نجيب دعا الأماني فكان الكمال له أول مجيب، وتفرد على كثرة النظراء وليس ذلك بعجيب من نجيب.
[ ٢٣٤ ]
فإن الليالي مع أنها ولود بمثله لم تنجب، والدهر على أنه أبو العجب إلا أنه بأعجب منه لم يعجب.
كان مقيما بقرية جُبَع من جبل عاملة، يركض جدواد طبعه في ميدان الفضل ويهز عامله.
حتى طوى على طيِّ شقة الأرض، واستأذن من طرف الخضر في ذرع مساحتها من الطول والعرض.
فخرج يركض النَّجائب، ويتبع في سيره العجائب.
ويحن ويئن، وما له قلبٌ مطمئنّ.
وهم سالم المهجة مع مس الضر، معافى الحشاشة مع الفقر المرّ.
فلم يفده البعد عن أحبابه، إلا تبييض مسودّ شبابه.
فاعتاض عن السواد بالبياض، وبئس والله هذا الاعتياض.
ثم رجع إلى ووطنه شاكيا وعثاء السفر، ومنشدًا عند خيبة المسعى وتخلف الظفر:
نجيبُ أبناء الزمان مَن به نَضارةُ الدهر ورَيْعانُ المنَى
طوَّف آفاقَ البلاد ليرى له نظيرًا في الذَّكا فما رأَى
فعاد بعد طول عمر نَأْيه بصفْقة المغْبون يُبدي المشتكى
وأصبحتْ عينُ البلاد بعده لبُعده مملوءةً من القَذَى
ونظم رحلة تتلاشى عندها الرّحل، وأودعها من أبكار أشعاره ما ليس بالدَّخيل ولا المنتحل.
وهو في النظم مقدَّم غير مؤخَّر، وكأنا القلم لإطاعته مسخَّر.
وقد أوردت له ما تبتهج به الأزمان، وتتنادم عليه في مجالس أنسها النُّدمان.
فمنه قوله:
عِزَّة النفس وانقطاع النصيب أوجبا ذِلَّتي وهجر الحبيبِ
فتعوَّضت عن مَرامي وقصدي ببِعادي عنه وقربِ الرَّقيبِ
وانْقضى العمر في الأماني وما كنْ تُ إلى الله راجعًا من قريبِ
هو دائي إذا يشَا ودوائي فهْو ما زال عِلَّتي وطبيبي
وقوله يمدح السيد مبارك بن مطلب حاكم الحويزة:
يا سائلي عن أرَبي في سفرِي ومَطْلبي
لي مطلبٌ مبارك مُباركُ بنُ مطلبِ
نجلُ علىِّ المرتضَى سِبْطُ النبيِّ العربي
الطيِّب بن الطيبِ بْ نِ الطيب بن الطيبِ
أمانُ كلِّ خائفٍ غِياثُ كلِّ مُجدِبِ
مُنيلُ كلِّ نعمةٍ من فضةٍ وذهبِ
في فضلهِ وجودِه تسمُع كلَّ العجَبِ
الأسدُ الكاسر لا يخْشاه فَرْخُ الثعلبِ
كما السِّخالُ جملةً ترعى وجُرْدُ الأذْؤُبِ
والفُرْسُ والتُرْك له دانتْ وكلُّ العربِ
إذا حَللْتُ أرضَه نسيتُ أمي وأبِي
وأسرتي وولدي بنتًا يكون أو صبي
ومن يكنْ حَيْدرةٌ أباه والجدُّ النبي
فكلَّما تصفُه مِن دون أدنى الرُّتَبِ
وله من قصيدة، مطلعها:
ألا هل لُمضَني هجركم من يعودُه فيخضرُّ بعد الهجر بالعَوْد عُودُهُ
وهلاَّ وعدتُم إذ بَخِلتم بوصْلِه فقد تجبُر القلبَ الكسيرَ وعُودُهُ
وَتُحْيَ نفوسٌ صَوَّح الدهُر نَبْتَها وتُجنى رياحينُ الِّلقا ووُرودُهُ
فقد هجرتْه لذَّةُ النومِ بعدكم ومَشْرَب صافي الودِّ عَزَّ وُرودُهُ
دنَوْتم فأحيَيْتم قلوبًا بوصلكمْ وقلبي بِحَرِّ النأْيِ مات وجودُهُ
بَخِلتُم على مُضناكمُ وهْو عبدكمْ وما حاتمٌ إن عُدَّ يومًا وَجُودُهُ
وكتب إلى الحريريّ الحرفوشيّ:
سعِدتَ بَلثْم كَفٍّ يا كتابي لمولىً عالم عَلَمٍ مُمَجَّدْ
فتًى في الفضل ليس له نظيرٌ عويصُ المشِكلات له تمهَّدْ
بني رَبْعَ العلى بعد انْهدامٍ وجدَّد ما وَهَى منه وشيَّدْ
له قلمٌ إذا ما جال يومًا فما الخَطِّىُّ والعَضْب المهنَّدْ
فخُصَّ من السلام مدَى الليالي بتسْليم جزيلٍ ليس ينْفَدْ
اغتناما للفرصة، وحذرًا من فوت ما ليس في تركه مندوحة ولا رخصة.
