ ولا خطر الورى بظنُونِي
لكن أعُدُّ من البهائِم مَن خَلَا عن فضلِ فردِ العصر نجمِ الدِّينِ
مَولى سواه هلالُ شَكٍّ في العلى وجَنابُه المحروس شمسُ يقينِ
قد كوَّن الرحمنُ جوهرَ ذاتِه لُيرِى العبادَ عجائب التَّكْوينِ
وأظنُّه من فَرْط طاعتِه أتى للكونِ بعد الكاف قبل النونِ
بحرٌ بِحارُ الأرض تغرَق في نَدَى كَفَّيْه لستَ تُحيطُه بسَفِينِ
لا يبلُغ المِكْثارُ عُشْرَ صِفاتِه لو حُفَّ بالتأييد من جِبْرِينِ
هو نجْل خير الدين شيخ العصر من غنِيتْ مآثرُه عن التَّدْوينِ
فسقَى ضريحًا ضَمَّه صَوبُ الحيَا يهْمِى عليه من الرِّضا بهَتُونِ
[ ٢١٩ ]
أمعلِّمَ الشعراءِ وصفَ ذوى العُلى فتراه يهْدِيهم إلى المَضْمونِ
أنا مَن عرفتَ وِدادَه وجهلْتَه ولوسف تغنَم منه خيرَ خَدِينِ
فبقيتَ في حفظِ الإله ممتَّعا بالعِزِّ والإسْعاف والتَّمكِينِ
فُعلاكَ فخرٌ للزمان وأهلِه وبَقاك أكبرُ نعمةٍ للدِّينِ
ولذاك لم أنْطِق بمدْحِك داعيًا إلا أجاب الناسُ بالتَّأْمينِ
فكتب إلىّ جوابها رسالةً، وشحها من نفائس أنفاسه نثرًا وشعرًا، ولم يهد النجم في مطالع البدائع إلا النثرة والشعرى:
أهلًا بطيْفٍ من حبيبٍ زارَا أهدى حياةً شافهتْ أوْطارَا
أفدِيه من طيفٍ ألَمَّ بمضجِعي فأثار في أحشاءِ قلبيَ نارَا
شوقا إلى خِلٍّ تذكُّرُ عهدِه لم يُبْقِ في قلبي الخَفُوقِ قَرارَا
أصْبُوا إليه إذا تألَّق بارِقٌ وأحِنُّ إن رَكْبٌ إليه سارَا
وإذا ترنَّم صادحٌ في أيْكِةً من نحْوِه اختطف الفؤادَ وطارَا
إن أبهى ما أفصح به اليراع بيد أنه رضيع ثدي المحابر، وأسمى ما خطب به القلم وهو على منابر الدفاتر.
سلامٌ أحلى من رحيق الأفواه لدي الصباح، وهيامٌ أجلى عن عقيق الشفاه من الصباح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح، وأنشق من عبير شقيقها وقد فاح، وأنسق من المزن في فم الأقاح.
وبث أشواق يقف لسان القلم عن إحصائها، وتجف أفواه المحابر عن إرادة استقصائها.
إلى من أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق أهل الحل والعقد على تفرده بالفخر.
وظهرت معاليه ظهور الشمس في الإشراق، وعمت أضواء إفادته عموم ضياء البدر في الآفاق.
وهيهات تخفى في الظلام مشاعل، أو تستر على الأيام هذه الفضائل.
وقد هَّبت الشَّمال بنشرها، وسارت الركبان بذكرها.
لا برحت أنوارها مشرقةً على الأنام، وآثارها جلاءً لقلوب الإخوان من غصص الأيام.
وقد وردت القصيدة التي هي شرف الزمان، وفخر البراعة والبيان.
فلا زالت أيادي مولانا مشكورةً مقبولة، ومَبرَّاته وصلاته واصلةً موصولة.
ولا برحت الأسماع تتحلَّى بدره الثمين، آمين آمين، وبالنبيَّ الأمين.
