هو في الميلاد سليله، وفي البراعة مقدمه ودليله.
طلع طلوع الزهر من الكمامة، فتهادته أبناء عصره تهادي الشمامة.
ينشد الأدب من خصاله، كما ينشد الأنس من وصاله.
وله شعر أوقع في النفس من رجعة الشباب، وأسوغ من سلافة الكأس طفى عليها الحباب.
أثبت منه ما يقع موقع الماء من ذي الغلة، ويفرح فرح الشفاء لصاحب العلة. فمنه قوله، من قصيدة:
أجَلْ إنها الآرامُ شِيمتُها الغدْرُ فلا هجرُها ذَنْبٌ ولا وَصْلُها عُذْرُ
ففُز سالمًا من فَرْطةِ الحبِّ واتَّعِظْ بحالِي فإن الحبَّ أيْسرُه عسرُ
وقد هاجَنِي في الأيْكِ صَدْحُ مُغرِّدٍ به حلَّتِ الأشجانُ وارْتحل الصبرُ
يُذكِّرني تلكَ الليالي التي مضتْ بلَذَّةِ عيْش لم يشُبْ حُلْوَهُ مُرُّ
سُقِيتِ ليالِي الوصلَ مُزْنَ غَمامةٍ فقد كان عيشِي في ذَراكِ هو العمرُ
فكم قد نعِمْنا فيكِ مَعْ كلِّ أغْيَدٍ رقيقِ الحواشِي دون مَبْسمِه الزَّهْرُ
لقد خَطَّ ياقوتُ الجمالِ بخدِّه جداولَ من مِسْكٍ صحيفتُها الدُّرُّ
منها:
وروضٍ بها جَرَّ الغَمامُ ذُيولَه فخرَّ له وَجْدًا على رأسِه النهرُ
وقد أرْقدَ الأغصانَ تغْريدُ وُرْقِه وأضْحك ثغرَ الزَّهرِ لمَّا بكى القَطْرُ
[ ٣٢٠ ]
وضاع به نَشْرُ الخُزَامَى فعطَّرتْ نسيمَ الصَّبا منه ويا حبَّذا العِطْرُ
بدائعُ من حُسْن الربيعِ كأنَّها إذا ما بدتْ أوصافُ سيِّدنا الغُرُّ
ويستحسن له قوله:
كأنما الوجهُ والخالُ الكريمُ به مع العِذارِ الذي اسْوَدَّتْ غَدائرُهُ
بيتُ العتيقِ الذي في رُكْنِه حَجَرٌ قد أُسْبِلتْ من أعالِيه ستائرُهُ
أخذه من قول سيف الدين المشد:
يامَن عِذارُه وأصْداغُه حدائقٌ هِمْتُ بأزْهارِهَا
لو لم يكنْ خَدُّك لي كعبةً لَما تعلَّقتُ بأسْتارِهَا
إلا أنه زاد فيه تشبيه الخال بالحجر.
ولقد أجاد يوسف بن عمران، في قوله يصف أرمد:
حين خُبِّرتُ أن في الطَّرْفِ منه رمَدًا زاد في ذُبولِ المَحاجِرْ
جئتُ كيْما أزورَ مِن وَجْه بَدْرِي كعبةَ الحسنِ تحت سُود السَّتائرْ