وجَّهت هذه العجالة، معتمدًا على الاختصار مضربا عن الإطالة.
[ ٢٣٥ ]
إلى من أشرقت شموس فضائله فأزاحت من الجهل ظلم الغياهب، وأنارت بدور فواضله فأخجلت نيَّرات الكواكب.
واستولى على مدائن الفضل وحصونه، فظفر من ذخائره وكنوزه بمصونه ومخزونه.
بوسيلة إرسال تسليمات يحيى ذكرها ميِّت النفوس، وتتزيَّن بتسطيرها متلحِّظات الطروس.
ومن بدائعه قوله:
ألا هل يُرى من عِلَّة الصدَّ نافعُ سوى الوصلِ أو من غُلَّة الوجد ناقعُ
وهل بعد شَتِّ الشَّمْل للجمعِ أوْبةٌ فتجمعنا من بعدُ تلك المجامعُ
سقى الله أيامًا مضتْ في غضونها هصَرْنا غصونا ما أقَّلْته يانعُ
ولي طمعٌ في القربِ واللهُ قادرٌ وماذا عسى تُدْنِى البعيدَ المطامعُ
وفي كل حينٍ شارقُ الجَدِّ هابطٌ وغاربُ سوءِ الحظِّ في الناس طالعُ
ولي من أذَى من أرْتجيِه عظائمٌ مدَى الدهر عمَّا أصْطفيه قواطعُ
مضى العمرُ لا الدنيا حَظِيتُ بخْيرها ولا أنا عمَّا يُسخِط اللهَ راجعُ
وللهِ لا للناسِ شكْوايَ كلُّها من الدهرِ والأمرِ الذي هو واقعُ
تولَّى خِصام الحسنِ قَهْرًا بنفسِه فليس له منه حُماةٌ تُدافعُ
ولا سِيَّما مَن ظَنَّه عن تخُّيلٍ نجيِبًا فبالبْلوى إليه يُسارعُ
فغايةُ مَن يرجوه أوْحَد دهرِه به ترْكُهُ في حالِه وهو تابعُ
إذا كان ريحُ المسكِ يُنكَر ضائعًا بأرضٍ فذاك المسكُ لا شك ضائعُ
وقد يُترك المجروحَ في ترْكِ شَمِّهِ ففي البْين داءٌ ذلك الداءُ مانعُ
وللهِ صَبٌّ في الزمانِ تقدَّمتْ مَقالُته في مثل ما أنا والعٌ
ألا فاخْشَ ما يُرجَى وجَدُّك هابِطٌ ولا تخْشَ ما يُخشَى وجدُّك رافعُ
فلا نافعٌ إلَّا مع النَّحْسِ ضائرٌ ولا ضائرٌ إلَّا مع السعدِ نافعُ
وقوله:
يا من يُحاول ما أمَّلتَ بالحِيَلِ دَعْ ما تخالُ فهذا أولُ الخَلَلِ
واركبْ متُون خيولِ السَّبْقِ واسْرِ بها في جُنح ليلِ الهدى من غيرِ ما كسَلِ
وجانبِ الجِانبَ الأدْنَى فما ظفِرْت بالقُرب منه ذوو الآمالِ بالأمَلِ
واقطعْ رَجاك من الدنيا فما صدَقتْ في وعدِها أحدًا من سالفِ الأزَلِ
وصِل حِبالَك بالحبلِ المَتين فما يُعِطى ويمنعُ إلا علَّةُ العِلَلِ
واسُلكْ سبيلَ رِضاهُ غيرَ مُتَّئدٍ فإنه لْلبرايا أوضحُ السُّبُلِ
وازْدَدْ على الهجر حُبًّا لا تَمَلّ فما في مِلَّةِ الحب آذى من أذَى المَلَلِ
وقوله على طريقة المهيار:
يمينًا بهم صادقا لن يمينَا لقد خلَّفونا وساروا يمينَا
مقيمًا على عْهدهم لا أحولُ ولو أنهم أصبحوا ظاعِنينَا
مَشُوقا إلى سْمعِ أوصافهمْ فأوصافُهم تُطرب السامعينَا
عيونٌ تفِيض لتَذْكارهم فتحْكِى إذا ما ذكرت العيونَا
وقلبي يحِنُّ لأخبارهمْ فتْلَقى له حين يُتْلَى حنِينَا
وعيشِىَ من بعدِهم لا يطيبُ على أيِّ حالٍ عسى أن يكونَا
ونَوْحِي ولو عِشْتُ ما عاش نُوحٌ يزيد على جملِة النَّائحيِنَا
وأعظمُ من بُعْدِهم حسرةً شَماتةُ من أصبحوا شامتيناَ