فكتب إليه بهذه القصيدة، وهي:
أما المَشُوق فلا يُطيق قَرارَا وأراه يْقضِى عمرَه تَذْكارَا
يُصْيِبِه مُعترِض البُروقِ إذا هفَا فيُحِسُّ منها في الحُشاشةِ نارَا
وَجْدٌ لقد قصُرتْ مُناه على الظِّبَا أتَرُوم منه على الهوى إقْصارَا
وأبِيك ما اخْترتُ السُّلُوَّ ولو جَفَا مَن كنت أهواه وشَطَّ مَزارَا
بأبِي من النَّفَر القواتَلِ جُؤْذُرٌ تركَ الأسودَ بناظريْه أَسارَى
رَقَم الجمالُ على صحيفِة خدِّه سطرًا فظنَّتْه الوُشاة عِذارَا
يرْنُو بأكحلَ مُرْسِل من لَحْظِه لِمَنَّية المُضنَى شَبًا بَتَّارَا
يا مُهلِك العشاقِ مهلًا في شَجٍ تَخِذَ التَّهتُّك في هواك شِعارَا
لولاك لم يَهْوَ الحسانَ ولم يكنْ ممَّن يَذلُّ لغيرِك اسْتكبارَا
لم أنْسَ عهدك والزمانُ بحالِه والعيشُ يمنْحُه المُنَى ما اخْتارَا
أيامَ نأخذُها كُمَيْتًا سَلْسَلًا لا مُرَّةً كلاّ ولا مُصْطارَا
في روضةٍ فُرِشتُ بِساطًا أطْلَعتْ نُوَّاره عَوْضَ النِّثارِ نِثارَا
غَنَّاء نَمْنَمَها الربيعُ فأظهرتْ حِكَمًا لنا قد أبدعتْ أسرارَا
طابتْ فكادتْ أن تُشابِه خُلْق مَن ساد الأنام فضائلًا وفَخارَا
مولايَ نجمُ الدين أفضلُ ماجدٍ قد طاب فَرْعًا حيث طاب نِجارَا
شَهْمٌ إذا بَخِل الغمامُ أفاض مِن كفَّيْه بحرا بالعَطا زَخَّارَا
لو صادفتْ صُمَّ الصخورِ رَذاذةٌ منه لأنْبَتها الربيع بَهارَا
[ ٢٢٠ ]
طَلْقُ المُحيَّا لو يلُوح شُعاعُه في وَجْه حظِّي لحظةً لأنارَا
أهْدَى إلىَّ رسالةً في ضِمْنها أهْدَى إلىَّ العمرَ والأوَطارَا
من كلِّ لفظٍ شائقٍ يبدو به معنًى يُدير على العقول عُقارَا
لا زلتَ تُوليني وِدادَك مُنْعِما وبقيتَ تعلُو في الورى مقدارَا
وإليك روض قد تفتَّح زهرُه فصدحتُ في عالي ذُراه هَزارَا
من كل قافيةٍ غدَتْ من حسنِها نَجْما كذاتِك في العلى سَيَّارَا
كالرَّاح تلعب بالعقول وإن تَشا كالسحرِ في حَدَقِ الحسان تَوَارَى
واُعْذُر إذا أخَّرتُ فيك مدائحي فلأنتَ ممَّن يقْبل الأعذارَا
لولاك ما نَظَّمتُ عِقدًا دُرُّه ينْحلُّ فيه عَسْجَدًا ونُضارَا
فالسُّقمُ قد أفْنى رُواءَ قريحتي بَغْيًا كأن له عليها ثَارَا
أنا مَن عرفتَ مَحَلَّه من وُدِّه وسيْغتدى لثَرَى نِعالِك جاَرَا
واسلمْ لنا ولسُؤْدَدٍ أصبحتَ في سامِي حِماه تُزيِّن الأقْطارَا
وكتب إلى من تواليد طبعه المطبوع، قوله:
أحِبَّايَ إن شَطَّ الحبيبُ عن الحِبِّ وفارقَه يحْتاج طِبًّا على طِبِّ
فإن غابَ عن عيْني خيالُ أحبَّتِي فحبُّهمُ اسْتولَى على حَبَّةِ القلبِ
وما عندكم من شِدَّة الشوقِ فهْو في فؤاديَ فاسألْ إن شككْتَ عن الركبِ
أتاح إلهي قُربَكم ولِقاكمُ ليْلتئِمَ الشَّمْلُ المشتَّت بالقُرْبِ
فذاك اخْتياري ثم قصْدي وبُغْيتي ألا إنَّما الدنيا اجتماعُك بالحِبِّ
فلا خيرَ في عيشٍ بغير أفاضلٍ ولا خيرَ فيمن مالَه صاحبٌ يُنْبِى
فعنديَ طِيبُ العيش صُحبةُ عالِمٍ بصحْبتِه يَنْزاح عن خاطري كربِى
فيا أخلصَ الإخوانِ قد جاء منكمُ رشاقةُ قولٍ رائقٍ رَيِّقٍ يَسْبِى
لقد كنتُ في ضِيقٍ وهمٍّ وكرْبةٍ فلما أتى المكتوبُ طار به لُبِّى
ففَاح لنا من نَشْرِه طِيبُ عَنْبَرٍ به انْتعشتْ رُوحي وجسمِي مع القلبِ
أدباء صفد وصيدا