فرع من تلك الدوحة الباسقة، وعصماء من عقد محتدها التي تنظمت فرائده المتناسقة.
أنبت به ندى بيته الثناء في حدائق الأذهان، وأملت معاليه المعاني بأفصح لسان على الأذان.
رضع من در العلوم كهلا ووليدا، وحوى من أنواع المفاخر طارفًا وتليدا.
يجتلى ناظره روض الحظ ناضرا، ويجتلب رأيه المغربات فيجعل غائبها حاضرا.
وله منطق يعلم الأبكم براعة التلفظ، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ.
فهو في كلامه النفيس العالي، كأنما عناه بقوله الميكالي:
إن كلامَ ابن أحمد الحسنِى آسَى كِلامَ الهمومِ والحزَنِ
سحرٌ ولكن حكى الصَّبا سَحَرًا في لُطْفِه غِبَّ عارِض هَتِنِ
وقد جرى في مجلس النجم الحلفاوي ذكر نجابته التي دلت عليه، دلالة النسيم على الحبيب إذا هب بعرف صدغيه.
فأثنى علي ثناء الزهر، على جدول النهر.
ووصف محتده وصف حسان، لآل غسان.
فرآ ليلةً في منامه أنه نظيم بيتين في نعته، ثم انتبه مع نومه فكتبهما من وقته.
وهما:
يا كيرُ فاق على الأقْران مرتِقيًا أَوْجَ المعالي فلا خِدْنٌ يُدانيِه
والفرعُ إن أثْمرتْ أيدي الكرامِ به فالأصلُ من كوثرِ الأفْضال يَسْقِيِه
وقد أثبت له ما هو أصفى من ماء المفاصل، وألطف موقعًا من ضمة الحبيب المواصل.
فمنه قوله:
بك صَرحُ العَلاء سامٍ عِمادُهُ وكذاك الكمالُ وارٍ زنادُهْ
إن كلَّ الأنام من ناظرِ الد هرِ بياضُ وأنت منه سوادُهُ
قد غرقنا من فيْض فضلك في أمْ واج بحرٍ تتابعتْ أزْبادُهْ
وإذا الفكرُ لم يُحِطْ بمعا لِيكَ جميعا وخاب فيك اجْتهادُهْ
فاعْتذاري ببيْت نَدْبٍ هُمامٍ ما كبَا في مَيْدان فضلٍ جوادُهْ
[ ٣٠١ ]
إن في الموجِ للغريق لعُذرًا واضحًا أن يفوتَه تعْدادُهْ
وقوله، من قصيدة أولها:
تهلَّل وجه الفَضل والعدلِ بالبِشْرِ وأصبح شخصُ المجد مبتسمَ الثغرِ
فيالَك من مولىً به الشعرُ يزْدهِي إذا ما ازْدهتْ أهلُ المداح بالشعرِ
فريدُ لمعاالي لا يرى لك ثانيًا من الناس إلا من غدا أحْولَ الفكرِ
معنى الأول مطروق، وأصله قول أبي تمام:
ولم أمدحْك تفْخيمًا بِشعرِي ولكني مدحتُ بك المديحَا
وأبو تمام أخذه من قول حسان، في مدح النبي ﷺ:
ما إن مدحتُ محمدًا بمقالتي لكن مدحتُ مقالتي بمحمدِ
والبيت الثاني من قول بعضهم:
إنَّ من يُشرِك باللَّ هِ جَهولٌ بالمعانِي
أحْوَلُ الفكر لهذا ظن للواحد ثانِي
وله من قصيدة:
لاح الصَّبا كزُرقة الألْماسِ فلْتصطبِحْ ياقوتَ دُرِّ الكاسِ
من كفِّ أهيفَ صان وردَ خدودِه بسِياج خطٍّ قد بدا كالآسِ
كأن مَرآهُ البديعَ صيفحةٌ للحُسن جَدْولُها من الأنْفاسِ
في روضةٍ قد صاح فيها الديكُ إذْ عطَس الصباحُ مشمِّتا لعُطاسِ
ضحكتْ بها الأنوارُ لما ان بكى جَفنُ الغمام القاتمِ العَبَّاسِ
ورقَى بها الشُّحْرورُ أغصانًا غدتْ بتموُّج الأرْياح في وَسْواسِ
والوردُ تحمَده البلابلُ هُتَّفا من فوق غصنِ قَوامِه المَيَّاسِ
ويرى البَنفْسَجُ عُجْبَه فيعود من حسَدٍ لسطْوتِه ذليلَ الرَّاسِ
والطَّلُّ حلَّ بها كدمعِ مُتيَّمٍ لِمعاهدِ الأحبابِ ليس بناسِ
فتظنُّ ذَا ثغرًا ولا عينًا وذا خَدًّا لغانيةٍ كظَبْيِ كِناسِ
واحْمرَّ خدُّ شقائقٍ مُخْضلَّةٍ حُمِيتْ بطَرف النرجِس النَّعَّاسِ
حسدًا لخدِّ الطِّرس حين غدا له خَطُّ القريضِ بمدْح فضلِك كاسِ
وله من أخرى في المدح:
مولاي قُم نلتقطْ من لُؤلؤِ الحِكَمِ دقائقًا حُجِبت عن فِطْنة الفَهِمِ