وقوله:
عزيزٌ علينا أن تهُون نفوسُنا لذلك بالصبرِ الجميل أهَنّاهَا
وكنَّا نرى أنْ لو أتانا مُفاجِيًا مُعَزٍّ لها فيها بذلك هنَّاهَا
لنَرْعى نفوسًا من نفوسٍ زكيَّةٍ بأرْواحنا لو تُفْتدَى لفديْناهَا
وقوله:
لي نفسٌ أشكو إلى الله منها هي أصلٌ لكلِّ ما أنا فيهِ
[ ٢٣٦ ]
فجميلُ الخِلال لا يرْتضينِي وقبيحُ الخلال لا أرْتضيهِ
فالبَرايا لذاك أو ذا جميعا لي خُصوم من عاقلٍ أو سفيِه
ومن مقطعاته قوله:
علَّةُ شيْبي قبل إبَّانِه هجرُ حبيبي في المقال الفَصيحْ
ويجعل العلَّةَ في هجْرِه شْيبى وفي ذلك دَوْرٌ صحيحْ
هذا الدور دار على الألسنة قديما حديثا، ومن مشهوره قول بعضهم:
مسألةُ الدَّوْرِ جَرَتْ بيني وبين من أُحِبّ
لولا مَشِيِبيَ ما جفا لولا جَفاه لم أشِبْ
ومثله لأبي العباس خطيب جامع دمشق:
مسائلُ دَوْرٍ شيْبُ رأسِي وهجرُها وكلٌّ على كلٍّ له سبَب يُنْبِي
فأُقْسِم لولا الهجر ما شاب مَفْرِقي وتُقسِم لولا الشَّيب ما كرهتْ قُرْبِي
وله:
واعجبًا منَّا ومن حُبِّنا للْمال ما ذلك إلا بَوارْ
فآخِر الدرهمِ هَمٌّ يُرى وآخرُ الدنيا ولا شك نارْ
البيت الثاني من الأول:
النارُ آخرُ دينارٍ نطقْتَ به والهمُّ آخر هذا الدرهم الجارِي
والمرءُ ما دام مشْغوفًا بحبِّهما معذَّبُ القلب بين الهمِّ والنارِ
وله:
المرءُ لا يسلمَ من حاسدٍ أو شامتٍ في العسر واليُسرِ
فهو على الحالْين لا بدَِّ أن يْلحقه نوعٌ من الشرِّ
وله:؟ وإذا كانت الحياةُ إلى الموْ - تِ فقَصْرُ الآمالِ أوْلى وأحْرَى
فالخطايا تزْداد والعيشُ ضَنْكٌ فهْو أولَى لا شكَّ أُولى وأُخْرَى
وله:
كلُّ اُمريءٍ دون أمْرَ يْ نِ من الأنام مُقصِّرْ
إمَّا اْمرؤٌ متوكِّلٌ أو آخَرٌ متهوِّرْ
وله:
ما صفا الدهرُ لامريءٍ قَطُّ يومًا من البشَرْ
فإذا مَشْربٌ صفَا عانَد الدهرُ في أُخَرْ
وله:
مالي على هَجْرِك من طاقةٍ ولا إلى وَصْلِك من مَقْدرَهْ
لكنني ما بين هذا وذا فرَّطتُ في دُنيايَ والآخَرهْ
وله في السيد خلف بن مطلب، وأجاد في التورية:
إذا جرى ذكرُ ذي فضلٍ ومَكرُمةٍ ممَّن مضى قلتُ خَلُّوا ذكرَ من سلَفَا
الحمدُ لله أهلِ الحمد إنَّ لنا عن كلِّ ذي كَرَمٍ ممن مضَى خلَفَا
وله في مداد أحمر على ورق أصفر:
مَدمعي مثلُ مِدادي والورقْ لوْنه لَوْني ولكني أرَقّ
طلَّق النومُ جفوني فلذا عُوِّضتْ عنه بتزْوِيج الأرَقْ
ولبعضهم، وقد أعطى بعض الشعراء جائزة في كاغد أحمر:
جائزتي في كاغدٍ أح مرَ وارِدٍ عليْكْ
أُشْرِبَ بعضَ خجْلتي من قِلَّة المُهدَى إليْكْ
ويستظرف قول الحسن البورينيّ، وقد كتب يستدعى بعض خلانه بفرصاد لكونه لم يجد حبرًا:
يا طرائرَ الْبان خُذ منِّي مكاتبةً ضَعْها لدى منْزِل الظَّبْيِ الذي سَنَحَا
هي الشكايةُ من داءِ الغرام وقد كتْبتُها بدمِ القلب الذي جرحَا
ولنجيب الدين:
جُبْتُ البلاد فما وجدْ تُ بها صديقًا صادقَا
يا قلبُ فاحذَرْ لا تكن منها بِخِلٍّ واثِقَا
وله:
هو الدهرُ ربُّ الجاهِ فيه أخو الفضلِ ولو أنه عارٍ من الدين والعقلِ
وربُّ الحِجى والفضلِ والعلمِ والتقى إذا ما خَلا منه فذاك أبو جهلِ
وقال في رحلته، عند ذكر أمير المؤمنين، كرَّم الله وجهه:
وقلتُ فيه بيت شعرٍ وَصْفا يحصُل منه أربعون ألْفَا
تلْحقها ثلاثةٌ مِئِينا كاملةً مضافةً عشرينَا
أبياتُ شِعْرٍ عدُّها كما ذُكِرْ والبيتُ هذا فتأمَّل واختبرْ
عليٌّ رَضِيٌّ بَهِيٌّ وَلِيُّ صَفِيٌّ وَفِيٌّ سَخِيٌّ عَلِيُّ
يشتمل هذا البيت على أربعين ألفًا وثلاثمائة وعشرين بيتًا.
[ ٢٣٧ ]
وبيان ذلك أن البيت ثمانية أجزاء يمكن أن تنطبق كل جزءٍ من أجزائه مع الآخر، فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات.
فالجزآن الأولان على رضي يتصور فيهما صورتان؛ التقديم، والتأخير.
ثم خذ الجزء الثالث، فتحدث منه مع الأول ست صور؛ لأنه ثلاثة أحوال؛ تقدمه، وتوسطه، وتأخره، ولهما حالان، فاضرب أحواله في الحالين تكن ستة.
ثم خذ الجزء الرابع، وله أربعة أحوال، فاضربها في الستة التي لما قبله، تكن أربعة وعشرين.
ثم خذ الخامس، تجد له خمسة أحوال، فاضربها في الصور المتقدمة، وهي أربعة وعشرون، تكن مائة وعشرين.
ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال، فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين.
ثم خذ السابع، تجد له سبعة أحوال، فاضربها في سبعمائة وعشرين، تكن خمسة آلاف وأربعين.
ثم خذ الثامن، تجد له ثمانية أحوال، فاضربها في خمسة آلاف وأربعين، تكن أربعين ألفًا وثلاثمائة وعشرين بيتًا.
ومن فوائده فيها، عند ذكر الغيبة، قوله:
وجوَّزُوا الغِيبةَ في مواضعِ لكنها قليلةُ المواقعِ
كرَدْعِ شخصٍ يفعلُ القبائحَا أو كان للشَّاهدِ أيضًا جارحًا
أو وصْفِه بما به يمتازُ بفعلِه كي يحصُل احْترازُ
ففي الحديث الفاسقَ اذْكروهُ يعرفُه الناس فيحذروهُ
وكلُّ ذا مع عدَمِ التَّقَّيةِ والخوفِ من ذي الشِّيَمِ الرَّدِيَّةِ
ومما يستحسن له قوله:
مدَّت حبائلَها عيونُ العِينِ فاحفظَ فؤادَك يا نجِيبَ الدينِ
في هجْرِها الدنيا تضيعُ ووصْلُها فيه إذا وصَلتْ ضَياعُ الدينِ
وهو من قول الآخر:
يا قلبُ دَعْ عنك الهوى واسترحْ فلستَ فيه حامدًا أمْرَا
أضعتَ دنياك بهجرٍ وإن نلْتَ وِصالًا ضاعتِ الأخرىَ
ومثله للبابي:
طريقَ القضا لا بل طريقَ جهنَّمٍ ركبتُ فأضحى حلوُ عيشي به مُرًَّا
أمانٍ بها دنيايَ ضاعتْ فلم أنَلْ علَى أنني إن نِلْتُها ضاعتِ الأخرَى
وله:
لك اللهُ من دهرٍ توالتْ صرُوفُه علينا فأوْلَى ضدَّ ما نتمنَّاهُ
فقرَّبنا ممَّن نَوَدُّ بِعادَه وأبْعدنا عمَّن نحبُّ ونهْواهُ
وهو من قول المتنبي:
أما تعلَط الأيامُ فيَّ بأن أَرى بغيضًا تُنائِي أو حبيبًا تُقرِّبُ