في وصف روضٍ أنيقٍ راق منظرُه من الزَّبَرْجَد والياقوت مُنتظِمِ
أما ترى نفحةَ النِّسْرِين عابقةً والزَّعْفرانَ سقتْه السحبُ بالدِّيَمِ
والمِهْرجانَ أتى من جَحْفلٍ لَجِبٍ من الرياض فأهدى طيِّب النَّسَمِ
تقابلتْ فيه أحْداقٌ لنَرْجِسه تحكى فمًا مال للتقبيل نحو فَمِ
والنهرَ عاوَد بعد الصدِّ مُنعطفًا يَبُّلُّ شوقَ نباتِ الغَوْرِ والأكَمِ
والوُرْقَ غنَّتْ على الأشجار من طربٍ مُجيبةً عَنْدَليبَ الدَّوْحِ في الظُّلَمِ
فالْهَجْ بِتَذْكار غِزْلانٍ لواحظُهمْ تركْنَ أهلَ الهوى في قبْضة السَّقَمِ
وأهْيفٍ من ظِباء الْحُور مُقلتُه عن قَوْس حاجبِه أوْدَتْ بكلِّ كَمِي
إن يهجُر الشاربُ الريَّانُ مَبسمَه فالعذبُ يُهجَر بالإفْراط في الشّبَمِ
في صُدْغه طبعتْ أهْدابُ ناظرِنا فظنَّه الصبُّ خطَّا غيرَ ملتئِمِ
أدار شمسَ المُحيَّا بدرُ راحتِه ممزوجةً برُضاب المَبْسَمِ الشَّبِمِ
من خمرةٍ عُصِرتْ بالبِشْر من قِدَمٍ جاءتْ تخبِّرنا عن سالِف الأُمَمِ
في روضةٍ ضحكتْ فيها أزاهرُها مُذْ جادَها وابلٌ يهْمِي بمُنْسجِمِ
وقام بُلْبُها يتلو محاسنَ مَن شهباؤُنا منه في أَمْنٍ من النِّقَمِ
صدرُ الموالي فريدُ العصر جَهْبَذُه ومَن به الناسُ مغمورون بالنِّعَمِ
كهفُ الأنام مَلاذُ الخلق أحمدُ مَن فاق الفحُول بفضلٍ غيرِ منكتِمِ
[ ٣٠٢ ]
مَن شرَّف البلدةَ الشهباءَ مَقدَمُه ففاخرتْ جُلًّ مُدْنِ العُرْب والعجمِ
أقام فيها عمادَ الشرع مجتهدًا حتى روَتْ حسنَها للناس عن إِرَمِ
وله من أخرى:
هو في الفؤاد وشخصُه ناءٍ عن الْ ألحاظْ فهْو مسافرٌ ومُقيم
سحَر العقولَ بلَحْظِه فكانما في الجَفْنِ دُرُّ كلامك المنظومُ
يا أيها المولى الذي أحْيَى رُبو عَ الفضل والأفْضال وهْي رَميمُ
أعطيتَ دهرَك من خِلالك خُلَّةً فغدا كريم الفعلِ وهْو لئيمُ
وله، وتعزى لوالده:
صدرَ الوجودِ وعينَ هذا العالَمِ ومَلاذَ كل أخِي كمالٍ عالِمِ
إن لم تكن لذَوِي الفضائل منقِذًا من جَوْر دهرٍ في التحكُّم حاكم
فبمن نلُوذ من الزمانِ وبابَ من نَنْتاب غيْرَك في المُهِمِّ اللازمِ
فبِحقِّ مَن أعْطاك أرفعَ رتبةٍ أضحى لها هذا الزمانُ كخادمِ
وحَباك من سُلطاننا بمواهبٍ تركتْ حسودَك في الحضيضِ القاتِمِ
فإذا تتوَّج كنت دُرَّة تاجِه وإذا تختَّم كنت فصَّ الخاتمِ
إلاَّ نظرتَ بعين عطفِك نحوهم وتركتَ فيهم كلَّ لَوْمةِ لائمِ
ورَعيْتَ في داعِيك نِسْبته إلى خيرِ البريَّة من سُلالة هاشمِ
فالوقتُ عبدك طَوْعُ أمرك فاحْتكمْ فيما تشاءُ فأنت أعدل حاكمِ
فإذا تتوج، هذا تضمين، فإن البيت للمتنبي، من قصيدته التي أولها:
أنا منك بين فضائلٍ ومكارم
ومما يحسن له قواله في التشبيه:
ثلاثُ شاماتِه على نَمَطٍ في جانب الخدِّ وهْي مصفوفَهْ
كأنها أنجُم الذِّراع بدَتْ في جانب الشمسِ وهْي مكسوفهْ
وقد تناول هذا المعنى صاحبنا عبد الباقي بن السمان، في قوله:
وكأن خالَيْه اللَّذَيْن بخدِّه والشمسُ في وجَناتِه لم تغرُبِ
نَجْمان قد كسَفتهما شمسُ الضحى أو نُقطتا حِبْر بطِرْسٍ مُذْهَبِ
وأصل هذا المعنى لابن خفاجة الأندلسي، في قوله:
غازلْتُه من حبيبٍ وجهُه فلَقٌ فما عدا أن بدا في وجهِه شفَقُ
فارْتجَّ يعثُر في أذْيال خَجْلتِه غصنٌ بعِطْفيه من إسْتَبْرقٍ ورقُ
تخالُ خِيلانَه في نُورِ وَجْنتِه كواكبًا في شُعاعِ الشمس تحْترقُ